بعد ان ينهي عبد المطيع افطاره, ويتجه الى غرفة النوم استعداد للذهاب الى مكان العمل , يصدر توجيهاته لمطيعة عن رغبات ما بعد عودته, متذمرا خلال ذلك من طريقة ادارتها في الماضي القريب والبعيد لشؤون المنزل المفترض ان تكون بكامل الاستعداد لتلبيتها, وحتى المتقلبه منها.

تقوم مطيعة عادة بتنظيف حذائه, الا انها اليوم لم تقم بذلك لاحساسها بجسمها المتعب الذي تسحبه ارجلها التي تأن من اعمال يوم امس, فاطلق عبد المطاع صرخة امرٍ مدوية لحكم قطعي بعدم جدوى مطيعة. لم تكن ارجلها هي التي حملتها لتركع امامه, بل خوفها المتراكم من الاف السنين فهو على حق مطلق, بل ولم يطرا ابدا ان تساءلت علنا لماذا ؟! فذلك الحاد اجتماعي قد يعرضها الى الخروج عن الاجماع القطيعي على المسَلمات، والرجل اسمى من الانثى حتى وان كانت الانثى مدام كوري او غاندي او اجاثا كرستي او بهيجه (بطلة جسر الاحرار) او امال او الهام…………..

امتلكت مطيعه حسا فطريا وبعض التعليم الابتدائي, واستمعت في مراهقتها لبعض المناقشات من اخيها اليساري في المساواة بين الجنسين, ثم تناهت الى مسامعها جملا من مناقاشات مثقفين في المنزل الملاصق لمطبخها, فاتاح لها كل ذلك تمييز اخطاء عبد المطيع وفشله المستعصي المزمن خارج المنزل, فاسَرتها اسئلةُ لم تكن مؤهلة لاجابتها: اهي عورة ام انسانة ؟ ……….

قبل ان يغادر عرينه اعطى عبد المطاع تعليماته الاخيره بخصوص الغداء هذا اليوم: “كاري دجاج على تمن وما يكون محروك مثل كل مره”, ثم التقط انفاسه واضاف, “مو دجاج مجمد مابي طعم دجاج عرب”. ارتدى نظارته الشمسية وغادر. ارتعبت مطيعه فكيف لها ان تذبح احدى دجاجات السطح فذلك محرم على النساء. حاولت ان تتشاغل لبعض الوقت, فغسلت الصحون والارضيات وطلبت من البنات ترتيب غرف النوم.

في المرة السابقة التي طلب منها عبد المطاع ذبح دجاجة استعانت بجارتها الزوجة الثانية لكريم صديق عبد المطاع .. و بعد دقائق جاء كريم صارخا “السلام عليكم” ،وعليكم السلام ردت بلا قصد، وبطريقته المعهوده في الصراخ عند الحديث قال بخبث ” شنو عبد المطاع كام يخاف يذبح دجاج”. وباستكانتها التي اصبحت جزءا منها قالت ” لا والله اني نسيت اكُلا ”. تشاهد وذبح الدجاجه. توقف قليلا وقال ” اي زين, تحتاجين غذا, امبين عليج مدا ايداريج عبد المطاع” واضاف بزهو “والله اني زوجاتي الاثنين والله يلعن الثالثه الي طلكتها ما احبهن اضعاف وكلهن ارضيهن”. ارتعش داخلها خوفا من تلميحاته المبتذله ومدت يدها لتاخذ السكين لتغسله من الدم, امسك بيدها وسحبها اليه بقوة ثور وهو يطلق اصوات الثغاء من فمه المفتوح الباحث عن لحم حي يمتصه, صرخت بهمس خوفا ان تسمعها البنات ” عيب وحرام ” لم يسمع اية كلمه مما قالته واستمر لهاثه المندفع نحوها والمشبع برائحه فمه الذي لم يعرف غسل الاسنان… دفعته عنها بقوه, الا انه كان كالديزل المنطلق نحو الاسفل, تقززت روحها وتقزز جسمها. سقطت على الارض, اسقط السكين من يده على الارض ليتمكن من انزال ملابسه, وبسرعه البرق قبضت على السكين وصرخت بهمس مرة ثانية “اخرج حيوان”, فخرج وهو يسحب حزامه خلفه…

تذكرت كل ذلك وقررت ان تقوم هي بذبح الدجاحة … بحثت عن وتد بطول قدم على الاقل ذهبت الى المطبخ وصعدت الى السطح علها تجده قرب التنور, وحين عجزت هداها تفكيرها اخيرا الى استخدام”جفجير التمن” … وضعت “الجفجير” بين ساقيها واتمت طقوس ذبح الدجاجه….
تسمرت في مكانها وهي ترى الدجاجه ترتطم بالارض في رقصه عجائبية, ارجل تحفر الارض وراس مدلاة. تساءلت مطيعة: اترقص فرحا من انتهاء العذاب ام تتلوى خوفا من القادم؟! اترتعش اسفا على ما فاتها من فرص فرح في الحياه مُنعت منها؟! اتحفر قبرها ام تتشبث بالحياه؟؟!!… سمعت اخر حشرجة للدجاجة ،وتدفق السائل الاحمر ، لم تستطع الاستمرار خارت قواها كاملة احست بارتفاع حرارتها فنادت على ابنتيها : ” اني مريضه اليوم انتو كملو الطبخ, لحد ايجيب سيره لابوكم اني ذبحت الدجاجه”.

القت جسدها على السرير ونسيت بيدها “جفجير التمن” تداخلت الصور في ذهنها .. عبد المطيع.. ..كريم.. ..اخوتها الذين دفعوها للزواج لكي لا تصبح ثقلا عليهم , فحولها عبد المطيع الى مفرخه ومنتجع لرغباته.. تمنت للحظات ان تكون مكان الدجاجة, الا انها تداركت “استغفر الله”. غفت ورات انها تطلب من الله باكية ان تكون عاقرا خوفا على بنتيها من نفس المصير.عادت اليها صورة الدجاجة فوجدت فيها ملامحها, ,هل المتها السكين ام الزمن ام الناس ؟. وجدت نفسها تفكر رغما عنها اثناء غفوتها وعندما افاقت كانت عيونها عقيمة, فتعجبت كيف تبكي اثناء غفوتها ولا تتبلل اعيونها…فادركت ان اعينها لم تعد تشعر بالسعاده ففقدت الاحساس بالالم.

سمعت صوت الباب الامامي يفتح, عرفت انه عبد المطاع. اسرعت مرتعبة راجية من الله ان تكون الامور على ما يرام, وجدت ابنتيها قد اعدتا كل شيء بتناسق روتيني يومي وكأن المائده لم ترفع منذ زواجها. كانت تسمع اصوات قلبها الهلع وهي ترى وجه عبد المطاع وهو يخلع نظارته الشمسيه متفحصا جهوزية كل شيء له في المنزل ويردد بتذمر ” ينعل ابو هل عيشه”.. تقدم له كأس الشنينة البارد فيسقطه دفعة واحدة في جوفه. يرتدي الدشداشة ويغتسل ويجلس في المكان المخصص له منذ الاف السنين في الركن وعلى منصه, وتحيط به وسادتان كل واحده على جهه,و ليقابل التلفزيون مباشرتا. تقدم له مطيعة نصف الدجاجة والتمن مستنجدة بالله ان لا يسالها عمن ذبح الدجاجة, فتحاول ملاهاته بالسؤال عن العمل والشارع.

لاحظت علامات انزعاج قويه عليه, ومن خبرتها عرفت ان الامرلايتعلق بالعمل. لم يسألها عن ذبح الدجاجه فتصورت ان الله استجاب لدعائها, ولكنه عندما لم يقترب من الطعام خمنت ان هناك قضية كبيرة تشغل باله, ربما احد خطب البنات, فرحت في سرها وهي تدعو الى الله ان يزوج البنات. قال : شغلوا التلفزيون ما عرفتوا بالمصيبه؟ انهارت معنوياتها, تراكضت البنتين نحو الجهاز وجاء صوت مذيع النشرة “انفجارت تهز بغداد” ” عشرات القتلى والجرحى”. شنو هل الاخبار عبد المطيع يا ساتر يا ساتر, ردّدت مطيعة وكانت الشاشة الفضية تعرض اشلاء لا تعرف هويتها واكوام من السمنت والزجاج وحديد البناء تغطي اجسام صغيره وكبيره لنساء ورجال واطفال وشيوخ امتزجت لتكون دما ولحما بلا حراك لأناس كانوا قبل قليل يضحكون ويفكرون بالمستقبل. نظرت الى زوجها فشعرت بالامه, لاول مره تراه يتألم من اعماقه, لم تكن تتصور انه يمكن له ان يتألم… تابعا الاخبار سوية, لكنها لم تعد تستطيع متابعة الصور… احست بسائل حار ينهمر من عينيها, تصورت لفترة انه لم يعد بامكانها البكاء فقد جفت عينيها من الام الزمان, ولكن الموت الجماعي فتح قنوات جديده في عيون احاسيسها.