فنحن نقرأ من اجل القراءة ذاتها، نقرأ لنعرف، نقرأ باحثين عن إجابة لأسئلة في أذهاننا، نقرأ بحثا عن حلول لمشكلة وقضية ما، نقرأ لمشاركة الآخرين أخبارهم وخيالاتهم ومعلوماتهم، نقرأ لنكتب، نقرأ لتقديم دراسة علمية، نقرأ لنتسلى، نقرأ لنعرف الله يقينَ ونقرأ ونقرأ…؛ بمعنى أننا نقرأ لنعيش عالم الممكن بجميع إنزيحاته المعرفية حتى نتمكن من إزاحته وتقويضه بعالم ممكن آخر بنزيحات معرفية جديدة، الذي كان سابقا عالم غير الممكن عندما لم يكون غور هذا العالم معروفا لدينا، جاهلينا فيه ويستمر الأمر هكذا في كل نص جديد.

فالممكن هو واقع نعرفه الآن، وعايشته كل البشرية وجربته بكل فئاتها وأطيافها على اختلاف مستوياتهم المعرفية، كلٌَ حسب مستواه المعرفي؛ إن كان سطحيا أو عضويا، الذي حمل في ثنى طياته وارتجالاته واحات كالمحطات تراوحت بين كونها مرة خضراء يافعة نافعة ومرة جرداء قاحلة وأحيانا أخرى بين هذا وذاك. وعالم غير الممكن؛ عالم مثالي في حينه بكل افتراضاته التي نعيشها في خيالاتنا وأحلامنا قبل أن يكون معروفَ، ولكن لا نريدها أن تصبح كوابيس، وبآلها علينا لا على عالم الممكن الذي نعيشه، بل فضاء أفلاطوني، بل دعونا نوسع الاعتقاد قليلا فضاء شخصي تعيشه شخصيتك غير المعلنة رغم حبك لظهورها التي أخفاها تسارع الحياة المادي ورغبة الإنسان أن ينهش منها الكثير، عالم لم تتحدث عنه بمطلقه إلا الأديان وكأنها الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين وخاصة السماوية منها بحقائقها الكلية.

وهذا يدفعنا إلى القول أن المتعة ليست مجردة ووحدها لا تكفي، فعالمنا لا نقف عليه بطرح سؤال والإجابة عليه، أو حل مشكلة والوقوف على غيرها حتى لو استمتعنا ونحن نمارس ذلك الدور؛ فالمتعة لا تتأتى في الجماليات الكتابية فحسب، بل في جماليات التأويل والذهاب إلى ما هو أبعد من حدود النص، بعزل النص عن مؤلفه وكل الظروف المؤثرة والمحيطة “تحرير النص من سلطة المؤلف وربطه بسلطة القارئ”، وعن البيئة التي خرج منها؛ بتجريد النص من الأفعال التي أنتجته، والنظر إليه وكأنه ساقط من فضاء معرفي غير الفضاءات المعرفية المعروفه لنا تماما، المُكون لنزيحاءات جديدة يمكن تقويضها بعد اكتشافها وتفكيكها إلى مجموعة من البنى، ثم إعادة ربط المتناثر منها لإنتاج نتاج معرفي منطقي أو غير منطقي، يتمتع بفضاء جديد ونص أجد؛ فنوع الممارسة الذهنية، هي التي تحدد هذه الخيارات ليتيح مكان للحكم على الأشياء، رغم أن نظام تكُّون الأشياء غير معطى بطريقة مباشرة أو عادية.
وقد يسأل بعضنا،كيف اشعر بمتعة القراءة؛ وعندي هم كبير و مشاكل و قضايا تؤرقني، فهي تشعرني باليأس والإحباط والألم والأذى؟. هذا صحيح، ولكن السؤال سواء استمتعت أو تألمت وتأذيت بالمشكلة نفسها وبمرحلة البحث عن حل لها مستعينا بشروط القراءة والخبرة، وبين السؤال والاستفسار والاستشارة، كلها محاولات لإبداع وتأويل شيء ما ينقضك من أزمتك أو تركت أمرك لمصدر بؤسك وتعبك، فأنت تعيش الكد والتعب؛ فكلا الأمرين فيه كبد وما يصحبهما من الم وضيق ويتعده للإصابة بأحد أمراض الزمان المزمنة والنفسية الضجرة، وهنا الخسارة الكبرى، فكلاهما مر، لماذا لا نخفف على أنفسنا وطأة الحياة، ونجعلها أكثر رحابة وحلاوة ولا نضيقها على أنفسنا و على الآخرين .

وهنا دعوني أقدم لكم شعاراً لي في الحياة ولا اعرف احد أخرى قاله؛ فهو يشعرني بالراحة بل باللذة والمتعة ويمنحني الدفع إلى الأمام، ومع مرور الوقت تثبت صحته ومدى ارتباطه بواقع الحياة وازداد قناعة به (عالم الممكن) فـ “الحياة الم والألم حياة”؛ فعالم الممكن مؤلم في كله وجله، وأنواع البلاء والمصائب يكثر تعدادها، ونوائب الزمان يطول إيرادها، خلقه الله هكذا ونحن فيه، فقال الله تعالى في محكم التنزيل: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ” (سورة البلد)؛ فالحياة بؤس وشقا، وكلاهما يولد التعب الذي لابد أن يصيب الإنسان شيء منه؛ فالتعب موجود والمتعة موجودة، والتعب هنا يتعدى مصاعب الحياة ومشاكلها بل يتعدها ليصل إلى مصاعب فهم النفس وطبائع الناس وأنفسهم. لماذا لا نجعل عمل الإنسان بصنوفه عملا مريحا ممتعا، لماذا لا نجعل من الم الحياة وقسوتها مصدر سعادة وفرحة، لماذا لا نحول الأحزان إلى أفراح، والتعب إلى راحة، والموت إلى سعادة؟. برأي؛ كلها حاصلة ممكنة ونتأملها في الأحلام والذاكرة، والإنسان بطبيعته الناقصة لا يستطيع الصبر على كل صنوف البلاء؛ لان اليقين لا يعلمه إلا الله مهما قلنا علمنا وعرفنا، ولكن بيدنا الاستمتاع بما نُبلى ونصبر على الكبد والتعب، فغاية الم الحياة لذتها ومتعتها بل حريتها.

ولا أريد للقارئ أن يرتبط بذهنه أن للحياة وجه واحد (الألم فقط)؛ ففيها السعادة والفرح؛ فالكون قائم بخلقه على فكرة الأضداد فلكل شيء ضد. فأنت أحسست بالسعادة ولذتها واستشعرتها عندما ولدت لأبويك وعندما اشترى لك والدك لعبة وأنت صغير وعندما نجحت وحصلت على الشهادة وعندما تزوجت وعندما … ولكن نوائبها كثيرة.

ويجب أن يرافق المتعة شيء أكثر أهمية لتوصلنا متعة القراءة إلى الحرية، ليجد القارئ في القراءة وسيلته التي يبتعد فيها عن الواقع الذي يعيش فيه؛ ليتعرف عالم الممكنات وهذا ما ذهب إليه بارت، فبفعل القراءة الأولى حققت المتعة، والتي دفعت بك إلى تحقيق الفعل الحقيقي من القراءة في مرحلته الثانية وهو الكتابة، ولا يمكن الوصول إلى الفعل الثاني، إلا بما يرافق المتعة بالقراءة ومخارج التأويل والتفسير والتوضيح، وهي الحرية وكأنك وصلت إلى عالم غير الممكن الذي أصبح ممكنَ بنزيحاءته الجديدة التي تملك بداخلها شروط تقويضها. هل شعرت بالحرية أثناء القراءة والتأويل والتفسير التي لا يمكن أن يكبتها شيء، أم انك مازلت حبيس عبوديتها السابقة الاجتماعية أو العرفية التقليدية أو الدينية أو الإرثيه و التراثية، أم أنها حررتك وأخرجتك من جميع دوائر المعبود وأطلقتك إلى فضاء جديد حر متمسكين بالقيم الأخلاقية؟

[email protected]
حلمي درادكه