” وعندما نقول إن الإنسان مسئول عن نفسه فنحن لا نعني أنه مسئول فقط عن شخصه , ولكنه مسئول كذلك عن كل الناس . فكلمة ((ذاتية)) لا ينبغي أن تفهم إلا علي معنيين , ولكن خصومنا لا يأبهون إلا لمعني واحد من المعنيين , ويوجهون له النقد “

يبدأ سارتر استهلاله عن التحدث عن مفهوم كيف يكون الإنسان مسئول بالشرح القصير الوافي الذي يبين فيه ان المسئوله لها قسمين “كما سنوضح” ولكن الخصوم أو من لا يفهموا الفلسفة الوجودية لا يهتموا سوي بشق واحد وهو الذاتية

يقول سارتر ” إن الذاتية تعني الحرية الفرد الواحد من جهة , وأن الإنسان لا يستطيع تجاوز ذاتيته الإنسانية من جهة اخري,  و المعني الثاني هو المعني الأعمق للوجودية .,” ثم يوضح مايعنيه ويقول

” عندما نقول إن الأنسان يختار لنفسه , لا نعني أن كلا منا يجب أن يختار لنفسه , بل نحن نعني أنه يختار لنفسه, وهو إذ يختار لنفسه يختار لكل الناس , لأن الإنسان في الواقع وهو يمارس الأختيار كي يخلق نفسه كما يريد لنفسه , لايوجد مما يمارسة فعل واحد غير خلاق . ”

ويستطرد سارتر ويقول ” إنه باختياره لذاته يختار أيضا لبقية الناس , فلا عمل من أعمالنا في خلقة لما نريد أن نكونه , إلا ويساهم أيضا في خلق صورة الإنسان كما نتصوره , وكما نظن أنه يجب أن يكون .”

“إن اختيارنا لنمط معين من أنماط الوجود هو تأكيد لقيمة مانختار وإعلاء لشأنه”

ولكي نفهم تلك  الجملة يقول سارتر ” وكأننا نقول لكل الناس : اختاروا مثلما اخترنا , فنحن لا يمكن ان نختار الشر لأنفسنا , وما نختاره دائما خير لنا , ومن ثم فهو خير لكل الناس ”

نستطيعع الأستشفاف من تلك الجمل مفهوم الفردانية ايضا وكيف أن اختيارات الأفراد تكون في صالح الجميع ليس بكل تأكيد في كل الأحوال ولكن لنقل إن كانت عملية الأختيار منظمة و اخلاقية سوف تكون بكل تأكيد في الصالح العام .

وطبعا وعندما اذكر هنا كلمة “الأخلاق” لا اقصد بأي حال من الأحوال تلك المنظومة الأخلاقية الجامدة التي تطرحها بعد الأفكار و المعتقادات الدينية .

يقول سارتر ” ثم إذا كان الوجود اسبق من الماهية , وإذا كنا سنشكل الصورة التي سنكون عليها أثناء عملية وجودنا , فهذة الصورة لن تكون واقعنا نحن فقط , ولكنها ستكون كذلك واقع كل الناس المحيطين بنا , و العصر كله الذي نجد فيه أنفسنا . ”

هنا يتجلي معني المسؤوليه التي تلقي علي عاتقنا نحن وأعتقد أنه انسب رد لمن يدعي ان الوجوديين مجرد اشخاص عبثيين لا يتحملون عواقب افعالهم علي الأطلاق

“بهذا تكون مسئوليتنا أكير مما نظن , لأن الصورة التي سنكون عليها ليست شيئا يخصنا نحن وحدنا , ولكنها شئ يخص الناس جميعا , و العصر كله الذي تواجدنا فيه مع هؤلاء الناس . ” سارتر

ونشرح ذلك بمثال . ” فلو كنت عاملا من العمال مثلا , و اخترت الانضمام إلي نقابة مسيحية (او دينية بشكل عام) بدلا من نقابة شيوعية , ولو كنت بانضمامي هذا أريد أن أقول إن خضوع الإنسان لقضاء الله و قدره هو أنسب الحلول الموافقة للإنسان . وأن مملكة الإنسان ليست هذه الأرض , فإن انضمامي هذا و دلالاته لا تلزمني أنا وحدي , بل تلزم الإنسانية كلها . ”

قد يتسأل البعض لماذا هو التزام للإنسانية كلها لأن ” إن الخضوع لقضاء الله وقدره هو إرادتي لكل الناس , وعملي هذا هو إلزام لكل البشرية .”

ويوضح سارتر بمثال أخر اكثر وضوحا فيقول ” لنفترض أني قررت أن أتزوج وأنجب أولادا , فإن قراري هذا ولو انه نابع من موقفي ,  أو من عاطفتي أو رغبتي , فإنني ألزم به نفسي , وألزم به الإنسانية جمعاء : أن تأخذ بفكرة الزواج وتمارسها ؛ فأنا مسئول إذن عن نفسي وعن كل الناس , وأنا أخلق صورة معينة لما يجب أن يكون عليه الإنسان , وكما أريده أن يكون ؛ فباختياري لذاتي وإبداعي لنفسي . أختار الإنسان وأبدع الصورة التي يجب أن يكون عليها . ”

وينتقل سارتر من تلك النقطة الي نقطة اكثر عمقا وهي تحليل لما ينتج عن تحمل تلك المسئولية من قلق و توتر و خوف , فيقول ” أعتقد أن ما قلناه قد يسمح لنا بتفهم معني كلمات -صخمة رنانة بعض الشئ- مثل القلق , و السقوط, واليأس.
ولكنا سوف نري أن معني هذه الكلمات غاية في البساطة ولنتناول الكملة الأولي-القلق- ماذا نعني بالقلق ؟

إن الوجود ليعلن صراحة أن الأنسان يحيا في قلق و يكابد القلق. ”

وهو يعني بذلك أن الإنسان عند يلزم نفسه تجاه شئ ما , ويدرك في نفس الوقت أن أختياره سيكون اختيارا لما سيكونه , وأنه لا يختار لنفسه وحدها , بل هو مشروع لنفسه يختار للانسانية كلها في نفس الوقت ففي لحظة كهذه لا يمكن للأنسان أن يهرب من الإحساس بالمسئوليه الكاملة العميقة .

“وهناك الكثيرون لا يحسون مثل هذا الإحساس , ولكنا نستطيع ان نؤكد أن امثال هؤلاء يخفون قلقهم ويهربون منه . وكثيرون منهم يظنون أنهم بعملهم هذا لايلزمون سوي أنفسهم , فإذا  سألناهم : ولو تصرف الناس كما تتصرفون أجابو : لكنهم لا يتصرفون كما نتصرف ! ”

ويطرح سارتر تساؤل ” والحقيقة أننا يجب أن نسأل أنفسنا دائما هذا السؤال : ماذا لو تصرف الناس كما يتصرف هؤلاء ؟ وسنجد أنه سؤال صعب , وأننا لا يمكن أن نهرب من فكرة مقلقة كهذه إلا إذا كنا نريد أن نخدع أنفسنا بطريقة أو بأخري.

إن الذي يكذب يلوم نفسه بحجة أن الناس لا يكذبون مثله هو شخص غير مرتاح الضمير , لأن عملية الكذب تتضمن أنه اختار الكذب لكل الناس كي يمارسوه مثلما يمارسه هو , أي أن الكذب هو قيمة قد اختارها لنفسه واختارها للكافة , ولكنة بالحط من الكذب ولوم نفسه عليه ينكره كقيمة , ومن هنا يأتي تخبط مثل هذا النوع من الكاذبين , وتخبط ضمائرهم معهم . وإذ يخفي كذبة من ناحية فإن قلقه يكشفه من الناحية الأخري , وقلقة هذا و القلق الذي أسماه (كيركجود) (قلق إبراهيم) . ”

ولكن ماذا يعني كيركجود بقلق أبراهيم  يجيب سارتر ويقول ” أنتم تعرفون قصة إبراهيم : أمر ملاك إبراهيم أن يضحي بإبنه . وكان لابد من الطاعه والانصياع , ومادام أن الملاك هو الذي أمره قائلا : (أنت يا إبراهيم ستضحي بإبنك)

لكن أي واحد مكان إبراهيم كان سيسائل نفسه حتما ما إذا كان الذي أمره هو حقا ملاك , ولربما تسائل كذلك : وهل أنا حقا إبراهيم المقصود ؟ ومالدليل علي أنه هو الملاك ؟ وأنا إبراهيم ؟

لقد ادعت مرة امرأة مجنونة جنونا معينا أن شخصا ما يضرب لها دائما موعودا في التليفون ويأمرها بإتيان أشياء معينة . ولما سألها الطبيب : لكن من الذي يكلمك ؟ ردت المرأة المجنونة : يقول إنه الله !!

لكن ماذا يثبت لها أنه الله ؟ ولو حدث وظهر لي ملاك , فما هو الدليل أنه ملاك , أو إذا تصادف وكنت أسمع أصواتا, فمن الذي يستطيع أن يثبت أنها صادرة من السماء وليست عن جهنم مثلا , أو من لا شعوري , أو من حالة باثولوجية خاصة؟ ومن يستطيع أن يثبت أنها أصوات موجهة لي أنا ؟

فلن مايثبت لك ذلك او عكسه . فإذا كنت أسمع صوتا يتحدث إلي , فإنما تفسير هذا الصوت مرده لي أنا . فأنا الذي أقرر ما إذا كان هذا الصوت صادرا ام غير صادر عن ملاك . وإذا اعتبرت فعلا ما خيرا . فأنا الوحيد الذي أقرر أنه خيرا وليس شرا .

“مامن دليل يقوي تصوري  أني ابراهيم : مع ذلك فعلي أن أتي من الأفعال في كل لحظة ما يصلح منها أن يكون مثالا يحتذي , لأن كل مايصدر عن كل فرد يجب أن يصدر عنه كأنما الجنس البشري كله قد سلط نظراته علي ما يأتيه وسوف ينظم سلوك أفراده تنظيما يتفق مع افعاله ” سارتر.