بعد الحرب العالمية الثانية تعرضت الفلسفة الوجودية الي هجوم عنيف من قبل الكتاب الشيوعين في ذلك الوقت كما أن الفوضي التي خلقتها الحرب في اوروبا و ضياع الشباب و تشردهم الفكري كل هذه العوامل جعلت الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر يدافع عن الوجودية ويدافع عنها ويبين إن تلك الفلسفة هي نتاج فكري رائع وليس سيء كما يروج له .

ولكن اولا لنتعرف علي جان بول سارتر  هذا الفيلسوف الوجودي هو ايضا كاتب مسرحيات وروائي و ناشط سياسي (يساري الأتجاه او لنقل ماركسي)  وناقد ادبي ايضا . وهو ايضا يعتبر واحد من اهم ايقونات تلك الفترة و حصل في عام 1964 علي جائزة نوبل للسلام ولكنه رفضها لأنه كان يعتقد انها سوف تحد من حريته التي ناضل من اجلها .

بعيدا عن حياتة الخاصة او العامة ولكن ما نريد ان نحرص عليه هو اسهاماته في الفلسفة الوجودية حيث أن افكاره اثرت كثيرا في الفلسفة الوجودية وقد ألف كتابا (يعتبر من اهم تلك الكتب التي كتبها) , الا وهو “الوجودية مذهب انساني” .  وهو الكتاب الذي دافع فيه عن الوجودية .

يقول جان بول سارتر في بداية كتابة “إن هدفي هنا هو الدفاع عن الوجودية ضد كل ما يوجه إليها من انتقادات . فهم يتهمونها (اي الوجودية) أولا بأنها دعوة للأستسلام لليأس . لأنه ما دامت كل الحلول مستحيلة , فإن العمل في هذا العالم مستحيل كذلك ولا جدوي منه . وحينئذ تكون الوجودية فلسفة تأملية , ومادام التأمل رفاهيه ومن كماليات الحياة , فهي لن تكون سوي فلسفة برجوازية تضاف الي الفلسفات البرجوازية الأخري. ” وهذا الأعتراض يأتي من الأنطباعات العامة للكتاب الوجوديين في تلك الفترة حيث سادت روح اليأس في كتاباتهم،  ويستطرد سارتر ويقول “وهذا بالذات هو رأي الشيوعيين في الوجودية . وهم يأخذون علينا , من جهة أخري  , أننا قد أبرزنا النواحي البشعة في الموقف الإنساني , وصورنا كل ماهو  مخجل سافل منحط فيه , وأهملنا مع ذلك مواطن معينة رائعه و جميلة , تنتمي إلي الجانب المشرق في الطبيعية الإنسانية !”

بجانب تلك الأتهامات توجد اتهامات اخري بأن الفلسفة الوجودية  فلسفة متشائمه بل تدعو الي ذلك وهنا يرد سارتر و يقول، “إن الفلسفة الوجودية فلسفة متفائلة لأنها في صميمها فلسفة تضع الإنسان مواجها لذاته , حرا , يختار لنفسه مايشاء وهذا أمر مزعج لا يعجب الناس. ”

ومن ثم يستنكر  سارتر  أن في ذلك الوقت تفلطحت كلمة الوجودية فأصبح الناس يطلقون علي كثير من الكتاب و الصحفيين و الرساميين أنهم وجوديين و يبرر سارتر ذلك بقوله ” يبدو أنه لعدم وجود مذهب جديد يصب فيه الناس غرائبهم و شذوذهم مثل السريالية , فإن كل من يريد أن يشارك في أخر صيحات الفضائح , ويسهم في أخر ما استحدثته البدع , لا يجد أمامه إلا الوجودية ”

ينتقل سارتر بعد ذلك الي التفرقه بين نوعيين من الفلسفة الوجودية  وهي الوجودية المسيحيه أو الألحادية يختلفوا في اشياء ولكن يتفقوا في شئ واحد “وهو أن الوجود سابق علي الماهية , أو أن الذاتية تبدأ أولا”.

ولنفهم هذه المقوله لنستحضر المثال الأتي : لو تناولنا أيا من الأشياء المصنوعة مثلا هذا (كتاب), أو سكينة من السكاكين نجد أن السكينة التي صنعها حرفي , وأن هذا الحرفي قد صاغها طبقا لفكرة لديه عن السكاكين , وطبقا لتجربة سابقة في صنع السكاكين , وأن هذه التجربة أكسبته معرفة هي جزء لا يتجزأ من الفكرة المسبقة التي لديه عن السكاكين , والتي لديه عن السكاكين التي سيصنعها , وأن الصانع كان يعرف لأي شئ ستسخدم السكين , وأنه صنعها طبقا للغاية المرجوة منها, وإذن فماهيه السكين هي مجموعه صفاتها وشكلها وتركيبها و الصفات الداخلة في تركيبها و تعريفها كلها سبقت وجودها , وبذلك يكون لهذا النوع من السكاكين وجودا معينا خاصا بها , وأنه وجود تكنيكي , بمعني أن السكين بالنسبة لي هي مجموعه من التركيبات و الفوائد , ونظرتي لكل الأشياء بهذه الطريقة تكون نظرة تكنيكية , ويسبق فيها الإنتاج علي وجود الشئ وجودا محققا , أي أنه قبل أن يوجد الشئ لا بد أن يمر علي مراحل عدة في الإنتاج .

و يقول سارتر “ونحن عندما نفكر في الله كخالق ,نفكر فيه طوال الوقت علي أنه صانع أعظم , ومهما كان اعتقادنا , سواء كنا من اشياع ((ديكارت)) أو من أنصار ((ليبنز)) فإننا لا بد أن نؤمن بأن إرادة الله تولد اساسا , أو علي الأقل تسير جنبا الي جنب مع عملية الخلق , بمعني أنه عندما يخلق فهو يعرف تمام المعرفة ما يخلقة , فإذا فكر في خلق الإنسان , فإن فكرة الإنسان تترسب لدي الله كما تترسب فكرة السكين في عقل الصانع الذي يصنعها , بحيث يأتي خلقها طبقا لمواصفات خاصة وشكل معين , وهكذا الله فإنه يخلق كل فرد طبقا لفكرة مسبقة عن هذا الفرد”.

وبكل تأكيد عندما قامت النظريات الإلحادية في القرن الثامن عشر قضت علي الله فلسفيا , ولكنها لم تقض علي فكرة أن الماهية تسبق علي الوجود .

ومن ثم يطرح سارتر سؤال سوف يتبادر علي جميع القرائيين ما معني كل هذا الكلام أي ما معني ان الماهيه تسبق الوجود وخصوصا بالنسبة للإنسان. يقول سارتر “إننا نعني أن الإنسان يوجد أولا , ثم يعترف إلي نفسه ويحتك بالعالم الخارجي فتكون له صفاته  , ويختار لنفسه أشياء هي التي تحدده , فإذا لم يكن للإنسان في بداية حياته صفات محددة فذلك لأنه قد بدأ من الصفر . بدأ ولك يكن شيئا . وهو لن يكون شيئا إلا بعد ذلك , ولن يكون سوي ما قدره لنفسه ., وبهذه الطريقة لا يكون للإنسان شيئا اسمه الطبيعة البشرية , لأنه لا وجود لمثل هذه الطبيعة، حيث أن كل فرد قد حققها طبقا للفكرة المسبقة التي لديه عن كل . ”

وهنا نجد الأختلاف بين الوجودية الإلحادية و الوجودية المسيحية فالوجودية المسيحية تفرض أنه هناك خالق قدر للإنسان اشياء معينه و الإنسان يختار في حيز تلك المساحه .

“إن الأنسان يوجد ثم يريد أن يكون ,ويكون مايريد أن يكونه بعد القفزة التي يقفزها الي الوجود” سارتر .

البعض من الممكن أن يعتقد ان من تلك المقولة أن الوجودية قاسية فالأنسان وحيد في تلك الحياة ولكن العكس صحيح فالفلسفة الوجودية تعطي للأنسان تلك القوة التي تجعله يتحكم بمصيرة فهو وحده صانع قراره وهو وحده من عليه أن يتحمل نتائجه

” و الإنسان ليس سوي ما يصنعه هو بنفسه . وهذا هو المبدأ الأول من مبادئ الوجودية , وهذا ما يسميه الناس ((ذاتيتها))”

ولكن المقصود بتلك المقوله هو أن للأنسان كرامه اكبر مما للحجارة أو المنضدة , لأننا نعني أن نقول إن الأنسان يوجد اساسا , ثم يكون  وهو يكون شيئا يمتد بذاته نحو المستقبل وهو يعي أنه يمتد بها إلي المستقبل , فاللإنسان مشروع , مشروع يمتلك حياة ذاتية , بدلا من أن يكون شيئا كالطحلب ”

ونفهم من هذا الكلام أن الإنسان مشروعا لم يكن هناك ما يوجد منه أي قبل لأن الوجود كما قلنا اسبق من الماهيه فهو يختار ذلك المشروع بعد أن يقذف الي تلك الحياة “إن الأنسان لن يحقق لنفسه الوجود , ولن يناله إلا بعد بعد أن يكون ما يهدف إلي أن يكونه , وليس ما يرغب أن يكونه , لأن ما نفهمه عادة عن الرغبة أو الأرادة هو أنها قرار واع نتخذه غالبا بعد أن نكون في صنعنا أنفسنا علي مانحن عليه ”
إن اول الأثار المترتبه علي ذلك هي إن (كل فرد وصيا علي نفسه مسئولا عما هو عليه مسئولية كاملة)

في المرة القادمة سوف نتحدث عن الذاتية وعلاقتها بالوجودية وماهيه اختيار الأنسان وحدود اختياره وكيف يأثر ذلك علي من حوله .