قد يرى الكثيرون أن المشاركة في الإبداع الفني سيكون صعب المنال إلا أن الناشطون في مجال حرية الإبداع استطاعوا أن يجذبوا عددا كبيرا من الفنانين المحترفين و من الهواة إلى حركتهم و  اليوم اصبحنا نجـد الكثير من الأعمال الفنية الحرة التي تتيح لمقتنيها توزيعها أو تحريرها و التعديل فيها و من هذه الأمثلة موقع jamendo.com ، الذي عرف نفسه بأنه مجتمع فني حر للموسيقى بموجب تراخيص النشر الإبداعي المشارك ، فهو يتيح لك أقتناء المؤلفات الموسيقية التي يبتدعها عددا كبير من الفنانين اللذين آمنوا بحرية الإبداع و المشاركة به ، كذلك مؤسسة Clear Bits التي توفر أستضافة و توزيع وسائل الإعلام الرقمية و قواعد البيانات و الأعمال الفنية للمبدعين المرخصة تحت تراخيص الإبداع المشارك Creative Commons منذ عام 2003 و أطلقت في البداية موقع بأسم Legal Torrents فهي تستخدم تقنية التورنت لنقل الملفات و المشاركة بها لنشر و توزيع أعمال المبدعين ، فهي مؤسسة ذات توجه إجتماعي تعتمد على التمويل الذاتي من إشتراكات المبدعين بتكلفة بسيطة للغاية في حدود 20 دولار في العام كذلك تبرعات المستخدمين لتتيح للمبدع نشر إبداعه على العالم أجمـع.

تجارب سينمائية

إن تجربة الفنون الإبداعية التشاركية التي تعمل تحت تراخيص المصدر المفتوح كما ذكرنا من قبل لم تتوقف حول البرمجيات الكمبيوتيرية بل تعدتها إلى الأعمال الفنية مثل الموسيقى بل استطاعت أختراق واحد من أكثر الفنون شعبية و هي السينما فيقول مؤسسوا هذا المشروع: -

منذ أن تم العمل على أطروحة المصدر المفتوح نماذج الأعمال تجارية للأفلام ، واضطررننا الى الرد على هذا السؤال ما هو الفيلم المفتوح المصدر ، في الواقع حتى هنا هو التعريف الخاص بي ، التي تم إنشاؤها بالتعاون مع Ton Roosendal (Blender Foundation) ، Stefan Kluge (VEB Film Leipzig) ، و Solomon Rothman (moviepals.org).

و من هنا جاء بكورة أنتاجهم فيلم Valkaama الذي تم إنتاجه و تصويره بأستخدام تقنيات تحت ترخيص المصادر المفتوحة ، و كتب في ترخيص الخاص  بالفيلم الآتي :

This version of Valkaama is licensed under “Creative Commons” by-sa 3.0.

(License text: http://creativecommons.org/licenses/by-sa/3.0/). If you want to support us, you can donate or purchase a DVD of the movie on our website www.valkaama.com. All sources from the movie, the title song as well as additional CC-licensed material are also available on our website, 2010 tVt, Some Rights Reserved.

يتم حاليا توزيع الفيلم بشكل حر  من خلال موقع ClearBits.net بأستخدام تقنية التورنت لنقل الملفات ، و على حسب ما جاء في الترخيص يمكن للآخرين نسخ الفيلم و توزيعه بكل حرية ، كما يرحبون بالطبع بالتبرعات لإنتاج المزيد من الأفلام ، المدهش أن حجم التبرعات التي جمعتها الشركة أعادت للشركة ما أنفقته على الفيلم بالإضافة إلى هامش ربح معقول يتيح لها الفرصة في إنتاج أعمال فنية جديدة لتضع تلك التجربة مفهوما جديدا و هو مشاركة المستهلك في الإنتاج من خلال تبرعه و ليس من خلال فرض قيمة سعرية عليه قد تكون مجحفة له و تفوق قدراته المالية إلا أنها لا تمنعه من إقتناءه ، لتذهب المفاهيم الطبقية التي تغرسها المؤسسات الرأسمالية في عقول الشعوب و ضمائرهم ، فالثقافة جزء من الحركة الإسانية لا يصح أن تكون ذات توجه طبقي.

شروط الأفلام مفتوحة المصدر

  • الموافقة على ترخيص الفيلم ليعمل ضمن منظومة الثقافة الحر
  • المواد المستخدمة في الفيلم أن يتم توفيرها بموجب التراخيص التي وافقت على العمل تحت مفهوم الثقافة الحرة.
  • إتاحة الفيلم للجمهور عن طريق التحميل من خلال الإنترنيت أو عن طريق الوسائل الأخرى التي هي إما مجانية أو بالكلفة التي تغطي نفقات النسخ بشكل معقول
  • يجب أن تكون مصادر العرض و التحرير حرة بقدر الإمكان ( إستخدام برمجيات المصادر المفتوحة ) و إذا لم يتوفر ذلك فيجب أن تكون قابلة للتحويل إلى صيغة تناسب الإستخدام الحر
  • ينبغي أن يكون من الممكن إعادة إنشاء أو إعادة تجميع الفيلم باستخدام مصادر مفتوحة المصـدر.

و يقول مؤسسوا موقع  moviepals.org إن عالم السينما آخذ في التغير من خلال التكنولوجيا الرقمية و التوزيع عبر الإنترنيت و قوة و سائل الإعلام الإجتماعية كل هذا أدى إلى ثورة جديدة في طريقة و اسلوب نشر الفن السينمائي.

هيئة الإذاعة البريطانية تدخل التجربة

لم تتوقف فكرة الإبداع التشاركي فقط على المتحمسين من الفنانين أو الهواة بل تعداه إلى المؤسسات الكبيرة مثل مؤسسة الـ BBC هيئة الإذاعة البريطانية و التي بدأت مشروع تحت أسم R and D TV و هي أختصار لجملة Research & Development اي البحث و التطوير ، و الغرض من هذا المشروع هو البحث في كيفية الإستفادة من  شبكة الإنترنيت و المشاركة الإبداعية بين المؤسسة من جهة و المهنيين و المبدعين من جهة اخرى ؛ بدأ المشروع منذ عام 1999 و هو حتى هذه اللحظة يركز إهتمامه على المشاركة من داخل المملكة المتحدة ، و لكن من المنتظر أن يتم توسعة المشروع ليضم دول الإتحاد الأوروبي ثم ينطلق بعد ذلك إلى العالم أجمع.

يهتم المشروع بتجارب المبدعين الإعلامية بالإضافة إلى البحوث الأكاديمية و التكنولوجية لتطوير العملية الإعلامية من خلال شبكة الإنترنيت و المشاركة الجماعية لتكوين إعلام حر .

و تقول هيئة الإذاعة البريطانية في تعريفها بالمشروع أن قسم البحوث و التطوير هو لب جهود المؤسسة لتكون في الطليعة مع تطور و تنوع الوسائط الإعلامية لأستكشاف وسائل جديدة لإنتاج و توزيع البرامج ، فنحن في هذا القسم نضع الخطوط العريضة لدور و هيكل قسم البحث و التطوير ، ونلقي نظرة على ‘الوثائق التي تحدد الشروط و الأسس للبحوث و التطوير في وظائف هيئة الاذاعة البريطانية.

و من هنا نشرت هيئة الإذاعة البريطانية فيلما تسجيليا يوضح مفهوم البحث و التطوير لأستكشاف وسائط إعلامية جديدة مجانا من خلال تراخيص Creative Commons ، هذا يدلنا على مدى إهتمام المؤسسات الكبرى للمفاهيم الجديدة و رغبتها في مواكبة التطورات و الجديد.

و من التجارب المهمة في الوسائط الإعلامية تجربة Make TV ، وهي عبارة عن برنامج تلفزيوني يهتم بالمبتكرين و المخترعين ، و يتم نشر و توزيع حلقات ذلك البرنامج من خلال شبكة الإنترنيت ايضا على موقع clearbits.net مجانا لكل من يريد تحت ترخيص Creative Commons ، كذلك من خلال موقع youtube الذي يعتبر نقلة أخرى في عالم الوسائط الإعلامية ؛  نماذج كثيرة و عديدة تستخدم فيها مفاهيم بعيدة كل البعد عن قواعد اللعبة المعروفة بل أنها تعتمد على التواصل الحي و المباشر و التفاعلي مع المشاهد لتعطي له الفرصة بالمشاركة الإيجابية و التطوير ، و ليس بالمشاهدة السلبية.

تجربة Wreck a Movie و نظرة جديدة لعالم السينما

تجربة اخرى نلقي الضوء عليها و هي الافلام السينمائية التعاونية و التي تشمل تعاونا بين عدد من الفنانيين من دول مختلفة للتعاون في أفلام سينمائية من خلال مزج صناعة السينما مع شبكة الإنرتنيت و إطلاق الإمكانيات الخلاقة للمجتمعات التكنولوجية الجديدة ، فالشركة من أهدافها الرئيسية توفير بيئة تعاونية مهنية لإنتاج نوعيات عالية الجودة بدأ من الأفلام القصيرة التجريبية مرورا بالأفلام التسجيلية نهاية بالأفلام الروائية الطويلة لتكون متاحة للعرض في جميع أنحاء العالم ، تأسست شركة Star Wreck في عام 2007 من قبل مجموعة من المهنيين من دول عديدة و يقع مركزها الرئيسي في مدينة تامبيري بفنلندا.

نموذج جديد أوجدتها الثورة المعلوماتية الجديدة من خلال شبكة الإنترنيت لتتيح المجال أمام المهنين العاملين في مجال السينما للتعاون معا في إنتاج أعمال سينمائية يمكن أن نطلق عليها لفظ الـ Global Movie فهي تفتح المجال لكل المهنيين السينمائيين للمشاركة في أعمالها بلا قيود.

يقول مؤسسي الشركة أنهم يوفرون منصة تعاونية حيث يمكن لأي مهني أن يتقدم لهم بإعداد فيلم ، و الشركة سوف تساهم في عمليات الإنتاج و التوزيع و إيجاد الفنانيين من دول أخرى للتعاون في الإنتاج و أكتساب مزيد من الخبرات بين العاملين في مجال السينما ، مما يجعل صناعة الأفلام أسهل و أكثر فاعلية للجميع.

كلمة أخيرة حاولت خلال تلك السلسلة من المقالات أن اللقي الضوء على عالم جديد يتكون حاليا ربما نكون هنا في عالمنا العربي بعيدا عنه ، ولكننا لن نستطيع أن نبقى في معزل عنه و آجلا أو عاجلا سوف نكون جزء من هذا العالم فالتطور هو سمة الحياة و النظرة النمطية للمستقبل لن تعطي للمستفيدين منها اي ميزة بل سيخسرون كثيرا ، و بالأمس القريب قرر الكونجرس الأمريكي إلغاء قانون سوبا SOPA الذي حاولت الشركات الرأسمالية أن تفرضه على العامة بقوة المال و لكنها لم تستطع أن تصمـد أمام قوة الاحتجاجات الشعبية و رضخت لها لأتذكر رائعة جون لينون Power To The People