الطريق إلي الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة. بهذه المقولة ألقي في الزبالة أي إعتبار أن العمل الثوري يكفي أن يبرره مساؤي حكم مبارك هذا ما إذا سلمنا أن الإنسان كائن عاقل و مخير. أي بإختصار لكي لاتكون الثورة نقمة علي مصر و أهلها يجب أن تأتي بنظام حكم و بأداء حكومي أفضل من نظام مبارك علي جميع المستويات.

في تفسير طبيعة العمل الجماعي يري بعض علماء الإجتماع أنه عادة ما يلغي كينونة الفرد و تفكيره الشخصي و يدمجه في حالة وعي جماعي لا تتبع نمط تفكيري معين أو إطلاقا. و من هذا المنطلق إستطاعوا أن يفسروا ظواهر إجتماعية مثل الهستيرية الجماعية و حالات الهياج الثوري و التشجيع العنيف في المباريات الخ… فإذا كان هذا المقياس الذي نقيم و نفسر الثورة به – رد فعل جماعي لاعقلاني لظروف إجتماعية أو سياسية أو إقتصادية – فلا يجب التطلع إلي الثورة من إجل إجابات للأسئلة الصعبة التي تواجهها مصر و عوضا عن ذلك نعتبرها نقطة الإنطلاق لواقع مختلف ليس أكثر, قد يكون أفضل أو أسوأ من الماضي.

الحقيقة هي أن الثورة لم تكن رد فعل هستيري و لكنها كانت محاولة عقلانية و مخططة لتغيير الواقع إنطلاقا من قيم و غايات عامة تبنتها – عيش حرية عدالة إجتماعية –و بالتالي إختذالها في كونها رد فعل ينافي حقيقة أنه كان لتلك الثورة روح و مزاج و غاية. ما إفتقدته الثورة, و أدركته بعد فوات الأوان,  هو الطموح في الحكم و لأسباب وجيهة.

أولا حالة “التوحد الشعبي” كانت مرهونة بـ 1) وحدة الهدف و هو سقوط نظام مبارك و 2) مفاضلة القوي السياسية و بخاصة جماعة الإخوان المسلمين بما يقدمه النظام لإنقاذ نفسه و ما يمكن أن يحققوه إذا ما إستمروا في الميدان

ثانيا الثورة كانت بلا قيادة علي الرغم من محاولات الكثيرون بالقفز عليها و بالتالي لم يتم إستثمار الحالة الثورية الأولية في فرض شرعية ثورية حقيقية تحجم من موازين القوي القديمة و بخاصة التيار الديني

ثالثا لم يملك الثوار السلاح و إستمر إستئثار الدولة بإمتلاك السلحة و حق إستخدام العنف وهو ما أقحم القوات المسلحة مباشرة في المعادلة بـ”شرعية” المدفع

رابعا رفعت الثورة شعار الديموقراطية و هو المطلب الذي كتب علي الثورة الموت من قبل حتي أن تبدأ لأن بمقتضاها, و بديهيا, تهرب الشرعية الثورية من الميدان إلي الصندوق (و هو ما هندسه المجلس العسكري ببراعة و دهاء شديد) و بالتالي لم يتبقي للثوار إلا ورقة الحشد الجماهيري في الميدان و هو ما رد عليه التيار الإسلامي بما سمي بجمعتي “قندهار” و أنصار المجلس العسكري في العباسية و بالتالي حرق تلك الورقة تماما و حتي إشعار أخر.

من اليوم الأول نبذ الثوار تردي الوضع الإقتصادي و الأمني و إعتبروه “ثمن يجب دفعه” من أجل “الكرامة و الحرية” و مازال يدفع المصريين هذا الثمن حتي الان و بعد فوات عام علي الثورة لا يجرأ شخصا أن يقول أنه تحقق المزيد من العدالة الإجتماعية أو تم القضاء علي الجوع و الفقر في مصر بل كل المؤشرات تشير إلي العكس و بقوة. بالطبع معالجة قضايا مثل الفقر يستهلك أكثر من عام أو حتي عشرة أعوام, و لذلك يبدو الوعد الثوري بالعدالة الإجتماعية و الرخاء كوعود “موشوشين الحجر” و قراء الكف و أماني ما بعد الموت, فهو أجل و بلا حدود و بلا قدرة علي تغليطه. هذا الوعد الثوري مثل القدر فإذا أبتليت فهو إختبار أو عقاب – فهو لا يتحمل المسؤلية أبدا علي أي شر يصيبك و لكن يستحق الشكر و الحمد علي كل محمود.

و بهذا لا يتبقي إلا الحرية التي لم يتغير فيها, مقارنة بنظام مبارك, إلا تحقيق جزء كبير من الحرية السياسية الغير منضبطة للأسف بالحريات المدنية و حقوق الإنسان و هو ما أفرز لنا برلمان – أتي بإرادة شعبية- قادر علي كتابة دستور ديني فاشي و إختيار حكومة تعبر عن ذلك التوجه و قادرة علي خلق نظام فيه كل ما كره من نظام مبارك و ما هو أسوأ بكثير و بسقف حريات أقل و هذا هو وجه خطورة إعلاء ذلك الفرع من الحريات الأساسية بدون ضمانات و تعريفات واضحة و شاملة للحريات الأخري.

يبرئ البعض الثورة من عواقب 25 يناير الجلية الان لمن سلم عقله لثورته – فخسر الإثنين – بحجة أن “الثورة لم تحكم لكي تحاكم”. و تلك حجة مردود عليها بأنه لم يكن للثورة أن تحكم بأمر طبيعتها و خصوصيتها المتمثلة في الأسباب التي أسردتها سابقا.

و لهذا و كإنسان يقدس الحريات و كمصري يعاني من الحالة الإقتصادية و الأمنية للبلاد أقول للثورة في عيدها الأول – تعفني في الجحيم. فلا حرية حققتي و لا عدالة إجتماعية أسستي بل “إتركبتي” من الجميع بدءا من قمامة البشر و مرورا بالإرهابيين و المتطرفين و المغيبين و نهاية بالعسكر. نعم قياسا بإنجازاتك, شهدائك عندي ضحايا لعبثية الحياة و فراغها مثل ضحايا الحوادث و الأمراض ليس أكثر. و مازلت للأسف تقودي مشروع التنوير لهذا البلد إلي الإنتحار الإجباري بإصرارك علي تسليم سلطة الرئيس إلي البرلمان و عودة العسكر لثكناتهم بل و إسقاطهم و تقديمهم للمحاكمة بدون أي إعتبار لموازين القوي أو فصل السلطات و يبدو للأسف أن ثوارك لا يدركوا بأنهم أول من سيعلقوا علي المشانق علي أول ناصية إذا تحقق ذلك و كأنهم حلفوا 100 يمين بأن لا ينكحوا إلا من ذوي الذقون و العمم أو كأن مصيرنا أن نعيش في حالة ثورة دائمة أولا علي نظام مبارك, ثم علي العسكر, ثم علي التيار الإسلامي بدون النظر إلي أي بديل عن العمل الثوري أو التسليم بأنه في كثير من الأحيان لا يمكنك أن تملك كل الأوراق في يدك أو أن تحقق جميع أهدافك مرة واحدة.