“من أجل التحرك و القضاء على كل ما يعيق مسار التقدم و يشل الذكاء العصري، علينا أن نساهم جميعاً في توضيح جذور المعوقات المتبقية لدينا من فترات تاريخية قديمة تعود بنا إلى حقبات ما قبل التاريخ. توضيحنا لهذه الأعراف ليس رغبة في احترامها، بل هي الوسيلة الضرورية لتوضيح منشأها الوحشي و تشعبها في عقول أفراد وكتل مازالوا يؤمنون بها”.

هكذا عبر عالم الآثار و اختصاصي في مجال التاريخ “سالومون رينا” عن ضرورة تفكيك المتبقيات العالقة في ثقافات متعددة، لهذا اقتطعت هذه الفقرة الصغيرة من كتابه و اخترتها أن تكون مقدمة لمقال كي نغوص من خلاله في أصول الآلهة.

بعد الإطلاع على البحوث الأنتربولوجية، الأسطورية… نستطيع أن نكتشف الجذور الأصلية للأديان و التي سبقت منشأ الآلهة لتمهد لها أرضية خصبة للظهور، و تغذت من خيالاتنا الطفولية من أجل أن تترعرع لتصبح الآمر الناهي لعقولنا.

سأتطرق إلى مفهوم الإله البدائي المشتق من فكرة الطوطم، و كما يميل الكثير من الانتربولوجيين إلى اعتبار أن النظام الطوطمي نظاماً عالمياً، فلم يكن حكراً على سكان البلدان الأصلية في أمريكا أو استراليا… بل امتد إلى بقاع الأرض المستوطنة من قبل مجموعات بشرية.

دعونا، في البدء، نقوم في القاء نظرة سريعة على النظام الطوطمي، لنجده نظام قبلي قائم على مجموعة من التابوهات و الملخصة في عبادة معينة من قبل جماعة ما لحيوان في معظم الأحيان، أو نبات في حالات نادرة، أو عبادة مادة غير حية في حالات استثنائية، على حسب الكثير من الاختصاصيين ك ايميل دركهيم، جيمس فريدزر و سالومون رينا…

يقوم أساس الطوطم على وجود عقد أو عهد غير واضح التعريف ذو طبيعة عقائدية بين جماعة ما و بين بعض الحيوانات المنتمية لهذه الجماعة، من هنا لاحظ “رينا” ان النظام الطوطمي تواجد في مرحلة الإنسان البدائي السابق للإنسان الراعي للحيوانات. و اعتماداً على البحوث التي تناولت هذا النظام، نستطيع لمس اثاره عند الكثير من الحضارات؛ الإغريقية، المصرية، السورية*…ففي النظام الطوطمي يعتبر حيوان القبيلة تابو، فلا يمكن ذبحه إلا في يوم جماعي في السنة حيث تقام له مراسم خاصة مصحوبة بالبكاء و النحيب.

بعد مراجعة ما قدمه “سبينسر و جيلين” من دراسات كثيرة حول هذا النظام و ما رافقه من تنظيم للزواج خارج العشيرة و المسمى ب “ايكزوغامي” الذي ساهم في تحريم العلاقات الجنسية بين أفراد العائلة الواحدة بطريقة تدريجية. وجد “رينا” أن فكرة تجسيد الإله، في حقبة متقدمة، بفرد ما لتقديمه قرباناً للسماء في بعض الحضارات، لإعادة عملية البعث و الإحياء من جديد قادمة من تقديس القبيلة لحيوان و التضحية به. فإذا راجعنا ما كتبه “فريدزر” عن عادات بعض القبائل الوحشية و المستمرة إلى وقتنا هذا من خلال الطقوس مع اختفاء المشاعر الأولى التي رافقتها و المبنية على اعتقادات خرافية كالإعتقاد بميزات الحيوان الطوطمي و أكله، فمن نظرة أنتربوبوجية، قامت هذه الطقوس على أساس الاعتقاد بأن لحم الحيوان الطوطمي الحامي للقبيلة يمنح آكلها قوة و خصائص مميزة، و هذا ما نراه حتى وقتنا الراهن عند بعض الشعوب كالصينيين الذين يأكلون، على سبيل المثال، العضو الجنسي الذكري لبعض الحيوانات من أجل اكتساب قوة جنسية.

ربما علينا أيضاً تذكير القراء إلى أن ما تمثله الأعضاء التناسلية في قبيلة “ماوريس” و تمثيلهم للعضو الجنسي الذكري على انه الحياة بينما يمثل العضو الجنسي الأنثوي الموت، و على غراره عند الصينيين الذين يعتقدون باكتساب عناصر حياتية كالطاقة و الحيوية عند التهامهم الأعضاء الجنسية الذكورية، و هنا لابد لنا أن نشير إلى تلك العلاقة الجدلية ما بين المحركات و الدوافع النفسية الداخلية و بين التجارب الخارجية التي أدت بمجموعها إلى تكوين هذه المعتقدات.

لا بأس أن ننوه أن جهل الإنسان الأول لأسباب التناسل و الانجاب أدى إلى تخصيب فكرة تناسخ الحيوانات و الكائنات من خلاله، فالنظرية الأولى لتفسير نشأة الطوطم استندت إلى مبدأ تبادل الأرواح بين الإنسان و طوطمه، فالحيوان الطوطمي هو فرد من أفراد العشيرة المنتمي إليها و المقدس في آن واحد.

لننتقل إلى عملية القتل الجماعي للحيوان الطوطمي، في ذلك العهد، فلم يكن انعكاساً لعملية تقديم القربان للآلهة حيث ان الآلهة لم تكن قد وجدت بعد. إذاً مفهوم القربان للآلهة تطور تدريجياً مع انتقال الإنسان من المرحلة الوحشية إلى مرحلة رعي الحيوانات حيث بدأت تفقد الحيوانات شيئاً فشيئاً قدسيتها، لا بل أكثر من ذلك بدأ شعور القرف يتنامى عند الإنسان تجاه بعض الحيوانات.

بعد مراجعة روبيتسون سميث و سالومون رينا عن قدسية الحيوانات عند الشعوب اليونانية، الرومانية، السورية و المصرية ، وجد، على سبيل المثال، أن الخنزير البري كان يعتبر حيواناً مقدساً في سوريا، و ربما من هنا نستطيع استيعاب منشأ تحريم أكل الخنزير عند اليهود و المسلمين و الذي يعود جذوره إلى الشعوب الأولى في هذه المنطقة، فقد تم استبدال المشاعر المرتبطة بتقديس الحيوان شيئاً فشيئاً بمشاعر مضادة مع استمرارية معتقد تحريم أكل لحوم بعضها، فعلينا أن لا ننسى أن مشاعر الكراهية و القرف تأتي أحياناً كضرورة حاسمة لإلغاء المشاعر الأولى.

لم أنته من اعطاء الأمثلة على تغلغل النظام الطوطمي في جذورنا الثقافية، فالتتمة في الجزء الثاني… يتبع

*الحديث عن سوريا و الشعوب السورية ليس لا علاقة بالجغرافيا السياسية الراهنة و ليست بكلمة مستحدثة، بينما ورد ذكرها في عديد من الدراسات الانتربولوجية، فلها مدلول حضاري واسع لهذا نجدها معتمدة عند جميع المؤرخين و الأنتربولوجيين.