راجولينا زعيم المعارضة يوم استيلاء الضباط الشبان على السلطة و تسليمها له.

قبل البداية أود أن أسأل: هل أنا الكائن البشري الوحيد الذي كان يحيا في مصر بين الاعوام 2002و 2010؟

لقد هالني كم الانبهار بأمور أرصدها و أنقلها -بدون أي إبداع أو فعل يحتاج لمجهود- حدثت بين العامين المذكورين و أظن أن هذا المقال بما يحمله من تشابة عجيب سيكون محل دهشة ، إني لا أعتب و لا أستغرب بقدر ما ألوم كتابنا الكبار الذين لم يذكروا -حسب علمي- هذا النموذج لعام كامل من 2011 الى اليوم و كذلك قيامهم  بتقييم النموذج التركي بصورة مضحكة و الكثير و الكثير..فهل أنا الكائن البشري الوحيد إبان تلك السنوات؟!

..

هناك نظرية إسمها الدومينو تقول أنه لو حدثت واقعة معينة في بلد يشارك بلاد أخرى ظروفه فإن هذه الواقعة ستتكرر في كل تلك البلاد و قد أُثبتت هذه النظرية في أحداث الربيع العربي ، لكن لو نظرنا للجوار الافريقي سنجد إثبات جديد للدومينو و إن تأخر في الوصول إلينا .. إنني أتحدث عن ثورة الخامس و العشرين من يناير 2009 في مدغشقر ! !

في 12 ديسمبر 2007 تولى زعيم المعارضة أندري راجولينا منصب عمدة أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر و بدأ سلسلة إحتجاجات ضد رافالومانانا و حكومته التي تحولت للإستبداد المطلق و البطش بالمعارضة لدرجة إغلاقها تليفزيون خاص يملكه راجولينا لحجج واهية ، تصاعدت الاضطرابات عام 2008 ليدعوا راجولينا لإضراب شامل يومي 24 و 25 يناير 2009 ، إعتبر رافالومانانا الاضراب تعدي على الشرعية و عمالة لقوى الخارج المعادية للشعب و تخريب للإقتصاد القومي و مارس إعتقالات سبقت الاضراب ، تحول الاضراب مساء الخامس و العشرين من يناير و نهار السادس و العشرين لسلسلة إشتباكات مع الشرطة و أحداث عنف كبيرة أدت إلى تعطيل إذاعة المعارضة الرئيسية فاقتحم المحتجون مبنى الاعلام الحكومي و احرقوه و كذلك مباني خاصة برافالومانانا .

تصاعدت الاشتباكات الى يوم 28 يناير حين أعلن راجولينا يوم 29 يناير اضراب شامل و نجح الاضراب الذي حول العاصمة لمدينة مهجورة ، في 31 يناير اعتبر راجولينا النظام قد سقط و أن الثورة الشعبية نجحت تماماً و أنه سيشكل حكومة ثورة وسط تجاهل الحكومة الرسمية للأمر ، كان يوم الثاني من فبراير يوم النهاية الحقيقية بتقديم طلب من كل احزاب المعارضة للمحكمة الدستورية لعزل رافالومانانا و تولية راجولينا فكان رد السلطة عزل راجولينا من منصبه و تعيين آخر في موقف حكم عليه بالموت في المهد ، جاء السابع من فبراير و مسيرة حاشدة تنطلق الى قصر الحكم ليطلق رجال الشرطة النار عليها و يُقتل العشرات لتنفجر العاصمة في حالة من الانفلات الكامل ضد المؤسسات الحاكمة و يعلن راجولينا عن حكومته المؤقتة وسط فرض حظر التجوال و استقالة وزيرة الدفاع و حلول قائد الاركان محلها بعد رفض الكل تولي المنصب .

إستمرت الاضطرابات تتصاعد حتى أعلن راجولينا في 14 فبراير نداءه الشهير للجيش في حضور عشرات الآلاف من الجنود و الضباط الصغار و المواطنيين للوفاء للوطن و أشهر حكومته التي إستطاعت يوم 19 فبراير الاستيلاء على بعض الوزارات و إعلان نفسها حاكمة بشرعية الثورة لكن في نفس اليوم نفذ الجيش بأوامر رئاسية عمليات اعتقال ضد وزراء راجولينا و استولى على المؤسسات العامة ، مع تصاعد الاحتجاجات في أنحاء الجزيرة أعلن الرئيس الطوارئ مكلفاً الجيش قي 3 مارس بقمع الثورات -مع عدم شرعيته من يوم 2 فبراير- في كل البلاد و استعادة الأمن لكن كل هذا أدى لنتيجة سعى اليها راجولينا منذ البداية..ثورة الجيش.

*في 8 مارس أعلن ضباط شبان في معسكر خارج العاصمة رفضهم للقمع الدموي للمعارضة معلنين تمرد مفتوح على الأوامر العسكرية و الرئاسية مما شكل صدمة للرئيس الذي حذر من التمرد لكن كل دقيقة كان الضباط في كل القواعد يعلنون الانضمام للتمرد مع أن البيانات الرسمية تنفي هذا  ، مر يوم 9 مارس و التمرد يقوي لدرجة صناعة حواجز عسكرية و حصار العاصمة  بشكل دفع قائد الجيش في 10 مارس للتهديد بالانقلاب على الرئيس نفسه إن لم يصل لحل مع زعيم المعارضة و لم ينتظر وزير الدفاع الجديد ليحدد موقفه فأعلن في نفس اليوم مع كبار الضباط الولاء لزعيم المعارضة و الثورة -بشكل ينفي محدودية التمرد- ليقوى موقف الضباط الشبان و يقتحمون مقر قائد الاركان العام و يجبروه على الاستقالة في 11 مارس 2009 و يطيحون بآخر أركان نظام الرئيس المتزعزع ، يوم 12 مارس كانت المعارضة قد سيطرت -بدعم ضباط الجيش الصغار الذين إقتحموا أركان الجيش- على وزارات الدولة التي عزلت منها يوم 19 فبراير ، كان السلاح الاخير للرئيس قوات الشرطة العسكرية التي حاصرت القصر للدفاع عنه ضد الثوار و استعانت ببعض المجموعات المدنية المؤيدة  -المدفوع لها مسبقاً و أصحاب المصلحة- ليمر يوم ثم ثاني و يعلن راجولينا في 14 مارس عن المسيرة الشعبية الكبيرة للقصر الرئاسي لإجبار الرئيس على التنحي و توجهت المسيرة و حاصرت القصر و الرئيس يطالب بمؤتمر وطني للمصالحة ليعلن في 15 مارس عن طلب إجراء إستفتاء لتحديد هل يبقى كرئيس أم لا !

*لم يكن الاستمرار ممكناً فأمر راجولينا قوات الجيش بالتصرف فاقتحمت بعض القصور الرئاسية مما دفع الرئيس للإستقالة في 17 مارس و الهرب الى خارج البلاد بشق الانفس و تولية مجلس عسكري حاكم بصورة مؤقتة تحت قيادة راجولينا الرسمية التي اعلنت كسلطة مطلقة على المجلس العسكري يوم 18 مارس و أدى اليمين الدستوري يوم 21 مارس كرئيس ثوري للبلاد .. حاول الرئيس المخلوع العودة و أيده قائد البحرية و اشتعلت البلاد بالاحداث الاجرامية لكن فشلت محاولاته و حصل على حكم بالسجن لأربع سنوات بتهم متعددة ، إلى اليوم لم تجرى الانتخابات البرلمانية و مازال الشعب الملغاشي إلى اليوم يسعى للمزيد من الحرية و الانتخابات النزيهة خاصةً مع الاضطرابات التيأجلت الانتخابات أكثر من مرة بيد أتباع النظام القديم و عناصرة في المؤسسات الحكومية.

..

هذا النموذج يطرح تشابه كبير لأحداث بدأت يوم 25 يناير و قادت لخلع الرئيس و إن إختلفت في طبيعة موقف المؤسسة العسكرية و لعلها تعطي درساً بعدم الثقة المطلقة في النظام الثوري و الجيش بل الثقة الوطنية فقط ، كذلك فكرة محاسبة النظام المخلوع محاسبة حقيقية حتى لا تعطي فرص لضرب البلاد من الداخل و كذلك سبب يبرز من بين السطور فالقيادة الحالية تريد أن ينمو جيل ثوري لوقت ما قبل الانتخابات حتى لا تؤدي الانتخابات لعودة النظام القديم أو مجئ من لا يمثل ثورة مدغشقر..و لعل اهم الدروس ان الثورة لم تنجح الا بوسيلتين:

-1- وجود قيادة للثورة.

-2- مخاطبة الجيش بإعتباره جزء من الشعب لا سيد أو صاحب حق بديهي بالسلطة.

لذا فقد نجحوا بل جعلوا جنرالات الجيش موالين لهم و راضيين بالثورة بناء على ظروف الضغط الشعبي و نفوذ الضباط الصغار.

كانت تلك قصة ثورة أيدها ضباط الجيش الصغار و أجبروا قادة الجيش الكبار على احترامها..

كانت تلك قصة مدغشقر..