ما بين اسراف مظهرى مفتعل وبين ندرة الامكانيات تقف العقلية المصرية حائرة فى صراع غير متكافىء بين الباطن والظاهر.
والسؤال هنا هو هل يعبر ظاهر المصريين بصدق عن باطنهم ؟
اى انه عندما نقيم الولائم فى المناسبات المختلفة هل تعبر تلك الظاهرةعن الدخل الحقيقى لصاحب الوليمة ام انه نوع من البذخ السفيه الغير مبرر يراد به التفاخر بمظهرية كاذبة عن ما لا يملكه فى الحقيقة.
هل السيارات الفارهة التى تسير بكثرة فى شوارعنا تعبر فعلا عن هذا الشعب الفقير الذى يعيش نصفه على الاقل تحت خط الفقر.
نحن قوم نتفاخر بما ليس لدينا لاننا نحب المظاهر ونقدس الشكليات على حساب الجوهر والحقيقة.
نحن نقدس المعانى السطحية للاشياء على حساب المعنى العميق .
الشخصية المصرية هى سى السيد كما جسده العبقرى نجيب محفوظ فى الثلاثية رجل يحافظ على مظهره وشكله المحافظ امام المجتمع برسم صورة شكلية صارمة فى بيته وفى عمله تلك الصورة التى لا تعبر مطلقا عن جوهر شخصيته التى تحب المرح والهزل ومواقعة الراقصات . انها حالة ازدواج مرضية فى العقلية المصرية. الظاهر لابد ان يكون جميلا مهما كان الباطن مخوخ من الداخل .
شهادات من كل نوع تزين حوائط بيوتنا ولكننا جهلة فى كل مجالات الحياة لا علم ولا عمل حتى فى رسائلنا العلمية يتم تقيمها بنسبة لا تقل عن 50% اعتمادا على شكل الرسالة وليس المضمون اليست هذه كارثة جعلت جامعاتنا تتذيل قائمة تصنيف الجامعات فى العالم.
هل يدل انتشار ظاهرة الحجاب فى مصر على ان غالبية هذا الشعب متدين ويراعى الله فى افعاله ويقدس العمل بأخلاص وتفانى.
الاجابة معروفة ولا يجب ان نهرب منها فهى لا تحتاج الى احصائيات الجهاز المركزى للمحاسبات ولا لتقارير الامم المتحدة . لقد انتشرت مظاهر العنف والقتل والسرقة والاختلاس ونهب المال العام بدرجة ملفتة للمتابع لما يجرى .
ظواهر مثل التحرش الجنسى والبلطجة والتسكع لهى من المظاهر التىلا تدل على اى اخلاق او تدين كان مجتمعنا يحظى بها فى الماضى دون مظاهر التدين الشكلى الحالية .
نحن نعيش فى مجتمع فاسد بجدارة بلغت فيه معدلات الفساد سقف الارقام فى العالم .وكلنا نشارك فى هذا الفساد ونبرره فى نفس الوقت.
تدخل المصلحة الحكومية فتجد النساء محجبات ومنقبات والرجال يفترشون ردهة المصلحة فى وقت الصلاة بما ينحت علامة التقوى والورع على جباههم ولكن الحقيقة انه لا عمل يتم ولا مصلحة تقضى بضم التاء بدون رش المعلوم ولا يتم تعين اى موظف جديد الا بالواسطة والمحسوبية .
هل مظهر الايمان اهم من جوهره هل ينظرالله الى الصورة ويحاسب عليها من الخارج دون ان يكون الجوهر مكملا لتلك الصورة .
الن يحاسبنا الله على تخلفنا بين الامم ولا على فقدانا لقيم العمل والجودة الن يحاسبنا على الجهل الذى نتميز به بين الامم بعد ان تركنا العلم وشغلنا انفسنا بالمظاهر والحديث عن النقاب والحجاب ورضاع الكبير وبول الرسول الن يحاسبنا الله على الفساد والرشوة والمحسوبية والاهمال واهدار القيم .
لقد اصبحنا شكليين سطحيين الى ابعد مدى لا نفرق بين الحق والباطل ولا نأخذ بالاسباب وانما بالشكليات والمظاهر الفارغة التى لا تعبر عن حقيقتها الظاهرة ولا عن جوهرها الخاوى المخادع .
ان خطورة ذلك تكمن فى ان الصورة الجيدة من الخارج تريح صاحبها وتجعله كمن ادى ما عليه تجاه نفسه ووطنه ومجتمعه وتقضى على شعوره بالمشاركة فى مواجهة مشاكله ومشاكل مجتمعه الحقيقية التى يداريها ويخبئها طول الوقت خلف ستار الشكل الخارجى الجيد.
وهنا يبقى المجتمع محلك سر لا يعالج مشاكله ولا اسباب تخلفه التى تعيق تقدمه ومواكبته للعصر الحديث الذى يأخذ بجوهر الاشياء وينظر للحياة بعمق وتحليل ومصارحة ومكاشفة دون الهروب من الواقع الى قضايا وهمية واهية كما نفعل نحن .