” فى مثل هذه اللحظات أحن إلى حياتى السابقة، حياة الأكاديمى الباحث والكاتب والمصحح والمدقق لأفكاره بحرية ودون ممارسة ديكتاتورية تسكته أو تحجر عليه. مازال أمامى شوط طويل لاعتياد حياة السياسيين وقد لا اعتادها على الإطلاق “

هكذا ختم الدكتور عمرو حمزاوي مقاله اليوم في جريدة الشروق للرد علي النقد اللاذع الذي تعرض له بعد حلقته في قناة الناس مع خالد عبد الله. و لعل في هذه المفارقة – بين الباحث و السياسي- مربط الفرس. فعندما يقدم مرشح نفسه كممثل عن تيار فكري معين و يحوز علي ثقة الناس و أصواتهم تقيد حريته في التعبير بالتبعية بل و يكاد يكون تغيير الجلد و الإنتماء و بعض التحالفات نوع من أنواع الخيانة و النصب. هذا الضغط الشديد الذي تعرض له النائب عمرو حمزاوي آمر طبيعي في الحياة الديموقراطية السليمة لأنه أنتخب لكي يعبر عن التيار الذي أدعي الإنتماء له أو الدفاع عن قيمه و بالتالي أي شبهة تراجع في هذا الأمر لا يمكن الهروب منه بدعوي رومانسية إنسانية – تحملها ترف في هذه اللحظات الفارقة – للكف عن ممارسة “الديكتاتورية بإسم الليبرالية” أو “الحجر علي الرأي”. و إذا كان التعامل مع هذه المفارقة أمر شاقا, و هو كذلك, فليتحمل المسئولية أو يتركها لمن هو أقدر منه.

و يذكرنا النائب “الليبرالي” بالحملة الشنعاء لتشويه صورته من أتباع التيار الإسلامي عندما قدم الزواج المدني كخيار للمواطنين المصريين في حواره مع عمرو أديب بينما هو كان حقيقة – كما إدعي بعد ذلك – يقصد “الزواج المدني اللي مش بيتعارض مع الشريعة” زي بالضبط كدة الليبرالية “المنضبطة بالصالح العام” و إلي أخرها من محاولات بائسة لـ”تكوير المربع” و تقديم القرابين لألهة الإخوان و السلف و أصنام الشعب المصري الثقافية.

في هذا المجال بالخصوص, العهر السياسي, لا يتفوق أحد علي من يسمون أنفسهم “ليبراليين” في مصر. و لسبب وجيه, فعدو التنوير في مصر لديه ترسانة أسلحة هائلة من دعاوي حسبة و ردة و إهدار دم و ملاحقات قضائية و قبول شعبي واسع لتمرير الإغتيالات و الإرهاب بإسم الإله و بقبول العلماء “المعتدلين” (أتذكر هنا إهدار الشيخ “المعتدل” محمد الغزالي لدم المفكر فرج فودة في محاكمة قاتله). و لعل هنا تبرز أول نقطة خلاف مع النموذج “المدني” و “الليبرالي” الذي يروج له النائب عمرو حمزاوي, فأنا كإنسان مصري يقدس الحريات لا أريد أن أسلم رقبة الحريات و الحقوق و الإبداع لأهل الدين و مؤسساتهم حتي إذا كانوا “معتدلين” لعدة أسباب

أولا لأن عواقب هذه الثقة لا يمكن التنبأ بها (كما رأينا من الغزالي “المعتدل”)

و ثانيا أنه عاجلا أو أجلا, طلاما مبدأ الرقابة و المصادرة موجود, فسيتم إستخدامهما كوسيلة لفرض الوصاية علي الشعب و خيارات المواطنين و هو أمر غير مقبول ليبراليا, إن جاز التعبير.

ثالثا و هو السبب الأهم أنه لا يمكن تجاهل أو تقليل شأن التناقض بين الليبرالية و الشريعة الإسلامية فيما يخص الحريات الشخصية و ممارستها ( و لا أظنه بالسذاجة لإختذالها في حجب المواقع الإباحية بغض النظر عن عدم دقة ما قاله عن حجبها في بريطانيا). فمن الصعب جدا, علي سبيل المثال, أن تقبل بأمور مثل الحدود (و بخاصة حد الحرابة و الزناو الردة) أو فرض قيود علي الإبداع و الفن (و هو أمر لا شك فيه تحت حكم إسلامي حقيقي و بأمر الشريعة و بالقياس علي تحريم “المفاسد” مثل صنع و بيع الخمر) أو التفرقة بين أبناء الوطن الواحد علي أساس ديني(قوانين الزواج, الشهادة, تولي المناصب الخ..) و في نفس الوقت ترتدي عبائة الليبرالية و تجيز كل هذه الأمور بإسم ليبرالية “الصالح العام”, فلا هذه ليبرالية و لا هذا صالح عام من وجهة نظر الليبرالية التي تستمد قيمها من الحريات و القضاء علي السلطوية بأشكالها المختلفة.

و في هذا التناقض بالذات يحاول النائب عمرو حمزاوي, شأنه شأن من سبقوه من السياسين “الليبراليين”, أن يتفادي تلك الإشكالية بالخلط بين ما يسميه “مقاصد الشريعة” من مباديء عامة و الشريعة الإسلامية بأحكامها و إستخدام اللفظين بالتبادل  في مواضع مختلفة و لذلك لا يجب عليه أن يندهش من الهجوم الشرس عليه, فهو عندما يتكلم عن الدفاع عن الشريعة في البرلمان فأنا لا أفكر في طارق سويدان و الأفغاني و محمد عبده و قاسم أمين و الشعراوي و لكن في مرجعيات التراث الإسلامي مثل ابن تيمية و الأئمة الأربعة و المودودي و لا يخفي علي أحد أن في أعمال هؤلاء العلماء لا توجد ليبرالية و لا ديموقراطية و لا حريات شخصية (بتعريفها الحديث علي الأقل) من أساسه.

و لعل ينقتدنا أحد هنا بالإنتقائية معللا بأنه لا يجب تقديس أعمال العلماء و أن هؤلاء المرجعيات لهم ما لهم و عليهم ما عليهم و من الممكن الأخذ منهم و الرد عليهم. و أنا لا أعترض علي هذا الطرح و “عشان نجيب من الأخر” فلنرد الأمور لبساطة الأمر الواقع و وضوحه بعيدا عن التنظير و التأيول

و السؤال هنا, إفتراضيا علي الأقل, هل إذا أقر الأزهر بصفته المرجعية الإسلامية المعتدلة و الرسمية لصحيح الإسلام بمنع أو حجب رواية ما أو عمل فني أو التصديق علي حبس مواطن لـ”إزدراء الأديان” فهل سيقوم الدكتور عمرو حمزاوي الليبرالي بالموافقة كما وعد مشاهديه في قناة الناس أم سيفعل دوره الليبرالي الصحيح و يقف مدافعا عن الحريات بلا إعتذار أو إكتراث لأيا كان؟ فإذا كانت الإجابة بنعم فليخلع فورا قناع الليبرالية و ليدرك أن المطالبة بتسمية الأشياء بأسمائها ليس ديكتاتورية و لا حجر – بل و أنه في الليبرالية لا توجد ديموقراطية في مسألة الدفاع عن الحقوق و الحريات. و إذا كانت الإجابة بلا فليعتذر عن تضييع وقت الجميع و يفكر جيدا قبل أن يتكلم كما يجب أن يفعل أي سياسي ذو شأن.

و لا أظن أن هذا السيناريو أمر مستبعد, حتي في خيال النائب عمرو حمزاوي, لكي يصف منتقديه بممارسة الديكتاتورية الفكرية و الحجر عليه.  و علي أية حال الأيام قادمة و سيقف الجميع أمام عواقب ما قالوه أو فعلوه.

أحب أن أوضح أخيرا أنه سقطات عمرو حمزاوي الأخيرة و نقدها ليس أمر شخصي و لا يجب أن يكون كذلك لأنه نمط مستمر و إستراتيجية أثبتت فشلها من تيار لا يملك أن يصارح نفسه حتي قبل أن يصارح غيره بثوابته و قيمه و مبادئه – و هو تيار لا أمل له في أن يتواجد في وجدان المصريين إذا لم يدرك أنه بالثبات و بالمواجهة تكسب أو علي الأقل لا تخسر أرضا و مساندة جماهيرية مهما كانت مستضعفة أو صغيرة في البداية. ليس بالإستسلام لمفاخذة تيار الأغلبية أو مغازلته و بالرخيص كمان يحدث التغيير الذي ننشده كمصريين, مش هأقول ليبراليين, و لكن حالمين و مؤمنين بالحرية كما يجب أن تكون و بالعدالة كما يجب أن تكون و بالمساواة كما يجب أن تكون.