تابعت حوار الدكتور عمرو حمزاوي الأخير مع قناة الناس بقرف و إحباط شديد. مصدر القرف هو أن حمزاوي بذل مجهودا كبير لنيل القبول من محاوره و مشاهديه – و قناة الناس يتابعها في الغالب السلفيين و المتعاطفين مع هذا التيار –  حين تكلم عن الليبرالية و أعاد تعريفها بشكل غريب يفقدها من أي معني أو قيمة. فبالنسبة لحمزاوي الليبرالية تعني الحرية “المنضبطة بالصالح العام” و بالتالي لا يجد النائب “الليبرالي” غضاضة في أن يصوت بلا ضد ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية و بنعم مع ما يتوافق معها. و لعل هذا الموقف في حد ذاته لا يعترض عليه المصريين بإختلاف تيارتهم و هنا تتلخص المشكلة حقيقة, فما هو الذي يدفعنا أن نضع بادجا يصنفنا كبشر؟ الإجابة ببساطة أنك تري في منظومة فكرية أو إنتماء أو مجموعة من القيم ما يتفق مع ضميرك و بالتالي تصنف نفسك كليبرالي أو إشتراكي إو إسلامي الخ… و لكن لأننا في مجتمع إقصائي و متشدد, علي الرغم من تعدديته الثقافية, فكثيرا ما يحرج أصحاب الفكر التنويري و الليبرالي – و من الأخر كدة – كل ما هو غير إسلامي أن يتحدثوا بلا خوف – من إهدار الدم أو الملاحقة القضائية أو الحسبة أو النبذ الإجتماعي – عن حقيقة ما يؤمنوا به. و أنا حقيقة لا ألومهم لأنه لا يجب علي شخص آن يقايض حريته في التعبير بسلامة حياته أو باله و لكن ما يزعجني هو أن أخرج “بالفم المليان” و أنا أعتبر رمز من رموز الليبرالية و أن أتعمد الكذب و التضليل حتي ألقي قبول “الناس” و بالرخيص حقيقة حتي تصبح “ليبرالية” حمزاوي المزعومة متوافقة تماما مع حجب المواقع الإباحية, و لأن المباديء لا تتجزأ, فبالتالي منع و تجريم نشر رواية نجيب محفوظ أولاد حارتنا طالما وافق الأزهر علي ذلك و هو المرجعية الإسلامية الرسمية في مصر, و بإسم “الصالح العام” طبعا.

و برر حمزاوي موقفه أنه حتي في الدول الغربية, علي سبيل المثال بريطانيا, يتم التداول الان علي حجب المواقع الإباحية و أستشهد بذلك المثال حتي يبرأ ذمته من النقد و من سيكشفونه علي حقيقة ما هو عليه – دجال ليبرالي جديد – فإذا كانت بريطانيا مهد الحضارة الغربية تريد حجب المواقع الإباحية فمن نحن يا ليبراليين مصر لكي نطالب ببقائها علي أرض الأزهر؟ و لكن المشكلة أنه, علي فرض أنه دكتور في علم السياسة و قادر علي القراءة و غالبا الفهم, قد تعمد الكذب و التدليس علي مشاهديه – فبريطانيا لاتريد حجب المواقع الإباحية و لكن تريد أن يكون الوصول لها بناءا علي طلب خاص من المشتركين لكي لا يتسني للأطفال دون السن القانوني الدخول علي تلك المواقع و لقد صرحت كلير بيري, النائبة المحافظة و هي من أشد أنصار تنظيم الوصول للمواقع الإباحية, أنهم لم يأخذوا موقفهم من أجل عداء صناعة البورنو و لكن من أجل “حماية أطفالهم”.

ليبرالية “المصالح العامة” ده لا وجود لها إلا في خيال الدكتور “الليبرالي” حمزاوي و لأنه أصبح رجل سياسة فتطبع بها حتي قبل أن يدخل البرلمان,بعد أن باع نفسه علي أنه ليبرالي, فأنا أتعجب حقيقة من سبب إحباطي من حواره مع قناة الناس. عامة حتي أرفع الحرج عن هذا الـ”مسيلمة الليبرال” و أمثاله دعني أعرف للجميع ما هي الليبرالية بكل وضوح و بدون أي محاولة لـ”تزويء” الكلام.

الليبرالية بإختصار تهدف لتعريف الإنسان بناءا علي فرديته وتحريره من قيود السلطوية بأشكالها المختلفة (ثقافية, إقتصادية, دينية, سياسية) و بالتالي حماية حرياته الأساسية المعرفة وفقا لحقوق الميلاد (الحق في الحياة, الحق في التعبير, الحق في الإختيار, الحق في التنقل, الحق في تلبية الإحتياجات الأساسية) بدون التفرقة علي أساس العرق أو الدين أو الجنس أو اللون. و تنضبط الليبرالية بحريات و حقوق الأفراد الأخرين فقط و بما لا يسبب ضرر مباشر للفرد.

و لكي أرفع الحرج و أثقله من “مسيلمة الليبرال” و أشباهه, فدعني أعلنها صراحة و بكل وضوح, الليبرالية و الشريعة لا يتوافقان. حتي “مسيلمة الليبرال” يدرك هذا تماما و هو يتكلم عن “مقاصد الشريعة” – في محاولة لإفراغها من محتواها و تشكيلها كما يشاء بما لا يتعارض مع ليبراليته العرجاء – و كأن الشريعة لا تأتي بمقصادها و الأحكام التي تيسر الوصول إلي تلك الغاية من نفس المصدر و من نفس المرجعية و من نفس السلطة.

أنا أضع بادج “ليبرالي” لسبب وجيه و أعلمه و لا أخشي من المجاهرة به. أنا أؤمن بالحريات و العدالة و المساواة. أنا أجد في تلك القيم مصدرا حقيقيا للسعادة و محفزا للتطور و ضابطا عقلانيا و منطقي للتعامل بين البشر. و بكل صراحة و بلا غضاضة أنا أري زيف و رجعية أحكام نموذج الشريعة التي ينادي بها و أنه هناك بديل أفضل بكثير لأنظمة الحكم و التشريع عن تلك التي تسمح بالزواج بإبنة الإثني عشر عاما و تقتل و تصلب و تقطع يدا أو رأسا و تستعبد و تحجب و تمنع و تفرض وصاية و تسلب الناس حريتهم و ترهبهم و تفرق بينهم بإسم هذا الإله أو ذاك. عشان كدة أنا ليبرالي, و هي دي الليبرالية اللي أعرفها و أؤمن بها. أما غير ذلك فهو كذب, فلا تصدقوه.

هل أبلغت؟ اللهم فاشهد…