عمرو البرجيسي و صامويل تادرس

لاحقًا هذا الأسبوع تستضيف مصر المؤتمر السادس و الخمسين لمنظمة “الليبرالية الدولية”، و التي تعرّف نفسها بوصفها “الاتحاد الدولي للأحزاب الديمقراطية الليبرالية و التقدمية”. يظهر من بين نيف و ستين حزبا تمثلها “الليبرالية الدولية” ” الليبراليون الديمقراطيون” في بريطانيا، “الحزب الديمقراطي الحر” الألماني، و “الحزب الليبرالي” الكندي، أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فيحيلنا موقع “الليبرالية الدولية” الرسمي على شبكة الإنترنت إلى “المعهد الديمقراطي الوطني” كمنظمة متعاونة منذ العام 1986.

سيقوم على ضيافة الوفود الزائرة للقاهرة “حزب الجبهة الديمقراطية” المصري. و الليبراليون الغربيون (بالمعنى التقليدي لليبرالية) دوما ما يسعدون باكتشاف أن هناك من يشاركونهم الرؤية في العالم الثالث، و ربما تبلغ هذه السعادة أقصاها إن كان هؤلاء من أبناء العالم العربي. لكن، و تحديدا في مصر، هناك سر صغير عفن عن هذه الأحزاب التي تصف نفسها بالليبرالية: أنها، في معظم الحال، حامل لداء معاداة السامية، في بعض الأحيان اتباعا لدروب الانتهازية السياسية، و في أحيان أخرى عن قناعة متوطدة موتورة.

لنعرض لحالة “سكينة فؤاد” و هي صحفية معروفة تشغل منصب نائب رئيس “حزب الجبهة الديمقراطية”. في مقال لها نشر مطلع هذا العام، استبعدت السيدة “فؤاد” إمكانية التمييز بين اليهود و الإسرائيليين، و السبب أن “تطرف عقيدة الاستعلاء والتميز والاستكبار التي ينطلقون منها [و الإشارة لليهود] والتي يسعون لتحقيقها بكل الوسائل وفي مقدمتها الدم والقتل والترهيب والترويع”. و تعضد السيدة “فؤاد” حجتها هذه بتصريح مزعوم “للرئيس” “بنجامين فرانكلين” يطلب فيه إلى الأمريكيين طرد اليهود لأنهم “كالجراد لا ينزلون أرضاً خضراء وإلا ويتركونها خراباً وجرداء”.

بالطبع لا حاجة بنا أن نقول أن “فرانكلين”، الذي لم يكن قط رئيسا، لم يصرح بهذا قط، على أن صحفية من مرتبة السيدة “فؤاد” لا تعبأ بتقصي حقيقة ما تكتب. تتساءل بعد ذلك “هل الصهاينة من جنس البشر؟” لكنها – و إن نفت عنهم البشرية ضمنيا – تحمد لهم مساعدتهم إياها على “فهم ما امتلأ به التاريخ من وقائع طردهم والتخلص منهم والتخلص من وسائلهم غير الأخلاقية وغير الإنسانية”. كانت السيدة “فؤاد”، في مقالات سالفة، قد كتبت عما أسمته “التعاليم التلمودية التي تحدد انواعا من الطهر لا يصل إليها اليهودي إلا باستخدام الذبائح البشرية من المسيحيين” لصناعة “فطائر الدم”، كما استنكرت الإشارة إلى الهولوكوست لأنها جزء من “ترسانة الخرافات اليهودية”.

على أن حالة “سكينة فؤاد” ليست شططا عن خط الحركة الليبرالية المصرية. فلننظر إلى “أيمن نور” الذي خاض الانتخابات الرئاسية في العام 2005 ممثلا لحزبه “الغد” و انتهى إلى فترة سجن شارفت السنوات الأربع، فتحول بذاته إلى “قضية رأي عام” في أوساط المسئولين و الصحفيين و نشطاء حقوق الإنسان الغربيين.

في أعقاب إطلاق سراحه مطلع هذا العام، حضر “أيمن نور” احتفالا نظمته قوى المعارضة – و بينهم الإخوان المسلمون – في بورسعيد بذكرى “خروج أول كتيبة من المتطوعين من أبناء الشعب المصري لقتال اليهود 1948″، مع التوكيد على كلمة اليهود بالخط الأسود العريض على لافتة المؤتمر المكتوبة فيما عدا ذلك بالأحمر و الأزرق، و المعلقة فوق منصة الاحتفال. لكن، و بدلا من أن يسعى “نور” لأن ينأى بنفسه عن مثل هذه الرسالة، انخرط في روح الاجتماع فلم يقتصر حديثه عن التضامن مع الفلسطينيين و إنما امتد إلى “قيمة مواجهة هذا العدو الذي تكمن خلفه كل الشرور و كل المؤامرات و المخاطر التي تحاك لمصر”.

ثم هناك حالة أقدم الأحزاب “الليبرالية”، الوفد، و صحيفته التي تحمل الاسم نفسه و التي هي من بين أنشط منابر معاداة السامية في مصر. فبعد الخطاب التصالحي الذي ألقاه الرئيس “أوباما” من القاهرة إلى العالم الإسلامي، استنكر الكاتب “أحمد عز العرب” على السيد “أوباما” أنه أصر على اعتبار الهولوكوست حدثا تاريخيا حقيقيا مقدما تسعة “أدلة” تاريخية على أنها لم تحدث مطلقا، مختتما بأن “الأكاذيب اليهودية الشريرة [نجحت] في خلق جو هستيري من كراهية الألمان مما تسبب في موت الملايين”.

و من دواعي الأسف أن هذه الأمثلة ليست إلا قطرة في محيط، و إن كانت هي ما يبين للناظر لأن معاداة السامية، و على عكس ما يظن المرء، ليس لها جذور في مصر راسخة القدم. فحتى طرد اليهود في الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي على يد “جمال عبد الناصر”، عاش في مصر لآلاف السنين مجتمع يهودي مزدهر. و حتى الثلاثينيات، بلغ السياسيون اليهود منصب الوزارة و شاركوا في النشاط السياسي الوطني.

إلا أن كل هذا تغير مع صعود الحركات الشمولية و الفاشية في أوروبا، و التي نالت ما يزيد عن نصيبها من المحاكين في العالم العربي، بين الإسلاميين و العلمانيين على حد سواء. و بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالملكية في العام 1952، أصبحت معاداة السامية ثابتا أيديولوجيا للتوجه الشمولي الجديد.

تغيرت مصر تدريجيا منذ ذاك الوقت، لتصل إلى اتفاق (أو يكاد) مع اسرائيل و متبنية سياسة اقتصادية مبنية على السوق الحر في بعض عناصرها على الأقل. إلا أن معاداة السامية لم تزل بمثابة الغراء الذي به تلتصق القوى السياسية المتنافرة بعضها ببعض. و بعكس ما هو منطقي، ينطبق هذا بالأخص على من ينعتون أنفسهم بالليبراليين، ممن يظنون أن بإمكانهم الإتجار بمعاداتهم للسامية لنيل حظوة في ربوع هم فيها محل للشك أو مفتقرون للشعبية، فراحوا يصورون اليهود كالشياطين بهمة من اهتدى إلى الحق من بعد باطل.

أما الغربيون، الذين يميلون للتعامل مع العرب بتعال خلف قناع “التفهم”، فقد يسرعون إلى نبذ ما أسلفنا باعتباره محض غضب على السياسات الإسرائيلية و بالتالي غير ذي صلة بتطور الليبرالية في العالم العربي. لكن الحركة الليبرالية التي تصل إلى تبني هذا النوع من معاداة السامية، و الذي كان ليرضي النازيين حق رضاء، هي و ببساطة غير ليبرالية من الأصل. هذا ما يجب على الوفود الزائرة أن تدرك قبل قدومها للقاهرة. و الأهم، هو ما على الليبراليين الحقيقيين في العالم العربي أن يتفهموا قبل أن يرتكبوا مثل هذا الانتحار الأخلاقي مرة أخرى.

كتبت هذه المقالة بواسطة الشركائ الرئيسين بأتحاد الشباب الليبرالي المصري – عمرو البرجيسى و صامويل تادرس، وقد نشرت المقالة فى جريدة وول ستريت جورنال.