بدايةً و قبل الدخول إلى الموضوع لا بد أن نفهم جيداً أن مصطلح (إقتصاد إسلامي) جزء من كل فهناك رؤية لأسلمة كل شئ بالحياة فنجد دولة إسلامية بها مواطنة إسلامية و ديموقراطية إسلامية و إقتصاد إسلامي الخ الخ الخ فلا يجب علينا الفصل بين مصطلح (الاقتصاد الاسلامي) و باقي المصطلحات المؤسلمة فهنا سنظلم أنفسنا كثيراً بتخيل وجود شئ يسمى (إقتصاد إسلامي) منفصلاً عن سياسات الأسلمة التي تجريها تيارات الإسلام السياسي و تستمر فيها و تبرع في صياغة مجلدات كبرى بها ، إن بدأنا حديثنا بهذا الأمر فسيكون العقل مُهيأ تماماً لتقبل الشرح عكس لو تصور القارئ العزيز أن الاقتصاد الاسلامي هنا موضوع مستقل بذاته عن الرؤية التي يتبناها أنصار تيار الاسلام السياسي في بلادنا العربية و المسلمة ، كذلك لا بد من معرفة أن الدعاية الاعلامية هي صاحبة الفضل في تلك الصورة المزيفة لتطبيقات هذا المصطلح (الاقتصاد الاسلامي) عبر الكذب الفج من قنوات الجزيرة و العربية تحديداً في رصد أسباب الازمات العالمية و طبيعة دور المؤسسات المستخدمة لتطبيقات متأسلمة فتُهيئ لنا كذباً أن هناك أزمة عالمية سببها عدم إتباع قواعد متأسلمة و م إتبعها لم يتأثر فهذا كذب فج لا بد من أن ننتبه اليه و ألا نسلم عقولنا لقوم ليسوا مختصين في شئون الاقتصاد و يوم يغرقون يبررون الغرق بمؤامرات صهيونية غربية الخ الخ الخ !

..

الجذور:

حين ظهر الاسلام أتي بمجموعة جديدة من الاجراءات التي تهدف لعلاج مشكلة الفقر و تنظيم تدفق الاموال و حركة الاسواق بشكل أخلاقي يتناسب مع طبيعة الإقتصاد البدائي بالجزيرة العربية منذ 1400 سنة ، وجدنا قيم الزكاة لعلاج مشكلة الفقر و منع الاقراض الشخصي بالربا و منع أنواع من البيع لا تضمن حق الطرف الآخر المشتري و منع الاحتكار كذلك و لم يزد الأمر عن هذا في ذلك الوقت ، منذ 1000 سنة ظهرت مؤلفات لأبو يوسف و إبن حزم و الغزالي و غيرهم حاولت مواكبة عصرها بتنظيم رؤية إقتصادية أفضل و كانت ذات قيمة أدبية عالية في إطار ذلك الوقت من القرن الحادي عشر ، كان إبن خلدون بدوره في مقدمته الشهيرة صاحب الاسهام الأكبر و الأفضل في ذلك الوقت و قد عُدت إسهاماته على أنها من أسس تطوير النظرية السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية الى اليوم ، حتى نهاية القرن التاسع عشر و مجئ القرن العشرين بكل ما حمل من تطوير إقتصادي كبير و مبادئ إقتصادية جديدة و ثورات و حروب و أيدولوجيات متصارعة لم يتطور مفهوم الاقتصاد بالمنطقة الاسلامية لأسباب أهمها كون المنطقة تعرضت لإحتلال تركي دفعها للركون و الكسل عن البحث بصورة شاملة ثم إنتقلت لإحتلال آخر أوروبي له منهاجه الخاص الذي يريد تطبيقه في المستعمرات لذا لم يظهر كتاب واحد يتحدث عن نظرية جديدة مواكبة للعصر أو شئ آخر بخلاف كتب اعادت شرح القديم و أجملته و جملته دون أدنى مواكبة لعصرها ، منذ النصف الثاني للقرن العشرين بدأت كتابات (شيعية) تتحدث عن إقتصاد إسلامي حديث -الاقتصاد الاسلامي بشكله الحديث المطروح فكرة شيعية 100%- فنجد كتاب الاسلام و الملكية لطالقاني 1951 و نجد كتاب النظام الاقتصادي في الاسلام للنبهاني 1953 و نجد كتاب إقتصادنا لمحمد باقر الصدر عام 1961 و كتاب رأس المال و الملكية لحبيب الله بيمان 1979 و كتب أخرى عديدة بين 1960 و 1980 لم يُستثنى من شيعيتها إلا مؤلف لأبي الاعلى المودودي بالسبعينيات ، كانت هذه هي الجذور لما نراه اليوم ، نضيف هنا ملحوظة أن تحريم المال البنكي (الفوائد) قديم قدم ظهور البنوك و قد حرم حسن البنا -مؤسس الاخوان- الفوائد كغيره ممن سبقوه و تلوه.

..

أسلمة إقتصاد أم إقتصاد إسلامي؟

إن السؤال المهم هنا هل هناك منظومة شاملة تسمى إقتصاد إسلامي أم أنها قيم أخلاقية غير مرتبطة بدراسة حقيقية للوضع الاقتصادي ؟

الاقتصاد هو مصطلح جامع لكل المؤسسات المشاركة في الانتاج و التوزيع و الاستهلاك كأشخاص و مؤسسات و الصناعة و التجارة بأدواتها و الموارد الطبيعية كشبكة لها قواعد مغايرة عن غيرها تشمل مبادئ و آليات الملكية و الانتاج الخ الخ الخ.

هل هناك في هذا (الاقتصاد الاسلامي) ما يقدم نظرية جديدة في عالم الاشتراكية و الدولنة و الرأسمالية و الليبرالية الاجتماعية؟

لأوفر عليكم الكثير من البحث الذي أخر هذا المقال أربعة أشهر فإن ما يسموه (الاقتصاد الاسلامي) ليس إلا أسلمة ممكن أن تلقيها على الاشتراكية و تصنع إقتصاد إسلامي من الاشتراكية و يمكن أن تلقيها على الرأسمالية -هذا ما يحدث اليوم- و تنجح في صياغة إقتصادك الاسلامي و يمكن أن تلقيها حتى على عصور الاقطاعيات الاوروبية و تنتج إقتصاد إسلامي لكن لو تركت الامر هكذا بدون جسد تلبسه تلك المبادئ فإن كل شئ ينهار فوراً لأن (الاقتصاد الاسلامي) ليس منهج شامل بل مبادئ تتم بها أسلمة النظام فقط.

..

البنوك و الاقتصاد الاسلامي:

تتمحور فكرة الاقتصاد الاسلامي في العصر الحديث حول رفض الفوائد البنكية ، صراحةً فهذه أول مرة أقرأ عن رؤية إقتصادية قوامها رفض جزئية من فكرة أخرى زميلة !!

الفكرة أن إدخارك مال بالبنك و حصولك على الفوائد = ربا حيث أن المال ثابت و هناك ربح يأتيك+البنك يقرض بفائدة و هذا ربا و لا يشارك في الخسارة للمقرض و هذا ربا .

حين تأتي و تبحث عن فكرة الفوائد ستجد أنك كمودع دينياًيستحيل أن تكون مرابي فالتضخم مثلاً 15% أو 10% (لم يحدث منذ 50سنة بمصر) بينما فوائد البنك أقل من التضخم دوماً و بالتالي فأنت تخسر عملياً فارق التضخم و الفوائد !!

من الزاوية الاخرى فالبنك ليس مؤسسة خيرية يشارك لتمويل الاخر و يخسر معه فلهذا نظام خاص غير ربحي بالدرجة الاولى لكن البنك بهذا الشكل سيفلس مع تقلبات السوق و تتلاشى الايداعات فالبنك في الواقع لديه مئات الالاف من الايداعات و لو شارك بها و خسرت 20% من المشروعات فسيفلس في خلال شهر واحد !!

فماذا تفعل البنوك الاسلامية لحل المعضلة التي تحكم عليها بالافلاس؟

الواقع أن البنوك وصلت لحل مثالي..تطبيق الفوائد تحت مسمى آخر !!!

مثلا البنك التجاري يعطيك 100000 لشراء سيارة و يحصلهم منك 120000 ، البنك الاسلامي يشتري لك سيارة ب 100000 و يدفعهم أقساط ب 120000 أو 125000 (دائماً الفوائد أكبر من البنوك التجارية على الاقساط) و الفارق (الفوائد على الاقساط) يتم تحرير عقد تأجير لك للسيارة كأنما يقول لك حتسدد ال 100000 عادي و ال 25000 الزيادة ثمن تأجير سيارتنا لك حتى تنتهي من ل 100000 !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

مثال آخر واقعي من الاردن ..تشتري جهاز كمبيوتر ب 530 دينار بدفعة اولى 150 دينار + 16% ضريبة مبيعات +20 دينار كل شهر زيادة على القسط ثمناً لتأجير الجهاز لحين الانتهاء من دفع الاقساط !!!

*البنوك الاسلامية تقرض و تحصل على فوائ3 أكبر من البنوك التجارية تحت مسميات كالتأجير و المرابحة الخ الخ ، هذا شئ حتمي و إلا أفلست كما أسلفنا فالفكرة المسماة بالنوك الاسلامية نظرية فمخاطر الاستثمار تجعل البنك مهدد بالافلاس دوماً لأنه إن شارك بالايداعات و حدثت هزة إقتصادية سيفلس لأنه شريك في الاقراض و ليس دائن يحصل  (المبلغ+فارق التضخم+ ربح الوساطة ) كالبنوك التجارية لذا فمبدئياً بقاء البنوك الاسلامية يعني أنها تقرض و تربح و إلا أفلست.

*حين حدثت الازمة المالية العالمية هاجموا الفائدة و اعتبروها السبب قائلين أن تصفير الفائدة هو الحل ، كان هذا دليل على عدم فهمهم للأزمة فالازمة ليس سببها الاقراض بل التوسع في الاقراض بشكل يخل بوعائك المالي كأن تقرض 70% من وعائك بفائدة 20% فالازمة تلقائياً ستحدث لكن الفائدة نفسها ليست المشكلة المهم أنهم صرخوا بإنهيار الرأسمالية -بينما يهللون لأرقام النمو التي حققتها الرأسمالية بتركيا !!!!!- و عصر البنوك الاسلامية التي -حسب قولهم- لم تتأثر ، الغريب أن هذه النكتة لم تتطرق لأزمة الكويت التي أصابت بنوكها و شركاتها و صيرفتها الاسلامية 2010 و قادتها لحد الافلاس بعد أن كانت تتفاخر ب 35% أرباح إسلامية فعانت 18 شركة إسلامية من واقع 19 شركة من التعثر أو الافلاس أو التصفية و كان السبب هو نفسه سبب أزمة الرأسمالية فالتوسع في نقل الاموال تحت أي مسمى سواء مرابحة أو قرض الخ الخ و رفع نسب الفائدة هو السبب ، لم نجد وسط المهللين للفروع الاسلامية ببنوك اوروبا من يشرح لنا ما الفارق بين التعاملات البنكية الاسلامية الاوروبية و البنكية التجارية الاوروبية فكلها نفس السياسات مع تغيير المسميات بل إنها تحجز اموال المغترب المسلم و تجذبها حتى لا تصل لبلده الفقير المحتاج لتحويلاته !!

*الخلاصة أن تطبيق نظرية الاقتصاد الاسلامي في البنوك تعني القاء أغلب الودائع المالية في السوق (خطر الافلاس الرأسمالي) + مخاطر عالية جداً على أموال المودع الذي يُجبر على تقبل أن أرباحه تصل الى 1% هذا العام لأن البنك خسران + قطع للتعاملات مع بنوك الخارج (إلا لو قبلوا التبادلات التي يصفوها بالربوية) مما يؤدي حين نجمع تلك النقاط الى سقوط سريع للسوق المالي مع تداعي البنوك المفلسة و سحب المودعين باقي الايداعات في البنوك الاخرى و لن يجدوها لأنها مستثمرة في السوق بواقع ربح و خسارة !! .. هذه النتيجة لم و لن تحدث إلا قليلاً لسبب واحد أن هذه البنوك تجارية لكن تغطي تجاريتها بغلاف إسلامي كما أسلفنا في النموذجين السابقين .

..

إذن لماذا نسمع عن نجاحات الاقتصاد الاسلامي؟

الاجابة لأنه إقتصاد جاذب لأموال المتدينين ، يتعامل تجارياً كأي بنك أو شركة لكن بتغيير المسميات فقط ، يرتبط بقواعد إقتصادية عالمية تجارية تضمن له إستثمار آمن كأي عمل تجاري ، بروباجندا الاعلام لصيقة به و هي نفسها وسائل الاعلام المملوكة لأصحاب و شركاء في تلك البنوك ، إقتصاد نظريته مغايرة تماماً لتطبيقة للنجاة من الافلاس الذي هو مُحتم من واقع النظرية ، إقتصاد له مئات المراجع الضخمة الكبيرة التي تصلح كُتب تشرح لنا نظام البيوع بين قبائل الجزيرة العربية و تطبقها على بيوع أسواق لندن و طوكيو ، إقتصاد شكلي كمبادئ أخلاقية يقتبس من الرأسمالية الكثير و قليل من الاشتراكية (في شكله العصري فهو تشكل بعد الرأسمالية و الاشتراكية)  و بالتالي في أي مكان ظهر سينجح فهو يقتبس النظام الاقتصادي السائد و يلصق به مبادئ أخلاقية و يغير المسميات ثم يعلن عن نجاحه لنهرش رؤسنا في حيرة و نحن نراه نظام إشتراكي في مصر الناصرية و رأسمالي اليوم و ينهار بالكويت و ينجح بماليزيا و كل هذا في إطار نفس النظم القديمة بتغيير المسميات.

..

الجدير بالذكر أن كل برامج الاسلام السياسي عصرية ، الاخوان رأسماليون ليبراليون 100% يريدون إستعادة القطاع العام المنهوب لإعادة بيعه بسعر السوق و يقرون خطوات مبارك الاصلاحية بالاقتصاد و يوافقون على الارتباط ببرامج البنك الدولي ، ماليزيا قلعة للإقتصاد الاسلامي كل تطبيقاتها هناك تجارية و كلمة إسلامي أقل من الشكل فنحن نتحدث عن بنوك تجارية ترفع راية إسلامية مع نفس السياسات بل إنها لا تغير المسميات كعندنا ، تركيا في عهد العدالة و التنمية رأسمالية قلباً وقالباً و تحولت لورقة في ملف البنك الدولي ، النهضة بتونس كإردوغان و الاخوان ، أين نموذجكم؟ .. أين برامجكم المغايرة للرأسمالية؟..أين أي شئ؟؟؟؟!!

الخلاصة:

-1- لا شئ شامل منظم منهجي إسمه الاقتصاد الاسلامي على غرار الرأسمالية و الاشتراكية و الدولنة فهو مجموعة رؤى أخلاقية منفصلة تنظيمياً عن العصر و تصلح للمشاركة في النظم الرأسمالية و الاشتراكية دون أن تُكوِن نظام مستقل.

-2- يعاني هذا الاقتصاد من كل مشكلات الرأسمالية فهو في إجماله إقتصاد سوق متأسلم .

-3- كل آليات البنوك التجارية من فوائد و غيرها حاضرة في تعاملات البنوك الاسلامية مع تغيير الاسم و شكل الاجراء.

-4- البنوك الاسلامية و التعاملات الاسلامية مختلفة عن نظريتها فالنظرية بمرور الوقت تقود للإفلاس و سحب المدخرات فوراً من المودعين و عدم ربحية البنك و إستمرارية البنوك الاسلامية تعود لأن التطبيق تجاري بحت مع تغيير الاسم و ملامح الشكل.
-5- دعايات مثل أن الغرب يريد هذا النظام و البابا يريد هذا النظام و أنه يشكل نسبة من السوق العالمي دعايات لجذب مال المودعين لاأكثر فآليات العمل تجارية و نظامه تجاري و هو جزء من رأسمالية عالمية لا فارق إلا الشكل و المسميات و له نفس مخاطر السوق الرأسمالي التجاري العادي .