1. السياق التاريخي لمفهوم  للتقدم

تبلورت فكرة التقدم خلال القرن السابع عشر ، وخصوصا مع عصر التنوير عصر (الاعتزاز بالمعرفة والإيمان بالعقل والأمل في المستقبل، حيث حمل هذا المفهوم نخبة من المفكرين والمثقفين من أمثال فولتير ومونتسكيو وكوندريسه وغيرهم من المفكرين الموسوعيين آمنوا بالتغيير وجعلوه شعارا لهم. وما أدي كذلك تبني فكرة التقدم والدفاع عليها الكشوف العلمية التي توصل إليها الإنسان خصوصا في مجال العلوم الحقة (الفيزياء والكيمياء والرياضيات……..). وكذلك ما جعل هذا المفهوم يلقى تداولا كبيرا لذي فئة من المثقفين والمفكرين هو تنامي النزعة الإنسانية التي تعلي من شأن الإنسان وتجعله مركز الكون باعتباره ذات عاقلة ومفكرة. إضافة إلى أن هذا العصر شهد سيادة فلسفة عقلية تجريبية ترفض الميتافيزيقا والدين وتهتم بالرياضة والفلك والطبيعة والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والطب، فلسفة تؤمن بالتغيير وتسعى إلى التجديد في كل شيء، تحدوها ثقة مطلقة في العقل ويدور التفكير فيها حول الإنسان، فالاهتمام بالتاريخ في هذا القرن مظهر من مظاهر الاهتمام بالإنسان، حيث لم يصبح التاريخ مجرد سرد لأحداث معارك وسير الملوك وأخبار البلاط، وإنما شمل التاريخ شتى مظاهر النشاط الإنساني ممثلا في الجوانب المختلفة للحضارة من عادات ومعتقدات وتشريع وعلم وفلسفة وفن وتكنولوجيا وتجارة وصناعة. إن الحروب وسير الملوك لا تفصح عن التقدم بقدر ما يفصح عن نشاط الشعب  في مجالات العلم والفن والفلسفة والأدب والتكنولوجيا وغير ذلك.

تجاوزت نظرية التقدم بمؤرخي عصر التنوير علاقات السياسية وأخبار الحروب، لأن هذه لم تكشف عن شيء من التقدم، لقد تجاوزتها إلى أوجه النشاط الإنساني متمثلة في العلم والفن والفلسفة والأدب والتكنولوجيا، فالتاريخ الحق هو تاريخ الفكر الذي يكشف عن تقدم العقل البشري، وفي هذا الإطار نسوق نصا لفولتير يؤكد فيه على هذا الطرح:”إن  بعض المؤرخين يهتم بالحروب والمعاهدات ولكني بعد قراءة مابين ثلاثة ألف وأربعة ألاف معركة وبضع مئات من المعاهدات لم أجد نفسي أكثر حكمة مما كنت قبلها، لم أتعرف إلى على مجرد حوادت لا تستحق عناء المعرفة”. وقائع التاريخ إذن تعوزها الحكمة ومسارها ينقصه إدراك المغزى أو المعنى وذلك ما أغفله  المؤرخون وأهتم به الفلاسفة

2. معاني التقدم

ـ معني تطوري: حيث تصيح الطبيعة  الإنسانية أسمى حصيلة لعملية التطور ذاتها، ومن تم فإن التقدم التاريخي متضمن في قانون الطبيعة، ذلك أنه لما كانت عملية التطور حتمية وقد أدت بالإنسان أن يصبح على رأس الكائنات الحية كان معنى التقدم متضمنا في الطبيعة ذاتها، فالإنسان بوصفة ابنا للطبيعة خاضع للقانون الطبيعي، ومن تم فإن مسار التاريخ لابد أن ينطوي على التطور على نحو ما هو أسمى .

ـ معنى فلسفي مذهبي: حيث إتخد مفهوم التقدم طابع نظرية شاملة في فلسفة التاريخ، فهو تقدم نحو حرية الروح بوعيها لذاتها ونحو المجتمع اللاطبقي لذى ماركس.

ـ معنى حضاري: نتيجة لتقدم العلم والتطور والأنظمة  السياسية نحو الديمقراطية شاعت أفكار السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان وسعادته، هكذا بدأ لأنصار التقدم مقدرة الإنسان على أن يتم من الإنجازات ما يمكنه من أن يستبدل بالفردوس الديني الأخروي، فردوسا علمانيا دنيويا، فالحياة في باريس وروما أفضل عند فولتير من جنة عدن.

3. مفهوم التقدم في أنظار المفكرين والفلاسفة

لإثبات فكرة التقدم لدى فولتير أعاد الاهتمام بالتأريخ للحضارات بدلا من الملوك والقواد، لأن أخبار السياسة والحرب لا تفصح عن العقل الإنساني خلال عصور التاريخ، كما أن دراسة التاريخ لا ينبغي  أن تكون وقفا على تاريخ أوروبا، بل تشمل مختلف الشعوب البدائية  وحضارات الشرق القديم، ومن تم فقد انتقد كتاب بوسويه “مقال في التاريخ العالمي” فليس في نظره تاريخا عالميا ذلك الذي حصر التاريخ في أربعة أو خمسة شعوب، وتجاهل الشعوب الأخرى الشرقية ذات الحضارات المجيدة كالصين و الهند وفارس وبابل وسوريا ومصر. كما أعاد فولتير تقييم وقائع التاريخ الأوروبي في العصر القديم والوسيط، إن أرقى عصور التاريخ يتمثل في فترات أربعة، التاريخ اليوناني القديم تم الدولة الرومانية وأخيرا عصر التنوير والأخير أكثر استنارة، كما انتقد مفهوم العناية الإلهية لاستبعاده لتحديد مسار التاريخ، ذلك أن الله إما قادر على أن يزيل الشر عن العالم أو لا، أو أنه يريد الشر .

رغم جدة أبحاث فولتير في مجال الدراسات التاريخية، إلا أنه لإثبات فكرة التقدم  بقي مخلصا للفكرة التي تقوم على مركزية العقل الأوربي في مجال العلم والفكر، فهو في أبحاثه يرصد أهم المحطات التي ساهمت لبلورة فكرة التقدم ويرجعها إلى أهم الحضارات التي ظهرت عبر التاريخ (اليونانية، الرومانية، التنوير) وبهذا يستثني القبائل والشعوب والحضارات التي لم يكن لها تاريخ باسم التقدم، وهذا ما ستحاول البنيوية التاريخية فيما بعد إثباته لرد الاعتبار للمهمش في التاريخ   فرغم انتقاده لبوسويه حول استبعاده لحضارات أخرى إلا أنه سقط في نفس المشكل، فمعيار التقييم لديه هو سيادة العقل على الخرافة والجهل والأهواء والغيبيات.

من بين المفكرين الذي اهتموا بمفهوم التقدم كمفهوم أساسي ومحوري في تطور التاريخ كوندريسه حيث يعتبر أن تاريخ البشر يسير نحو التقدم ومن الأفضل إلى الأحسن. ولإثبات هذه الفكرة رصد أهم مراحل تطور الفكر البشري وتقدمه وأجملها في تسعة مراحل:

ـ المرحلة الأولى: حيث اجتمع الأفراد على هيئة عشيرة، فيما صنع الإنسان الأسلحة، وكان رؤساء العشيرة  يحددون التنظيم الاجتماعي والأخلاقي والسياسي، في هذه المرحلة تكونت لدى الإنسان مفاهيم بدائية عن الكون.

ـ المرحلة الثانية: عصر الأقوام الرعاة، حيث استأنس الإنسان بالحيوان وفي هذه المرحلة ظهرت بعض الحرف كصناعة النسيج، وعرف الإنسان طريقة المقايضة وتزايد سلطان السحرة وأصبحت لهم امتيازات.

ـ المرحلة الثالثة: عصر الزراعة واختراع الكتابة، حيث تعلق المزارعين بالأرض وخضعوا أحيانا للغزاة، فكان أن نشأ الرق وتكون النظام الإقطاعي.

المرحلة الرابعة: من التدوين إلى تقسيم العلوم، تمثل هذه المرحلة الخطوة الأولى في تقدم الفكر البشري، حيث تلقى اليونان ثرتا وسعا وفنونا عديدة ومعارف علمية ومعتقدات دينية من الشرق وأمتاز اليونان أنهم لم يكونوا من طبقة كهان تحتكر العلم كما كان حال الشرق، فنشأ الفكر الحر في هذه المرحلة، فكرة الدرة عند ديمقريطس والرياضيات عند فيتاغورس.

المرحلة الخامسة: عصر تقدم العلوم، وتبدأ هذه الفترة بأرسطو وهو لم يحصر العلوم في تصنيفه فحسب بل وطبق المنهج الفلسفي على الخطابة والشعر.

المرحلة السادسة: من انحطاط العلوم إلى بعتها، انحدر العلم وانتشر الجهل وشاع الفساد وساد حكم القوة فدمرت غزوات البرابرة حضارة الرمان بآدابها ورخائها.

المرحلة السابعة: من بعث العلوم إلى اختراع الطباعة: ثمة أربعة أسباب نبهت الفكر الإنساني وأيقظته من سباته. تسلط الكنيسة وفقدان الاحترام لرجال الدين الأمر الذي انعكس على الدين نفسه، تحرر المدن وسعي بعض الملوك إلى تأييدها ضد النبلاء، الحروب الصليبية وهذه إن كانت وليدة التعصب إلا أنها جعلت المسلمين فيها يحتكون بالعالم الشرقي وحضاراته وعلومه، نشأة الجامعات التي أصبحت مراكز للفكر.

المرحلة الثامنة: من إختراع الطباعة حتى طرح نيران السلطة التقليدية، إن ثلاثة وقائع كان لها أهميتها في هذه المرحلة، اختراع الطباعة، واحتلال المسلمين القسطنطينية، واكتشاف العالم الجديد.

المرحلة التاسعة: طهور ديكارت وجليلو وبيكون

إن ذكر هذه المراحل ليس من باب الاستعراض ووقائع وأحداث فكرية ومعرفية وفلسفية وحضارية وسياسية، وإنما من باب التأكيد على أنه هناك تطور وتقدم يحكم المعرفة التاريخية والعقل البشري، وهذا التقدم يحدث عبر مجموعة من التحولات التي تحدت داخل التاريخ. غير ما يمكن  أن يعاب كذلك على كونديرسه هو أنه في رصده لمراحل تطور مفهوم التقدم وقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه فولتير فهو أشار إلى أهم المراحل التي تؤسس لفكرة التقدم في التاريخ متناسيا أهم المراحل التي كانت في تاريخ الفكر البشري التي ساهمت بشكل أو بآخر في الانتقال إلى مرحلة التقدم رغم أنها كان يحكمها التدهور والانحطاط، فمثلا  رغم أن العصور الوسطى تنعت بعصور الظلام والجهل إلا أنها كانت في بعض مظاهرها مؤسسة لظهور العصر الحديث وخصوصا خلال المرحلة التي تم التقاء الفكر العربي الإسلامي بالفكر الأوربي.

كذلك من بين الفلاسفة الذين وفقوا على فكرة التقدم في التاريخ كانط الذي حاول أن يربط مفهوم التقدم بالعناية الإلهية ولكن في إطار عقلي، حيث تبدو كل من نظرية التقدم والعناية الإلهية متباعدتين، ترجع الأولى التقدم في مجرى التاريخ أي إلى فعل الإنسان وقدرته العقلية، وقد سادت هذه النظرة حيث ساد تمجيد الإنسان خلال العصر اليوناني والروماني وعصر النهضة تم عصر الأنوار، وترجع الثانية إلى عناية الله بالرغم من عبث الإنسان وشروره، وقد سادت هذه النظرية حيث ساد الفكر الديني. ولقد جعل كانط التلاقي بين النظرتين ممكنا  فهو من ناحية يسلم بعبث الإنسان وشره حيث تصدر أفعاله عن غرور وطمع الأمر الذي جعل الحروب أمرا لا مفر منه وأصبح السلام الدائم متعذرا، ولكن من ناحية أخرى إن هذه الحالة من عدم الاستقرار هي نفسها وسيلة الطبيعية ـ يأمل الإنسان في السلام  ولكن الطبيعة تعرف أن صالحه في عدم السلام، يرغب الإنسان في الحياة الهادئة المستقرة ولكن الطبيعة تفرض عليه أن يكد ويشقى  من أجل تقدمه الخلقي والفكري، لا تعبأ الطبيعة بسعادة الإنسان الفرد، لقد جعلته كائنا يضحي بسعادته ويحطم سعادة الآخرين ولكن هذا التحطيم أداة الطبيعة ذاتها لتحقق هدفها في الإنسان والتقدم الإنساني.

لم يكن كانط يريد كانط أن يقوم بدور الوسيط بين المؤمنين بالعناية الإلهية وبين أنصار التقدم، أو بين معتنقي مشيئة الله وبين المعتزين بحرية الإنسان، وإنما تنساق هذه النظرية التي قال بها مع سياق فلسفته.

إن المتتبع لمفهوم التقدم عبر التاريخ وهو يرصد أهم معالمه وتحولاته، لا يمكن أن يتغاضى عن جون باتيستا فيكو ودوره في إعطاء معنى مخالف لما شهده المفهوم مع مفكرين وفلاسفة عصر التنوير. لم يتغنى فيكو بفكرة التقدم بل تناولها بالبحث من خلال التاريخ الحي للأمم، وكان أعمق أصالة في تناوله لفكرة التقدم عن سابقيه، ويتمثل هذا في مبدأين، المبدأ الأول أن مفهوم التقدم عند الفلاسفة السابقين هو تقدم يسير في خط واحد في الزمان، ولمحاولة إثبات التقدم قاموا بتصنيف الشعوب بشكل عقلاني، فلم يكن لديهم إدراك للتنوع والاختلاف بين الشعوب والأحداث بل وضعوا كل شيء في خط أحادي لإثبات ضرورة التقدم نحو جنس بشري مستنير، فهذا التنوع لم يظهر في أعمال فولتير وكوندريسه وكانط، بينما تجده الأمر مختلفا عند فيكو الذي ركز على هذا التنوع، فقد بحث في التاريخ الفعلي للشعوب وكانت مدة دراسته في التاريخ الحي، ولم يتناول البشرية كوحدة واحدة بل تناول شعوبا وحضارات مختلفة، كما نجده في اللوحة التاريخية وأحداثها وأماكنها ونواحيها وتواريخها، مثل العبرانيين والكلدانيين والمصريين والإغريقيين والرومان، ولم يحصر الجنس في مبدأ الوحدة كما فعل مفكرون ومؤرخون عصر التنوير، ولم ينظر للتقدم كضرورة يفرضها تقدم العقل، تاريخ فيكو ليس تاريخا أحاديا ولا يسير في خط واحد، لأن تعدد الشعوب هو الأساس الذي قام عليه قانون التقدم والتطور عنده، والتاريخ عند فيكو يثبت لنا أن الحضارة الإنسانية لا تسير في خط مستقيم بل هناك ثغرات وعثرات تسقط فيها البشرية وهناك عصور تتدهور فيها الحضارة وتسقط تم تعود لتبدأ من جديد، فالتدهور والانحطاط مرحلة من مراحل التطور التاريخي، والعناصر العقلية التي سببت التقدم في البداية هي نفسها التي سببت التدهور.

والمبدأ الثاني الذي يوضح اختلاف مفهوم بين فيكو عن التقدم وفلاسفة التنوير هو أن التقدم هو غاية التاريخ عند هؤلاء، بحيث أصبح التقدم العلمي رمزا ونموذجا لتقييم الإنسانية وغاية التاريخ. إن فيكو كمسيحي هو يقول بالعناية الإلهية للتاريخ، وليس له رؤية محددة لعناية التاريخ، فلا يمكن أن نتدخل في معرفة الخطة الإلهية في التاريخ لان هذا يفوق العقل البشري، وهي فكرة لا يمكن البرهنة عليها ولكن لابد من أن نؤمن بها، صحيح أن العناية الإلهية تهدف  دائما إلى الخير البشري إلا أن فيكو لم يحدد هذا الخير على أنه تقدم مستمر نحو الخير، فهناك عوائق في تقدم الحضارة وهناك حروب ودمار وانهيار تتعرض له البشرية في مسار تاريخها تم تعود وتبدأ من جديد، ومن هنا يمكن أن مفهوم التقدم عند فيكو كان أعمق نظرا بطبيعة الجنس البشري التي يتخللها الصراع والتعارض.

كما أن التقدم عند فيكو إذن مرحلة متتابعة من حياة كل حضارة مستقلة، إنه تقدم يصل أحيانا إلى أعلى قمم العظمة والقوة، وفي عصر ينحدر إلى فقدان التضامن البشري واغتراب الأفراد والجماعات وتفكك النسيج الاجتماعي والضعف والتحلل والكارثة ومراحل هذا النظام تحددها العناية الإلهية.

لم تتوقف فكرة التقدم عند هذا الحد بل تناولها هيجل واعتبر أن التاريخ يسيرا سيرا تقدميا والفلسفة السابقة تنسخ السابقة عبر مفهوم الاحتواء والتجاوز، والمرحلة الأخيرة هي التعبير الأسمى لفكرة التقدم التي تتجسد في النظم والمؤسسات التي توصل لها الإنسان. كما اعتبر الماركسية أن التاريخ هو صيرورة تقدم أنماط الإنتاج المتعاقبة نحو تحقــــــيق المجتمع الإنساني { الاشتراكي} الذي هو غاية تقدم التاريخ ، ويحدث التقدم في المجتمع والتاريخ البشري نتيجـة
التناقض الجدلي في الأساس المادي {الاقتصادي} للمجتمع بين قوى الإنتاج التي تتطور باستمرار وعـــــلاقات الإنتاج التي تبقى ثابتة ،وحينما يبلغ التناقض بينهما مداه يؤدي إلى تحول جذري للمجتمع تنهار على إثره علاقات

الإنتاج القديمة ويختفي المجتمع القديم لتظهر علاقات الإنتاج الجديدة والنمط الجديد للإنتاج المتناسب مع تــطور قوى الإنتاج وهكذا يتقدم التاريخ تدريجيا وفق ضرورة تاريخية مصدرها التناقض الكامن في الأساس المــــادي

للحياة الاجتماعية ، وينعكس هـــذا التحول في البنية التحتية على البنية الفوقية التي تتكون من الأجهزة السياسية
والقضائية والتربوية،،، ومختلف أشكال الوعي الاجتماعي { أي أشكال الفكر والثقافة.

4 ـ نقد مفهوم التقدم

نقد البنوية التاريخية (كلود ليفي ستروس)

يتأسس موقف البنيوية من نقدها  لمفهوم في نقدها للتاريخ بشكل عام حيث اعتبر ليفي ستراوس أن التاريخ يثيره إلى درجة الإزعاج ، وليس ذلك فقط لأنه يدعي بأنه معرفة موضوعها البحث في الماضي البشري، وإعادة إنشاءه كما حدث ولكن لكونه أصبح المقولة الفلسفية الكبرى التي هيمنت على الفكر الغربي من القرن التاسع عشر، وبالتالي أصبحت أسطورة ،الانتقاد الأساسي الذي يتركز على موقفها أي البنيوية يمكن أن نلخصه في العبارات التالية: إن  المنهج البنيوي الذي اعتمده ليفي ستروس ونمط المعقولية الذي يضفي إليه يتأسسان على العلاقات المتأنية، فهو بالتالي يعمل على إقصاء مفهوم الزمان  أو إلغائه تماما وينقص من قيمة التاريخ، ويرجع التطور والتقدم إلى مجرد إحساس ذاتي بالاستمرارية والتعاقب، يستشعره أفراد يقعون فريسة لوهم الاتصال التاريخي ولميتولوجيا الماضي.

ما سعى إليه ليفي ستروس إلى إبرازه هو أن المعرفة التاريخية، أصبحت في عصرنا تستجيب لمطالب الفكر النضالي والإيديولوجي، أكثر مما تستجيب لمطالب ومتطلبات المعرفة العلمية: “إن الفكر المناضل غالبا ما يسرف في الإشادة بالتاريخ لأنه يظل دائما واعدا بآمال التحرر والتغير، كما أن ذلك الفكر يتطلع إلى أن يكشف له التاريخ بأن هناك بالفعل تقدما للبشر والعلم والعقلانية، وأن هناك معنى إنسانيا لمسيرة التاريخ، وهذه الأفكار هي بالذات ما ينفيه ليفي ستروس  ويعتبره محض أوهام، فالمعنى الذي يضفيه البشر على الأحداث التاريخية ليس في نظره سوى “أسطورة”

تصدر عن هذه الأطروحة نتائج أخرى في سياق رفض التاريخ، ويعلق مفهوم التطور، وربما كان أبرزها إبطال فكرة التقدم سواء على المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو على المستوى العقلي، إن ما رفضه ليفي ستروس هو أن تنظم المجتمعات البشرية، وترتب في سلم واحد للتقدم. بحيث يحتل كل مجتمع فيه درجة مخصصة له أمامه أو خلف مجتمع أخر، بالنسبة إليه ليس هناك نظام كوني للتقدم، كما أنه ليس هناك معنى واتجاه لتقدم.

إن ما يريد تأكيده  ليفي ستروس هو ثبات هوية العقل البشري، هو أن المجتمعات البشرية في اختياراتها تتعادل ولا يمكن المفاضلة فيما بينها، وبأن العقلية التاريخية واللاتاريخية، تتعدلان وهما معا حالتان نسبيتان صادرتان عن النموذج اللاتاريخي نفسه، وأن بالإمكان اكتشاف تطابق بين المنطق الذي يحكم الفكر الأسطوري والمنطق الذي يحكم الفكر العلمي، إذ هما لا يمثلان مرحلتين غير متساويتين من تطور الفكر البشري، بل إنهما متعادلان، إن ما يريد ستروس تأكيده باسم البنيوية هو أن العقل ثابت ولا يتقدم أو يتطور وليس له تاريخ وأنه “هناك” دائما وسيظل على حالة الدوام.

يرفض ليفي ستروس بالفعل كل تفسير تكوني تطوري للعقل البشري، كل تفسير يتأسس على ـ ضمنا أو صراحة على فرضية أن هذا العقل يتقدم وينمو تدريجيا عبر التاريخ، إنه يؤكد أن العقل البشري باعتباره أساسا بنية صورية وعلائقية لا شعورية لا ينمو ولا يتطور، وهو يحافظ على هويته باستمرار ويؤثر في كل العصور بالكيفية نفسها.

وفضلا عما تقدم، فإن تشكيك ليفي ستروس  في واقعية التطور التاريخي، وفي فكرة التقدم البشري على المستوى العقلي والاجتماعي، يعتمد تبرير آخر على حجة أخرى يمكن وصفها بأنها حجة أخلاقية فإذا سلمنا بفكرة التطور والتقدم، فإن فكر “البدائي” “الأسطوري” و”المتوحش” سيصنف في مرحلة غابرة وسحيقة من تاريخ البشرية تجاوزتها الآن تماما، أي أنه سينسب إلى طفولة البشرية الضاربة في القدم، وفي هذا لم تكون لهذا الفكر أية أهمية بالنسبة لما حققه الفكر العقلاني والعلمي، من إنجازات كبرى وقد يسهل الانزلاق في هذه الحالة إلى تبني موقف يحتقر الشعوب والمجتمعات البشرية التي لا يزال هذا نماط من التفكير سائدا فيها (نظرة الغرب المتقدم للشرق، تجدر هنا الإشارة إلى أمريكا في علاقتها بالهنود الحمر، وكذلك الحرب التي قدتها أمريكا ضد العراق، فهنا تصبح فكرة التقدم دريعة من أجل احتقار الشعوب التي لم تشهد تحولات كبرى على المستوى التاريخي).