تبدو قصائد الشاعر التركي ( أورهان والي ) التي ترجمها ( عبد المقصود عبد الكريم ) وصدرت مؤخرا عن سلسلة ( آفاق عالمية ) بعنوان ( أنا أورهان والي ) تبدو وكأنها محاولة جمالية للإجابة على السؤال التالي : كيف يمكن أن يكون الشعر طريقة لنفي التناقض أو الازدواجية بين تعلق الإنسان بالتفاصيل الحسية لعالمه الشخصي وتوحده بها وبين استيعابه لغموض ولاجدوى ما وراء هذه التفاصيل ؟

( أنا أورهان والي

المؤلف الشهير لقصيدة

” سليمان أفندي ، ربما يستريح في سلام “

سمعت أنك شغوف

بحياتي الخاصة

أقول لك :

في البدء ، أنا إنسان ، أي ،

لست حيوانا في سيرك أو ماشابه

لي أنف ، ولي أذن

إلا أنهما ليسا جميلين

لي بيت ،

ووظيفة .

لا على رأسي سحابة

ولا على ظهري شارة نبي )

الهوية التي يصدّرها ( أورهان والي ) إلى العالم بقصد التعريف بذاته كحقيقة محتملة لا تشكلها رموز ذهنية أو تصورات متخيلة تنتمي لعالم بديل بل تنسج ملامح هذه الهوية أشياء عادية للغاية ومشبعة لأقصى درجة بواقعيتها المباشرة الملموسة والمشحونة بالطاقة الحميمية لبساطة حضورها : ( اسمه ” أورهان والي ” .. إنسان .. له أنف .. أذن .. بيت .. وظيفة ) .. لا يريد إذن سوى هذه التحديدات المجردة البديهية جدا كي يقدم نفسه من خلالها دون حاجة لميزة كونية خارقة أو صفة استثنائية من الغيب ( لا على رأسي سحابة / ولا على ظهري شارة نبي ) .. إصرار مدعوم بالإيمان يبدو على نحو واضح أقرب إلى الاحتفال الرومانسي المتخلص من المبالغات التقليدية بالخصوصية المهملة والمنسية للعزلة والضائعة وسط الفوضى المعقدة والعمياء لتاريخ الوجود .

( أُقتاي رفعت ومليح جودت

أفضل أصدقائي ،

لي عشيقة ،

مهذبة للغاية .

باسمها لا أبوح ، لا يمكنني

ليعثر عليه النقاد

أهتم أيضا ، ببعض التوافه ،

فقط بين الخطط ،

كيف لي أن أقول

ربما لي ألف عادة أخرى

لكن لا أهمية لذكرها

تشبه ، تماما ، ما ذكرت )

يجدر الآن العودة إلى السؤال عن الكيفية التي يمكن للشعر بها أن ينفي التناقض بين التوحد مع التفاصيل الحسية للعالم الشخصي وبين استيعاب الغموض .. كشف لنا ( أورهان والي ) عن إيمانه بالأشياء العادية والبسيطة كي يخلق طريقا يقود إلى الجوهر الذي يريد اختباره ولكنه في نفس الوقت لا يتورط في الإيمان بجدوى التعلق بهذه التفاصيل التي شكلت هويته ( ربما لي ألف عادة أخرى / لكن لا أهمية لذكرها / تشبه ، تماما ، ما ذكرت ) .. ما لم يُذكر يتساوى ـ في عدم الأهمية ـ مع ما تم ذكره فعلا وبناء على هذا فكافة الأشياء العادية السابقة والتي تم الاحتفاء بها كمفردات تعريف للذات لم تكن مهمة بشكل أو بآخر  .. هو يتبناها ويتمسك بها ولكنه لا يعترف بأهمية ما يمكن أن يسفر عنه هذا التبني أو التمسك .. كيف لا تكون هذه إزدواجية بشكل ما ؟ .. عند ( أورهان والي ) لا يعني التعلق والتوحد بالتفاصيل الحسية الاستسلام لليقين بقدرتها على منح الفهم أو النجاة أو السعادة الكاملة وإنما يعني الإيمان بقدرتها على تعرية البلادة والقسوة واللامنطق كمكونات لفضاء معتم هائل لا حدود لشساعته يحيط بهذه الأشياء ويتسبب في إيجادها وحدوثها واستمراريتها وفقا لمشيئته .. الشعر بحسب ( أورهان والي ) وسيلة لتبرير الثقة في الظواهر الواقعية البسيطة بصفتها أكثر ما لديه إمكانية توطيد الصلة بين الذات وبين الأسرار الماورائية وليس بين الذات وبين التحرر التام والمطلق من الخضوع لسيطرة المكان والزمن .

تعتبر قصيدة ( انتحار) من أجمل القصائد التي تتحقق فيها هذه العلاقة بين تتبع التفاصيل الحسية وتأمل الغموض الذي يكمن وراءها :

( لابد أن أموت في صمت .

لابد من نقطة دم على زاوية الفم

يقول

من يجهلني

” لاشك أنه أحب “

ومن يعرفني

” الموت أفضل . عانى كثيرا هذا المسكين “

ولابد أن السبب الحقيقي لا هذا ولا ذاك )

أحد المظاهر الطبيعية للموت ( لابد من نقطة دم على زاوية الفم ) .. لابد منها كي يظل الموت محتفظا بعاديته المقصودة في هذا التناول الذي يكرّس له ( أورهان والي )  .. ( الموت في صمت ) تعيدني إلى جملة سابقة كتبتها عن الخصوصية المهملة والمنسية للعزلة التي يتم الاحتفال بها والتي هي ( عزلة الموت ) في هذه القصيدة تحديدا ، أما عن شركاء الحياة الذين يغلفون الموت بالحكمة المطلوبة فهم يحققون الغرض من وجودهم الواقعي والملموس بأن ينتج كل منهم تصوره الخاص عن سبب الموت وفضائله الباطنية كي تثبت كل هذه التصورات إخفاقها وتفضح في المقابل غياب المعرفة الجازمة عن السبب الحقيقي للموت وعلى نحو أعمق سبب الميتات المتواصلة والمتعددة في الحياة التي سبقته ومهدت له هذه النهاية  .. غياب المعرفة عن سبب الوجود بكافة تجاربه وخبراته التي أدت إلى انتحار كائن ما .

بشكل عام أعتبر ( عين الطفل ) تكنيكا أكثر مراوغة وصعوبة مما يمكن لكثير من الذين يستخدمونه تصوره .. أظن أن الالتباس يكمن في ضرورة تجاوز هذا التكنيك لحدود الرصد البريء ( ظاهريا ) للعالم إلى الهدم ـ البريء بالتبعية ـ للمنطق الذي تقوم على أساسه الأشياء والعلاقات والأحداث التي ترعاها المسارات الأزلية للحياة .. الهدم البريء يقتضي حساسية خاصة قادرة على خلق توافق جمالي بين وضع كافة اليقينيات الممكنة في النطاق المباشر لعلامات الاستفهام ودوائر الشك وبين استمرار كفاءة نسف الثوابت في تحفيز استثنائيتها ليس بواسطة عدم قناعتها بأي إجابة وإنما بدرجة أكبر ربما بسخريتها الضمنية ـ الطفولية بالطبع ـ من كل الإجابات السائدة وهو ما يضمن للشاعر أن تظل تساؤلاته في حالة توهج متواصل .. إذن ( عين الطفل ) هي في المقام الأول وعي بالعالم وشكل من أشكال الأرق والانشغال به اقتضى بالتالي أن يتحول إلى ممارسة كتابة ولكن لعل أكثر ما يميزه شيوعا في تصوري على المستوى الشكلي هو تحرره ـ وهذا ما أراه بديهيا جدا ـ من شروط البلاغة وتجفيف اللغة لأقصى درجة من المجاز اعتمادا في المقابل على البلاغة المضادة التي يثيرها العادي والملموس والبسيط .. بلاغة التوتر المتعدد المستويات للحالة نفسها بأبعادها الذهنية والشعورية وتأثيراتها الممتدة والمتوالدة حيث الرهان الحقيقي والأصعب لهذا الشكل .. بعين الطفل كتب ( أورهان والي ) مجموعة كبيرة من القصائد والتي يتحقق فيها هذا الهوس بالرصد البريء والهدم البريء أيضا لمنطق ما يتم رصده ولعل أجمل هذه القصائد :

( تاجر الطيور

لدينا طائر

وشجرة

أعطني

سحابة بمليم )

هذه هي القصيدة كلها وعنوانها ( طائر وسحابة ) وإذا جاز لي القول بأنها رائعة لدرجة الإذهال فبالضرورة يجدر بي أيضا التأكيد على كونها نموذجا مثاليا للتفكير فيما يجب أن يحققه فعلا هذا التكنيك : ( تاجر طيور ـ طائر ـ سحابة ـ مليم ) هذا عن عناصر المشهد المرصود ببراءة ظاهرية أما عن الهدم البريء للمنطق فهل هناك أكثر براءة وألما وسخرية من ( أعطني سحابة بمليم ) ؟ .. ( أورهان والي ) يترك لنا هذه الأسئلة ولا ينتظر منا الإجابة أو يريد لكل واحد منا أن ينتزع إجاباته الخاصة وبدقة أكثر تساؤلاته الغير منتهية : لماذا لم يمتلك كل منا سحابته ؟ .. لماذا لا تباع السحب بالثمن الذي يجعلها متاحة للجميع ؟ .. لماذا حُرمنا القدرة على الطيران إلى السحب ؟ .. ما هي الحكمة التي تبرر أن تُشّكل الطبيعة وفقا لرغبة غير عادلة لا تعطي لكل كائن السحابة التي يريدها ؟ .. هل هي سحابة حقا أم في حقيقتها أمنية ما بعيدة ومتمنعة وصعبة المنال كسحابة ؟ .. ألا يمكن أن يكون ثمة عالم صغير مخبوء في حديقة طفل أو في كراسة رسمه وينقصه سحابة حقا ؟ .. ماذا لو كانت السحابة أصلا في قلبه ويريد أن يمتلك ما يشبهها بين يديه ؟ … هذه نقاط ضئيلة من طوفان فجره نص قصير جدا ومكثف بحرفية غير عادية وبسيط كمعجزة تلقائية لا نحتاج معها للتحدث عن إلى أي مدى يمكن أن يكون إخراج اللسان للغة ممتعا وساحرا وحادا بدهاء مدهش .

بالعودة إلى الالتباس الخاص بـ ( عين الطفل ) والذي أرجعت سببه في كثير من الأحيان إلى عدم تجاوز حدود الرصد البريء إلى هدم المنطق التقليدي المحرّك لما يتم رصده .. المنطق الذي يعطي الشرعية اللازمة لحدوث الحياة والموت كسلطة استباقية وليس كحق مبرر إنسانيا .. يبدو ( أورهان والي ) في كثير من القصائد الأخرى واقفا عند حواجز الرصد دون أن يمرر أفكاره ومشاعره إلى النطاق المباشر لعلامات الاستفهام ودوائر الشك كإجراء ضروري يتطلبه نسف الثوابت وعدم الرضوخ لأي إجابة والسخرية الضمنية من كل الإجابات السائدة كي يضمن الشاعر أن تظل تساؤلاته في حالة توهج دائم كما سبق وأشرت .. بدا لي ( أورهان والي ) للوهلة الأولى وكأنه اختار عمدا الوقوف عند حدود الرصد رهانا على ( اللاشعرية ) في حد ذاتها دون الطمع في مكاسب أخرى .. لماذا لا يكون الرهان أيضا على ( شعرية اللامعنى ) باعتبارها إنجازا مرضيا للغاية بالنسبة له يتسق مع طبيعته الراديكالية التي تحدث عنها المترجم في مقدمة الكتاب والتي يمكننا معها أن نستوعب تطور ثورته من التمرد على اللغة إلى التمرد على الشعر نفسه ؟

( ينظر أمامه طول الوقت

لا يدخن

إنه

مدهش )

…………..

” قصيدة سائق الترام “

( ارتفع القمر

وراء البيت عبر الشارع

بدأ ضجيج الشارع

الهواء بارد

من بعيد تأتي رائحة البحر

أنا خبير بالمشاهد الطبيعية )

…………………

” قصيدة مشاهد طبيعية “

( كم هو جميل لون الشاي

في الصباح

في الهواء المنعش

كم هو جميل

الهواء المنعش

كم هو جميل الولد الصغير

كم هو جميل الشاي )

……………….

” قصيدة كم هو جميل “

هذه القصائد أراها صالحة لتمثيل ما اعتبره وقوفا عند حدود الرصد دون منح هذا الرصد أسئلته وشكوكه الضرورية ولكنني على جانب آخر يجب أن أعطي لـ ( أورهان والي ) الاحتمال الجمالي الآخر الذي يستحقه على كل حال وهو أن قصائد كهذه تتجاوز الثورة على ( الشعرية ) و( المعنى ) إلى الثورة على ( التلقي ) .. هل كان ( أورهان والي ) يقصد هذا حقا ؟ .. ممكن بالطبع وهو ما يؤدي بنا لمقارنة أراها ضرورية بين شعر ( أورهان والي ) وبين كثير من شعر السرياليين مثلا ـ ثورة ” والي ” أراها مضادة للثورة السريالية وأكثر خطرا وجمالا في نفس الوقت ـ هذا ما يؤدي بنا أيضا للتفكير في أن الثورة على التلقي لا تعني بالضرورة الثورة على الشعرية في حد ذاتها أو المعنى في حد ذاته بل أعتقد أن الثورة على التلقي تتطلب في جانب من فلسفتها إيمانا كاملا بالشعرية وبالمعنى ولكن بما لا يضع لإبداع المتلقي حدا أو لتفاعله وابتكاره وتأثيره داخل النص نهاية .. هذه القصائد تؤمن بالشاعر الذي يجب على التلقي أن يخلقه داخل القاريء وعلى المعنى الذي قد يبدو بشكل أو بآخر أن المشاهد والصور العادية جدا لهذه القصائد تفتقده ولكنها تشير في نفس الوقت إلى موضعه بطريقتها الخاصة داخل وجدانك طمعا في الكشف عنه .

* * *

أخبار الأدب

10 يناير 2010