كان من المتوقع لمستقبل البلد في أذهاننا ان تكون صورته ابهى وأجمل من الواقع بكثير .. وربما توقع البعض ألاسوأ ، ولكن لم نكن على دراية بان ينحصر القلم والفكر بأيدي الجهلة والنصابين والمتسلقين الجدد .

حقيقة الامر المفجع هو عندما تفكر في أن يكون الأدب والكلمة بأيدي الطارئين والرجعيين ، والأكثر خوفا ، هو ان تراه أمامك وتخشى او لا تبالي بنقده او تغييره ، كل هذا جاء من الفراغ الذي خلفه الاحتلال ومن جاء على الدبابة الأمريكية ، حيث أعطوا لكل شيء طابعه وعطفه على المناصب المجانية الاخرى او ما يعرف بالصعود السريع ، وبات المتسلقون يتملقون ويسجدون تحت أقدامهم لأجل المنصب وتحقيق الغايات الغير نزيهة ، والتي لا تصب إلا في خانة المصالح الشخصية .

وأصبح الأمر واقعا وكانت أرادة هؤلاء الجهلة في السيطرة على كل شيء ينبض بالحياة في البلد وتحويله بصيغة دينية وطائفية ورجعية ، حتى وصلوا إلى الفكر والأدب والفن ، الذي بات مهددا منذ لحظة أن تكلم الأديب والفنان العراقي حتى قبل المرجعيات الدينية والسياسية ، وقال ؟؟ أن هذا احتلال ، فبات الأمر خطير منذ تلك اللحظة ، وصار أمر الثقافة في العراق شبه المحسوم بتحويله إما تبعية سياسية دينية ، او دينية طائفية ، وبالتالي محو الفكر من الأدمغة التي تحمله ، حيث ثقافة التهجين كما يحدث في دول كالسعودية وإيران ، وكانت أمريكا من خلال إذنابها في البلد سريعي الخطوات في تصدير ثقافة الرعب للكلمة والفكر والحضارة ، وكانت النتائج كارثية .

فقبل عدة أيام قدم لي صديق في محافظة البصرة دعوة للحضور والاستمتاع بأجواء المدينة التي كانت حاضنة وعلى مر التاريخ للشعر والأدب والثقافات المختلفة التي مرت بها المدينة ، وانا بدوري لبيت الدعوة ، وبعد وصولي المدينة وأثناء تنزهي في شارع يدعى الجزائر ، ظل يكلمني عن الوضع الاقتصادي والسياسي والثقافي للمدينة ، وتطرق لموضوع الصحفيين والأدباء في المدينة ، ولا اخفي عنكم فهو صحفي معروف ، فقلت له يا سيدي ( بعد شتريد وزعولكم قطع أراضي ) ، فضحك ضحكة طويلة بعد ان نظر إلي مباشرة قائلا ، ( أنت مخبل ينطوني ) ، فقلت له لماذا ؟؟ لا يعطوك ، أجابني بأننا في العراق وليس في أوربا ، وأنا لم احصل على هوية النقابة حتى اللحظة ، ففي الحقيقة ان نقيب صحفيي البصرة ، وهو شخص كان يعمل مفوض شرطة في مكافحة أجرام العشار ، ولا يمت للصحافة بصلة بتاتا ، ولا يستطيع ان يكتب كلمة استفهامية واحدة ، فتعجبت من أمره وقلت له وكيف وصل مثل هذا الشخص ، لمثل هكذا مكان مهم في عصب التوجه الإعلامي للبلد ، أجابني قائلا ، انه جاء بتوصية من حزب (…؟) في العراق واتفقت عليه عدة أحزاب اسلامية حينها ، وكأن الصحافة في المدينة والعراق هي تبعية سياسية دينية ، وبات الأمر واقع بعد تثبيته من قبل الرئيس السابق للنقابة السيد التميمي رحمه الله ، وجاء خلفه حيث كان وضعه هو غير طبيعي في الدخول لهذا المجال واقصد ( اللامي ) ، الذي أحب ان اذكر لكم طرفة حقيقية عنه ، حيث في احد الأيام تعطلت سيارتي في بغداد ، فذهبت الى كراج للتصليح ،فأخبرته عن العطل اي ( الفيتر ) ، وبعدها رن هاتفي وأجبت الاتصال وكلمت احد الأصدقاء بخصوص الصحافة ، حينها فاجأني بالقول أنت صحفي فقلت له كلا ولكن اعرف بعض الأشخاص بهذا المجال ، فقال لي انا صحفي وابرز لي هوية النقابة التي لم يحصل عليها صديقي في البصرة وغيره من الصحفيين المعروفين في المدينة المبدعة ، ولم يحظ بقطعة ارض أو أن تشمله مكرمة المالكي للصحافة والأدباء التي وزعت على أشخاص ليس لهم علاقة لا بالأدب ولا بالصحافة ولا بالإعلام ، ولا بالقراءة والكتابة ، فضحكت ولليوم أنا اضحك عندما أتخيل الأخ اللامي وهو يختم ويوقع على هوية نقابية لشخص كان يجب أن ينتمي إلى نقابة ( الفيترية ) إن وجدت ، وليس الى مقام  رفيع كنقابة الصحفيين … أنا اعتقد أن على اللامي وحيدر المنصوري أن يستحوا ويقدموا استقالتهم لو كان فيهم قطرة دماء ، لأنه من العيب والخجل ان أضع نفسي في مكان وانا أعرف ان الجميع ( يتهامس ) في حديثه المضحك عني ، وانا أقف بين هذه الناس كالأبله .

اذن لا باس ان يتدارك اللامي هذه المهزلة وياتي الى البصرة ليسأل عن ركائز الصحافة ويتحرى بنفسه عن هذه الاسماء المنسية ؟؟ او التي يتناساها الاخرون .

فكيف ؟؟ يمكن لنا ان نعيش حياة طبيعية بعد الذي رايته في هذا البلد المسكين ، والشعب السكران .