هكذا يقول المثل، من لذعة الشوربة ننفخ في الزبادي. الإنسان لا شك محصّلة لمجموعة من الخبرات والتجارب. الإنسان ليس أبدا نتيجة للدراسة أو التعليم أو التلقين. الإنسان بالتأكيد، عصارة لفكر ونتاج مجتمعي لحضارة متراكمة. لا شك أنه لمجموعة المؤثرات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية دور في تغيير بعض الظواهر البشرية، لكن يتبق الإنسان حصيلة لخلاصة من الحضارة بكافة مؤثراتها.

أسوق هذه المقدمة في محاولة لتفسير ظاهرة من التوجه الديني في الإنتخابات العربية. فما بين انتخابات أدّت لفوز جماعات ظاهرها إسلامي في تونس والمغرب وفي مصر إلى حد إنتخاب جماعات سلفية متطرفة في مصر، وربما في طريقها لتحقيق وجود ما في سوريا وربما في اليمن وفي الأردن، يقف الإنسان مشدوها مما يحدث، ويجعله يتساءل أين نحن من الحضارة الإنسانية. هل التدين ( وبغض النظر عن الدين ) فعلا هو مصير حتمي للإنسان!

في تجربة عملية وحقيقية في أكثر من دولة، كما حدث في الجزائر وفي العراق، فإن الواقع يثبت أن التوجه إلى التدين ما هو إلا رفض لواقع ما، ليس هو أكثر من ثورة على واقع سياسي أو اقتصادي، لكنه في النهاية ليس قرارا مصيريا، ولا نهاية حتمية للمجتمع. لقد اعتقدت هذه المجتمعات في لحظات ما أنها يجب أن تتوجه نحو الأحزاب الدينية، لكنها سرعان ما أيقنت خطأ قرارها وفداحة ما اقترفت بدعوى الديموقراطية. لذلك فقد تراجع وجودها وفشلت في اكتساب مزيد من الأصوات مع أنها ملكت الوسيلة في شكل من الأشكال. من حق أي فرد في المجتمع أن يؤمن بأي عقيدة أو دين لكنه أبدا لا يملك أن يفرض عقيدته على باقي مكونات المجتمع. لقد أثبتت الحضارات على تعاقبها أن التدين ما هو إلا ظاهرة، تنتهي بتغير المؤثر.

كثير منا عاصر وعايش شكلا من أشكال الإختلاف في المجتمعات ما بين الحاضر وماض قريب. حفلات أم كلثوم على سبيل المثال لم يكن تظهر فيها سيدة واحدة تغطي شعرها. كان من الطبيعي جدا في غالبية القرى وفي مختلف الدول العربية أن تسير السيدات بلباس عادي دون نقاب أو حتى حجاب. كانت النساء تمارس دورا أكثر طبيعية سواء في الحقل أو في السوق وفي المجتمع ككل. حتى التعايش ما بين أهل القرى كان أكثر إنسجاما وتآلفا على اختلاف الدين أو المشارب. كانت الناس تتعامل والدين بشكل أكثر تقبل للآخر مهما كان دينه أو عقيدته.

ما سبق يقول أننا وإن واجهنا سيلا جارفا من الأحزاب الدينية في مختلف الدول، فإن ذلك ليس مدعاة لأن نرفض الديموقراطية أو نعتقد أننا يجب أن نتخلى عن مبادءنا ومثلنا. يجب أن نتيح المجال للأحزاب الدينية أن تثبت فشلها في قيادة المجتمع لأن طبيعة المجتمع في نحوه نحو المثالية ونحو الأفضل سيرفض سيطرتها وقيادتها له. الدين يبقى خيارا فرديا من حق أي كان أن يقتنع به ويمارسه، لكن ليس له الحق كأحزاب سياسية ومجتمعية أن تفرض فكرها وممارساتها على المجتمع.

يقول المثل أيضا أن الذي يخاف الثعبان، يخاف من الحبل، فبعد أن تتسلم الأحزاب الدينية السلطات التنفيذية، سيدرك الناس عظيم خطأهم وورطتهم. وكما علمتنا الأيام أن الطفل يبقى لا يهاب النار ولا يقتنع بتنبيهاتنا بأن لا يقرب الأسطح الساخنة حتى تلسعه، فإذا لسعته لا يقربها أبدا لأنه يدرك أذاها عليه.

[email protected]