جماعة الأمه القبطيه :

من بعد البابا كيرلس الخامس توالى الجلوس على الكرسى البطريركى ثلاثه من البطاركه بالمخالفه لقانون الكنيسه حيث كانوا جميعاً من الأساقفه و المطارنه المرسومين على إبروشيات و هذا لا تجيزه قوانين الكنيسه و لكنه حدث نتيجة تدخل الدوله و تدخل بعض العلمانيين ( الشعب ) لصالح مرشح ضد آخر و طمع بعض الأساقفه و المطارنه فى المنصب و أدى هذا إلى إنحدار فى النهضه القبطيه التى حدثت منذ عهد البابا كيرلس الرابع

كان ثالث هؤلاء البطاركه البابا يوساب الثانى ( 1946 – 1956 ) الذى ترك أمور الأقباط و شئون البطريركيه لسكرتيره الخاص ” ملك جرجس ” يفعل ما يشاء و قد أساء للأقباط و للكنيسه بشده مما ساعد فى زيادة الغضب القبطى

فى 4 يناير 1952 م حرق بعض المتطرفين ( يقال بحسب المصادر الكنسيه أنهم تابعين لجماعة الإخوان المسلمين ) حرقوا مجموعه من الأقباط فى السويس و طافوا بهم محترقين فى الشوارع ثم ألقوهم فى الكنيسه و أشعلوا النار فيها و قبلها بأيام قليلة أحرقوا كنيسه فى الزقازيق وبعد هذين الحادثين ذهب رئيس الوزراء لمعانقة البابا و هكذا فعل شيخ الأزهر .. و بالطبع هذه الطريقه المبتذله فى علاج المشكله زادت الأقباط إحتقاناً من الدوله و القيادات الكنسيه معاً

فى يوليو 1952م أطاح إنقلاباً من بعض العسكريين بالملك فاروق و هو ما سُمى فيما بعد بثورة يوليو و كانت الثوره فى سنواتها الأولى على إتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين و إتضح للأقباط أن الإخوان المسلمين مساهمين فى هذه الثوره .. كما أنهم لم يجدوا من بين نجوم هذه الثوره شخصاً قبطياً !!

يبدو أنه من خلال هذه الأحداث أن غضب بعض الأقباط من حال قيادتهم الكنيسه إمتزج  بإعجاب بقوة الإخوان و تنظيمهم و غضب مما فعلوه فى أقباط السويس مضافاً إلى إعجاب بقادة الثوره الشباب .. هذا المزيج فى نفوس الشباب القبطى كان المحرك لحركه مدنيه قبطيه سُميت بـ ” جماعة الأمه القبطيه ” تأسست فى 11 سبتمبر 1952 م

تزعم هذه الجماعه شاب فى الـ 19 من عمره يدعى إبراهيم فهمى هلال وكان شعارها ” الله ملكنا . مصر بلدنا . الإنجيل شريعتنا . الصليب رايتنا . القبطيه لغتنا . الشهاده لأجل المسيح غايتنا “ وواضح الشبه الكبير بينه و بين شعار الإخوان المسلمين ” الله غايتنا . الرسول قدوتنا . القرآن دستورنا . الجهاد سبيلنا . الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا ” كما كان الهتاف هو ” المجد لله . مبارك شعب مصر “ على غرار هتاف الإخوان ” الله أكبر ولله الحمد ” و الغريب أن هذه الجماعه كان حفل تأسيسها فى فناء مدرسة جمعية التوفيق القبطيه ( الجمعيه التى أسستها حركة المجلس الملى ) و قد حضر حفل الإفتتاح مطران أخميم و سكرتير البابا يوساب الثانى و حوالى 1000 شخص و إستمرت هذه الجماعه حوالى عام و نصف وصل أعضائها فيهم إلى 92 ألف عضو

و بحسب اللائحه التأسيسيه لها كانت تنص الماده الخامسه من هذه اللائحه على أن هدف الجماعه هو ”  أصلاح شئون الكنيسة القبطية . تقديم المساعدة للمحتاجين . نشر تعاليم الكتاب المقدس والتمسك بجميع أحكامه . تعليم اللغة القبطية وتاريخ الكنيسة وإحلالها محل اللغات الأخرى .التمسك بعادات وتقاليد الأمة القبطية . توجية الشباب القبطى وجهه صالحة فى حياته والإهتمام بالنواحى الروحية والعلمية والرياضية”

الصراع مع الدوله و الكنيسه

هذه الجماعه أخذت شرعيتها من دعم الشعب القبطى لها و من دعم القيادات الكنسيه لها أيضاً و إصطدمت بالدوله عند وضع دستور 54 فأصدرت مذكره يقال أنها كانت بطلب من البابا يوساب الثانى نفسه و الذى تبرع بمبلغ مالى لطباعة هذه المذكره و تم توزيع حوالى ربع مليون نسخه منها و كانت هذه المذكره القانونيه ترفض الماده التى تقول أن دين الدوله هو الإسلام و ترى أنه يجب عدم إشتراط  دين بعينه للدوله كما أنها رفضت الإقتراحات المقدمه لتطبيق الشريعه الإسلاميه و إقتراحاً بأن ينص الدستور على أن دين الرئيس هو الإسلام كما إنتقدت إضطهاد الأقباط فى الإعلام و حرمانهم من بعض الوظائف و المناصب فى الدوله .. كانت هذه المذكره بتاريخ أول سبتمبر 1953م و تم توزيعها فى الإحتفال السنوى الأول بتأسيس الجماعه

و يعتقد مؤسس الجماعه فى حوار له بالمصرى اليوم أن سبب حل الجماعه كان مذكرة الدستور

أما صراعها مع الكنيسه فلم يكن مسألة مبدأ فلم تكن لهم مشكله مع سلطات البطريرك كما حدث مع حركة المجلس الملى بل على العكس كانت علاقتهم بالبابا يوساب الثانى وثيقه إلا أنهم كباقى الأقباط و بصفتهم معبرين عن قطاع كبير من الشعب القبطى أغضبتهم تصرفات البابا يوساب الثانى و خاصة تأثير سكرتيره الخاص ” ملك ” عليه بل أن هذا الغضب من البابا كان أيضاً منتشراً بين نفوس الكثيرين من القيادات الكنسيه و بعض الروايات تؤكد أنهم كان لهم دور فى عزل البابا و كانوا على إتصال بجماعة الأمه القبطيه

فى الحادية عشر مساءاً 24 يوليو 1954 م و بعد الإحتفال السنوى الثانى بعيد الثوره بيوم واحد قامت مجموعه من جماعة الأمه القبطيه بإقتحام البطريركيه ثم مخدع البابا يوساب الثانى و أجبروه على إمضاء تنازل عن البطريركيه ( لاحظ مدى تأثرهم بالثوره ) و يدعو المجمع المقدس لإختيار بديل له ثم إقتادوه فى سياره إلى دير مارجرجس للراهبات بمصر القديمه حيث تحفظوا عليه هناك و إعتصموا فى الدار البطريركيه فبعثت لهم الدوله بوزير لمخاطبتهم فطلبوا من الوزير أن يتكلم مع المجمع المقدس فرفض و عاد إلى عبد الناصر قائلاً ” إنهم يرفضون الخروج من الكنيسه ” فأعطى أوامره للجيش و الشرطه بالهجوم على الكنيسه و القبض على أعضاء جماعة الأمه القبطيه و تم تقديم أعضاء هذه الجماعه إلى محاكمه عسكريه و صدر قرار بحل الجماعه رسمياً

إجتمع المجمع المقدس فى 25 سبتمبر 1954م  و إتخذوا مجموعه من القرارات :

1- مطالبة البطريرك بالتنازل عن القضية المرفوعة الآن أمام المحاكم العسكرية العليا والصفح عن جميع المتهمين كتابة

2-  إبعاد حاشية غبطة البطريرك وخادمه (ملك جرجس) الذين كانوا سبباً فى الإساءة إلى كرامة الكنيسة

3- تشكيل هيئة من ثلاثة من حضرات الآباء المطارنة لمعاونة غبطة البطريرك فى تدبير شئون الكنيسة

4- تبليغ هذه القرارات لغبطة البابا البطريرك والجهات الرسمية .

و بعض مماطله قبل البابا هذه القرارات فى 7 أكتوبر 1954 م

و صدر قرار الإتهام على أعضاء جماعة الأمه القبطيه فى 4 يناير بتطبيق أقصى عقوبه إلا أن المجمع المقدس أعلن الحداد يوم 7 يناير فى عيد الميلاد مما ساهم فى الإفراج عنهم وكان إبراهيم فهمى هلال هو أخر المفرج عنهم يوم 12 فبراير 1955م  و بعدها وعندما أصدرت الدوله القانون رقم 460 و 461 لسنة 1955 م الذى ألغى المجالس المليه  و ألغت المحاكم الشرعيه و ظهرت بوادر لنية الدوله تطبيق الشريعه الإسلاميه  دعت جماعة الأمه القبطيه المحظوره ” المنحله ” أنصارها لمظاهره كبيره تبدأ من الدار البطريركيه فى كلوت بك و حتى مجلس الوزراء فتم القبض على أعضاء الجماعه و زعيمها فى 3 نوفمبر 1955 م و فى هذه المره تم التنكيل بهم داخل السجون الناصريه ليختتموا بهذه النهايه فصلاً مهماً فى تاريخ الحركات المدنيه القبطيه .

و بنهاية عهد البابا يوساب الثانى أصبح البابا هو الممثل الوحيد للأقباط أمام الدوله فى عهدى البابا كيرلس السادس و البابا شنوده الثالث ( 1959 – حتى الآن ).

فى النهايه تبقى الأسئله :::::::: هل طرفى المعادله الحاليه ” الدوله و الكنيسه ” يرغبان فى وجود طرف ثالث فى هذه العلاقه ؟ هل قيادات الكنيسه سأمت و الشعب القبطى فاض به الكيل للدرجه التى تسمح بوجود حركه قبطيه مدنيه تتحرك سياسياً و إدارياً خارج نطاق الإكليروس ( رجال الدين المسيحى ) ؟ هل الدوله بعد التغييرات التى حدثت لها بعد الثوره ستشجع قيام حركه مدنيه للأقباط أم هى مستمتعه بالعمل مع رجال الدين ؟

إعتقادى أنه لا يوجد أحد مستعد لتغيير هذه العلاقه إلا إذا تحرك الأقباط أنفسهم لكسرها و تغييرها فهم العامل الأقوى و الوحيد القادر على خلق واقع جديد بين الكنيسه و الدوله.

مدونة عرض حال