منذ دخول المسلمين إلى مصر وحتى الآن نكاد نجزم بأن الأقباط كان لهم دائماً من يمثلهم أمام الدوله بخلاف وجود تمثيل طبيعى للمصريين عموماً أو عدم وجوده و قد يكون لهذه الخصوصيه أسبابها التى قد نخوض فيها فى مقال منفصل إلا أن الثابت هو أنه كان دائماً لدى الأقباط أو الدوله من يمثل الأقباط.

بعدما دخل عمرو بن العاص مصر أبقى على الموظفين الأقباط فى مناصبهم لدرايتهم بالحساب و توزيع الأراضى ليجمعوا الجزيه و أصبح هؤلاء الموظفين لدى الحاكم هم الممثل الشرعى للأقباط فى وقت كانت الأغلبيه العظمى من سكان مصر أقباطاً مسيحيين و طبيعى أيضاً أن هؤلاء الموظفين الممثلين للأغلبيه لم يكونوا يمثلون العرب القادمين من الجزيره العربيه و لا من تحول للإسلام من الأقباط فى العصور التاليه.

و تكيف هؤلاء الموظفين مع كل العوامل بداية من تعريب الدواوين مروراً بكل ثورات الأقباط وكان هؤلاء الموظفين هم وسيلة الإتصال بالبطريرك القبطى إن كان له أى مطالب و كان لهم دور كبير فى إختيار البطريرك و أيضاً كانوا هم المتحدثين بإسم الأقباط  وظل هذا الوضع حتى عهد المماليك و الذى وصل فيه إضطهاد الأقباط للذروه و فى هذا العهد صدر ثانى قانون للتمييز الدينى فى مصر و هو ما سُمى بـ ” العهدة العمريه ” و هى عباره عن وثيقه مدسوسه على عمربن الخطاب إستخدمها المماليك فى إضطهاد الأقباط و ألصقوها بعمربن الخطاب لتنال القداسه اللازمه و بناءاً عليه بنهاية عهد المماليك تم القضاء على العدد الأكبر من الأقباط العاملين كموظفين لدى الدوله وببداية الإحتلال العثمانى كانت الدوله بحاجه لممثل للأقباط فجاء الدور على الأراخنه و هم فى الأغلب تجار و قليل منهم كان يعمل موظفاً لدى الدوله.

فى عهد المماليك و العثمانيين دخلت مصر فى عصور ظلاميه ووصل الحال بالكنيسه أن أغلب كهنة الكنيسه كانوا من الجهلاء وكان الكهنوت يورث و كانت الرهبنه وهى مصنع قيادات الكنيسه ملاذاً لمن فشلوا فى التجاره أو إمتهان حرفة معينه و إنكسرت هذه الظلمه فى أوائل القرن 19 بالحملة الفرنسيه (1798- 1801 ) على مصر و بجانب أن هذه الحمله أدت إلى صدمه بين المصريين جميعاً إلا أنها أدت إلى صدمه مضاعفه بين الأقباط لسببين :

1-  الإكتشافات الفرعونيه التى أشعرت الأقباط بأنهم مختلفون عن باقى المصريين و أنهم أحفاد الفراعنه و أن الباقين عرب محتلون و حينها بدأ الأقباط فى تسمية أبنائهم رمسيس – إيريس – إيزيس .. الخ.

2- الإرساليات التبشيريه فبجانب العلماء الذين أتوا مع الحمله كان هناك مبشرين بدأوا يعملوا بين الأقباط فلأول مره يرى الأقباط إنجيلاً مطبوعاً و يرون شخصاً يحدثهم عن المسيحيه و ينتقد عادات خاطئه مستدلاً بالإنجيل بعد أن إنقطعت صلتهم بالكنائس الغربيه بمجمع خلقدونيه.

الكنيسه تقود النهضه

هذه الصدمه الكبرى جعلت الأقباط يبدأون فى نهضه كانت أقوى و أشد من نهضة باقى المجتمع المصرى لتكون هذه الصدمه بداية عصر جديد للأقباط و قاد هذا النهضه قائد كنسى و لم يقودها الأراخنه أو الشعب فخرجت هذه النهضه من الكنيسه و قادها البابا كيرلس الرابع الملقب بأبي الإصلاح ( 1854 – 1861 ) الذى كان :

1- يجيد ستة لغات العربيه و القبطيه و اليونانيه و التركيه و الإنجليزيه و الإيطاليه.

2- أول من افتتح مدرسة لتعليم البنات فى مصر.

3- أنشأ ثالث مطبعه فى مصر خاصه بالأقباط بعد المطبعه التى أحضرها بونابرت و المطبعه الأميريه.

4- بدأ فى تعليم الكهنه و الرهبان عن طريق المدارس و المكتبات.

5- أنشأ مدارس الأقباط و التى كان التعليم فيها بالمجان.

6- أول من أنشأ مكتبه عامه و عممها فى كل المدارس.

7- أول من منع زواج الفتيات قبل بلوغهن سن الرشد و منع الإكراه فى الزواج ووضع عقداً للزواج يوقع عليه الطرفين.

8- أول من أنصف المرأه القبطيه فى الميراث بأن ترث مثلها مثل الرجل.

بداية من البابا كيرلس الرابع و لأول مره سيتحول تمثيل الأقباط أمام الدوله من العلمانيين ( الشعب) إلى الإكليروس ( رجال الدين ).

عهد سعيد باشا ( 1854- 1863)

فى عهد سعيد باشا تم إقرار 3 قوانين هامه بالنسبه للأقباط وهى على الترتيب:

1- إلغاء الجزيه سنة 1855م على الأقباط مما سمح لأول مره بتجنيدهم فى الجيش المصرى جنباً إلى جنب مع إخوانهم المسلمين.

2- صدور الخط الهمايونى لتنظيم بناء دور العباده فى فبراير 1856م تحت ضغط من فرنسا و إنجلترا بشان رعاياهم الموجودين فى الولايات الخاضعه للحكم العثمانى سواء كانوا يهودا أو مسيحيين، و إنصافاً للحق فلقد كان فى وقته وثيقة حقوقية عظيمة الشأن و طفره كبيره.

3- اللائحه السعيديه سنة 1858م وهى كانت نتيجه لإرسال سعيد باشا الجيش المصرى لمحاربة الروس و المكسيك مما أدى إلى إنهاك الإقتصاد المصرى بشده و نتيجة لحاجته للمال فلأول مره سيسمح بحق الملكيه الخاصه للأطيان فبعد أن كانت كل مصر ملك الحاكم, لأول مره سيمتلك المصريين أراضى فى وطنهم فتقدم لشراء الأراضى مصريين مسلمين و مسيحيين,  ونتيجة لللائحه السعيديه تكونت فى مصر طبقه جديده و هى ” الأعيان ” و الذين أصبحوا فيما بعد بالألقاب ” الباكوات و الباشوات “.

صراع على تمثيل الأقباط

تعلم أغلب هؤلاء الباشوات فى المدارس القبطيه التى أنشأها البابا كيرلس الرابع و نتيجه لتأثرهم ببداية إنشاء الدوله الحديثه فى مصر ” دولة المؤسسات “ ففى هذه العصر أصبح لدى المصريين أول برلمان و إنقسمت الدوله إلى مؤسسات ( نظارات) مختلفه كالماليه و الحقانيه و المعارف .. الخ .. نتيجه لهذا التأثير أرادوا أن يطبقوا هذا النموذج على الكنيسه فيحولوها إلى مؤسسه لها نظام مالى وإدارى كما أنهم رأوا فى أنفسهم القدره على تمثيل الأقباط بدلاً من القيادات الكنسيه لينهضوا بالأقباط.

تعتبر حركة المجلس الملّى هى أول نموذج للحركه المدنيه القبطيه سندرسه بالتفصيل , كما أنها تعتبر هى أول محاوله لتجسيد مفهوم الأمه القبطيه و هو مفهوم أشمل من الكنيسه خاصة فى مراحلها الأولى…. فإلى لقاء فى المقال القادم .

مدونة عرض حال