بعد الغزو الإسلامي السياسي لصناديق الإقتراع المغربية، والفتح المبين الذي حققته جيوش حزب العدالة والتنمية، بدى المغرب للكثيرين من المتابعين بلدا ديموقراطيا مارس فيه الشعب حق الإختيار وبالتالي وجب الان القبول بالنتيجة وتهنئة الفائز وان كانت من باب المجاملة الأخلاقية، و قد يلومني البعض لوصفي هذا التفوق الكاسح بالغزو لما يحمله المصطلح من ذلالات اكراه وغصب، لكنني فعلا اجده غزوا وان لم يكن بالسيف وقطع الرؤوس في زمننا الراهن كون هذا الحدث اخد مكانه في ماضي الإستعمارات الإسلامية وعهد من سموا أنفسهم بالخلفاء الراشدين…

غير أن  الأكراه اليوم اتسم بالتبعية العقائدية والإجتماعية لمرجعية العدالة والتنمية الإسلامية، كون أن قدسية الدين هي انعكاس للمجتمع، والمجتمع بدوره يلتزم بعقده الإيماني مع الدين الذي مثلته اليوم العدالة والتنمية من خلال برنامجها وخطابها السياسي، وبالتالي فاختيار الأخوانجية عن طريق صناديق الإقتراع كان مناورة سياسية رمزية في قالب ديموقراطي مفبرك لايوجد شيئ يربطه بمفهوم الديمقراطية سوى الشكل التقني المتمثل في الصندوق ورموز الاحزاب السياسية، إذ أن المسجد وبقية المؤسسات الدينية والصلواة الخمس كلها… تزكي العدالة والتنمية وتدفع نحو قبولهم تماشيا مع أسس الدولة الدينية التي تحكم بما أنزل الله أو على الأقل يحكم فيها اناس تقيون مؤمنون يشهد لهم التزامهم الديني بالصدق والأمانة وان لم يكن على الواقع ما يؤكذ ذلك.

العدالة والتنمية تنظيم لا يؤمن بالديمقراطية بل هو خطر عليها وعلى حرية الفكر والتعبير، فهويته محددة ضمن مرجعية لا تقبل الأخر وتعدم الرأي المختلف بتنميطها المقصود للفن وفق صالح وفاسدـ مؤمن وكافر، وبالتالي فلا داعي لكي نفزع اذا منعت كتب من رفوف منازل المغاربة بدعوى أنها مسيئة أو بنكهة تجرح العاطفة الإسلامية، أو ألبست صحفيات القناة الثانية الحجاب الشرقي على غر غفلة من الجميع، أو منعت أفلام وكسرت دور عرض السينما،… كما حصل سابقا مع فلم ماروك أو التهديدات والمضايقات التي تعرضت لها الفنانة لطيفة أحرار، وستكون هذه هي النتيجة المنطقية لدمج الدجل في عملية السياسة، هؤلاء المشعوذين الذين لم يخجلوا من اعلان التحالف مع الدكتاتورية حتى وقبل وصولهم للسلطة، وسخروا أبواقهم لمحاربة رياح الحراك الشعبي التي انطلقت من تونس على شكل موجات في كل الاتجاهات الجغرافية، وهاهم اليوم يزورون ارادة الشعب من خلال الأفيون المخذر الذي مكنهم من الفوز السهل (الدين).

الديموقراطية لم تكن يوما تمثل حرية الاختيار المطلق للأغلبية، دون معرفة وتحديد طبيعة الإختيار الذي يجب أن يكون مصاحبا بوعي وحس يراعي الحقوق والواجبات ويضمن للجميع حرية التعبير ويخلص الأغلبية من عاطفتها الايديولوجية التي لا ينبغي أن تسوقها نحو ممارسة الدكتاتورية واضطهاد الأقليات وتقديس الدجل… فلا ديمقراطية لمن لا يؤمن بحقوق الإنسان الكونية ويضمن حرية الأقليات ويقبل اختلاف الرأي والعقيدة ويعتبر مناقشة الفكر الغيبي ازدراءا للأديان… يجب على هذه الاحزاب الدينية ان تأخذ قلما أحمر وتصحح مرجعيتها ومبادئها وفق ما يتماشى مع القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان حتى تٌكسب نفسها شرعية المنافسة الديموقراطية النزيهة.

فالعقل الإسلامي التقليدي والذي يمثله هنا حزب العدالة والتنمية لا يمكن له إلا أن يشن حرب بينه وبين كل مبادئ حقوق المرأة الطفل والأقليات والإنسان بشكل عام، غير اننا نريد لحزب العدالة والتنمية أن  يعتمد تعاليم الإسلام في عقدها الأول كما جائت من خلال العهد المكي قبل الهجرة، كما يقوم المسيحيون بتجزيئ كتابهم المقدس الى عهدين لأنتا في هذه الحالة سنكون أمام اسلام انساني ولن يضرني شيئ اذا وصل أنصاره للسلطة…

لقد سبق وطالبنا كشباب مغاربة بضرورة فصل الدين عن التعليم من خلال مبادرات حرة على مواقع الأنترنت والمدونات وكان حلمنا حينها هدفا اعتقدنا انه السبيل نحو خلق جيل متعلم لا يقدس الخرافة، وحينما يمارس الديموقراطية يصوت لصالح مصلحته ومستقبله لا استسلاما لعقيدته وإيمانه.

رغم ذلك فوصول الإسلاميين للحكم بالمنطقة لا ينبغي أن يكون صدمة لنا نحن الحداثيين، بل هو فرصة لكي نوضح مواقفنا من الحرية والعدالة والدكتاتورية، ولكي نصلح سوء الفهم لمن اعتبروا فترة حكم الأحزاب اليسارية بالعلمانية ليحملوا هذه الأخيرة مسؤولية كل الهفوات السياسية على مستوى تسيير الشأن العام للمواطنين… فالمغرب لم يعرف بعد على المشهد السياسي تواجد أي حزب علماني يتخد من مبدأ فصل الدين عن الدولة هدفا ويطمح لتحقيقه، فجميع الأحزاب بالمغرب أسست على ضهير شريف يفتتح بالسلام والتحية على السدة العالية بالله أمير المؤمنين الملك محمد السادس، كما أن المواقف من العلمانية والتي كانت مؤيدة لمشروعها ضلت دائما مرتبطة بأسماء مناضلة داخل هذه الأحزاب دون أن تجد طريقها نحو الديباجات والأوراق التأسيسية، وبالتالي فالأمل اليوم من أجل مغرب علماني ملقى وبقوة على عاتق الحركات الشبابية الحرة والمستقلة، التي تهدف الي نشر الوعي الإنساني  ومحاربة الأفة الدينية وحسر الدين في مكانه الطبيعي المساجد والزوايا دون اقحامه للتحكم في خصوصيات الأفراد اليومية.

كما أن هذا الوصول الإسلامي للحكم هو انذار واضح لبداية انتحاره الذاتي، فالثورات القادمة بالعالم العربي وشمال افريقيا الأمازيغية ستكون ضد الإسلاميين والمد الأصولي السياسي، وستقودها النساء لأنهن سيكن الأكثر عرضة للإضطهاد والإستغلال من طرف هذه الأنظمة اللاهوتية، فالمرأة التونسية المغربية أو المصرية… والتي هي فتاة وصديقة اليوم لا يمكن أن تقبل بغير الحرية والكرامة سبيلا، فضريبة وصول الإسلاميين للسطلة مهما كانت تبتعاتها مكلفة إلا أنها ستعلن في الاخير انتصار الحرية والكرامة الانسانية التي يحاولون اعدامها.