اليوم بعد عشرة اشهر من أندلاع ثورة الياسمين الموقف أكثر غموضا مما قبل فالأنتخابات البرلمانية الأخيرة وضعت الثوار بين مطرقة المجلس العسكري و سندان التيارات الدينية ، فالصراع على اشده بين التيارات المدنية من ناحية و التيار الديني من ناحية أخرى ، و المجلس العسكري ، في مشهد يعيد لنا بشكل قريب ما حدث في مارس 54.

البداية فبراير 1953 ، الأزمة بين محمد نجيب من ناحية و الثوار وصلت إلى أقصى مداها ، فيقول لنا عبد اللطيف البغدادي في مذكراته :

” بدأت تلك الخلافات تثار في اجتماعات مجلس قيادة الثورة ، و قد بدأت عندما أثار صلاح سالم موضوع اتصال محمد نجيب اليومي بموظفي الإذاعة أثناء رحلته في بلاد النوبة شمال السودان في الفترة الأخيرة من شهر نوفمبر 1953 ، و كان محمد نجيب يطلب إذاعة خطبه هناك بالكامل مع صورة صوتية للرحلة كل يوم ، كما كان يطلب إعادة إذاعتها عدة مرات في اليوم الواحد ، و كان صلاح يأمر موظفي الإذاعة و هم تابعون لوزارته (وزارة الإرشاد القومي) بإذاعة فقط ما يراه مناسباً و معقولاً ، و لما رأى محمد نجيب ذلك أمر بإجراء تحقيق مع هؤلاء الموظفين “.

أحس الثوار الشباب أن نجيب بدأ يحاول سحب البساط من تحت اقدامهم ، فكان لابد من الرد عليه و بسرعة :

” عقد مؤتمر شعبي في الإسكندرية يوم 29 نوفمبر 1953 ، وكان متفقاً أن الذي سيحضره من أعضاء المجلس هم: جمال عبد الناصر و صلاح و عبد الحكيم فقط ، و لكن عندما علم محمد نجيب بانعقاد هذا المؤتمر قرر أن يسافر هو أيضاً إلى الإسكندرية للاشتراك فيه ؛ قام محمد نجيب بالسفر إلى هناك بالسكة الحديد ، رفض جمال و من معه مرافقته في القطار و سافروا بالسيارة.

في المؤتمر الثاني ألقى جمال عبد الناصر كلمة أشار فيها إلى الديمقراطية الصحيحة ، و حمل على الطغيان و الاستبداد ، كما طلب في كلمته من المستمعين إليه ألا يسمعوا لأي منافق أو مخادع أن يخدعهم أو يغشهم. ولم يكن يقصد بهذه الكلمات التي وجهها إليهم إلا محمد نجيب نفسه ؛ تكلم من بعده صلاح سالم ، و الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف ، و قد تناولا في كلمتيهما هذا المعنى و هذا الاتجاه الذي أشار إليه جمال أيضاً ، و ذكروا لنا بعد عودتهم من الإسكندرية أن محمد نجيب كان في حالة غيظ شديد لأنه فهم أنه هو المقصود بالذات بتلك الكلمات وهذا الهجوم. ”

هذه كانت بداية الأحتقان فالصراع بين نجيب و مجلس قيادة الثورة كان صراع على السلطة ، كل منهم حاول أن يغلفه بغلاف جميل سماه الديمقراطية .

نحن اليوم في موقف قريب الشبه من ذلك ، فالصراع سيكون بين ثلاث جبهات ، أولها التيارات الدينية التي تحاول جاهدة أن تقود طريق الديمقراطية الحقيقي خاصة  أن الشواهد كلها أنهم سيحصدون أكثر من 60% من مقاعد البرلمان ، في نفس الوقت يخرج علينا المتحدث بأسم الدعوة السلفية قائلا إن “الديمقراطية حرام”

الجبهة الثانية في ذلك الصراع هو المجلس العسكري ، حاول منذ اسابيع قليلة أن يحافظ على وجود المؤسسة العسكرية كحامي للدولة المدنية على غرار النموذج التركي ، إلا أنه واجه هجوم شرس من التيارات الدينية و حتى الليبرالية منها

الجبهة الثالثة تقف التيارات المدنية تحاول الخروج من وسط ذلك الصراع ، لكنها في كل مرة تواجه صعوبة في الحصول على نتائج حقيقية لمجهودها إلا الفتات تقريبا ، بالرغم أنها كانت هي التيار الرئيسي الداعي للثورة و هو الذي حمل على أكتافه المخاطرة بذلك ، و لم تظهر التيارات الأخرى إلا بعد أن وضح أنتصار الثورة على نظام كان بالفعل يلفظ أنفاسه الأخيرة ، ذلك الصراع الذي سوف ينفجر خلال الفترة القادمة أعتقد انه سيكون الصراع الأكثر حسما ، فالقوة على الأرض لصالح المؤسسة العسكرية ، بالرغم من كل المليونيات و الاحتجاجات التي يمكن أن تنظمها كل التيارات مجتمعة إلا أن الصراع و طبيعته سيحرك كتلة كبيره صامتة ستعيد التفكير في مستقبلها خاصة إذا بدأ التيار الأسلامي يبسط نفوذه بقوة و تأثيره على لجنة كتابة الدستور ، بالطبع لن تقف المؤسسة العسكرية موقف المتفرج كما فعلت من قبل في أحداث كثيرة و لكنها ستتدخل و بقوة في تلك المرة ، مدعومة بتأييد شعبي ليس بالقليل بالإضافة إلى تأييد المجتمع الدولي الذي بعث بإشارات واضحة بذلك خلال الفترة الماضية

الصراع القادم  هل سيحسم لصالح التيارات المدنية المنادية بديمقراطية حقيقية ، أم لصالح دولة دينية تحكم بالحديد و النار ، أم سنعود لدولة العسكر مرة أخرى فجحيمهم أقل وطأة من جحيم المتأسلمين …