لم أشأ أن أكتب أول موضوعاتى فى هذا الموقع المتميز , وهى بالمناسبة أول كلمات أكتبها فى العام الجديد , عن مناسبة حزينة كتلك التى تعرضت لها مصر منذ أيام قلائل , حينما قام مجرمون محسوبين على الإسلام بقتل سبعة أقباط وجرح عدد كبير أخرين , عندما كانوا متوجهين لمنازلهم بعد صلاة قداس عيد الميلاد المجيد . هذه المجزرة التى هزت مصر وغطتها كل وسائل الإعلام المصرية والعديد من وسائل الإعلام الأجنبية , وقمت أنا شخصيا بعمل قائمة تشغيل على يوتيوب تعرض لقطات ما بعد الحادث مباشرة بالإضافة لتغطيات قناة الجزيرة والقنوات المصرية ورد فعل شيخ الأزهر وأباء الكنيسة تجاه الحادث الأليم .

وفى الواقع فأننى لا ألوم القتلة الثلاث الذين سلموا أنفسهم بعد ما يقارب الأربعة وعشرون ساعة من الحادث , فمن يظن أن هؤلاء القتلة هم وحدهم المذنبون فهو مخطىء تمام الخطأ ..

كيف تعمل البندقية الألية ؟ فى اللحظة التى تضغط الأيدى المرتعشة على الزناد , تقوم إبرة قوية بدق مؤخرة رصاصة ذهبية .. تشعل الدقة البارود ويحدث تفاعل لحظى ينتج عنه إنطلاق الرصاصة القاتلة نحو هدفها المحتوم .

ستكون غبيا إذا وجهت اللوم للرصاصة وحدها أو الزناد وحده أو تفاعل البارود وحده .. الكل مشترك فى عملية إنطلاق الرصاصة .. وكذلك الامر فيما يتعلق بما حدث ليلة السابع من يناير الماضى .

الثلاثة الذين وجهوا رصاصاتهم الغادرة لتحصد شبابا فى سن الزهور , ورائهم العديد من العوامل التى أدت لهذا الحادث .. أهمها وأولها هذا العدد الضخم من الشيوخ الملتحين السلفيين المتشددين طوال الذقون قصار العقول , إستطاعوا غزو السوق الإعلامى المصرى فى غفلة من الزمن , تم دعمهم بأموال نفط الخليج , وإستطاعوا الوصول لعقل وقلب المستمع المصرى البسيط المطحون , الذى يأس من الوصول للعدل فى الدنيا فقرر أن يبحث عنه فى الأخرة .

ما حدث أن هؤلاء الشيوخ فرشوا لهذا المواطن الأرض وردا , وأفهموه أنه يستطيع الوصول للجنة لو ردد أدعية دون أن يفهمها , وداعب بيده سبحة دون تسبيح , وأطال ذقنه دون إلتزام حقيقى , وأن سبب إنحدار المسلمين وتخلفهم هو عدم إرتداء النساء لخيمة النقاب , وأن الغرب بكل تقنيته وعلومه يقف ضد الإسلام لان فيه العزة للمسلمين .. إلى أخر كل نظريات المؤامرة التى خلقوها فى كهوف الظلام … من يدعم هؤلاء الشيوخ إذن ؟

يدعمهم ماديا شيوخ الخليج والنفط , الذين يتبعون المنهج السلفى ويسعون لنشرة فى الدول المحيطة , والذى يدعو لعدم الثورة على الحاكم طالما يردد الشهادتين , حتى وإن طغى على العباد وإستكبر , مما يحفظ لهم – شيوخ الخليج – عروشهم ويضمن عدم ثورة شعوبهم عليهم
على الجانب الأخر يدعمهم بالوقت والمساحة الإعلامية قنوات فضائية رأت فى الدين سلعة رائجة على مدار الساعة , ورأت فى هؤلاء الشيوخ مندوبين مبيعات يرتدون الجلاليب بدلا من البدل الفاخرة , ويضعون المسك بدلا من البارفان , فأمدوهم بساعات لا نهائية يبثون خلالها سمومهم الفكرية .. فماذا حدث ؟

حدث أن تربت أجيال كاملة على كره الأخر ونبذه وعدم الإعتراف به , تمتلىء الأن قنوات اليوتيوب بمقاطع فيديو لشيوخ يحضون على عدم السلام بالأيدى على أقباط , وعدم تهنئتهم بأعيادهم وعدم مشاركاتهم فى أى مشاريع .. كل هذا يحدث دون ظابط أو رابط من أى جهة رقابية , وكإنما ما يحدث لا يمس الأمن القومى لبلاد تقوم أساسا على الترابط بين عنصرين أساسيين هما المسلمين والمسيحيين … فماذا حدث ؟

ما حدث أن قام هؤلاء الجناة بإنتظار (الكفار) – من وجهة نظرهم طبعا – وهم يخرجون من كنيستهم بعد الإحتفال بعيدهم , فأطلقوا النار عشوائيا على من تصادف حظه العثر فى التواجد أمام الكنيسة .. حتى الحارس المسلم الذى كان متواجدا أستشهد هو الأخر فى أكبر دليل على أن رصاص الجهل لا يفرق بين مسلم وقبطى .

الحديث عن العصبية القبلية , وأن الحادث يعتبر ردا على إغتصاب شاب مسيحى لفتاة مسلمة لا يقنعنى إطلاقا , فمن المعروف أن جرائم الثأر تركز على عقاب عائلة المجرم فقط , ولم نسمع عن جريمة ثأر يحدث فيها إطلاق نار عشوائى على كل من تصادف وجوده فى المكان .. هكذا إشتعلت نار الفتنة الطائفية فى المدينة الأمنة وإلتهب الموقف … فما الحل ؟

لنكون عمليين منطقيين دعنى أخبرك بالحل فى نقاط متسلسلة حسب ترتيب الأهمية :

أولا : إعتقال كل شيوخ التطرف الدينى , وكل من تجرأ على التفوه بكلمة واحدة تحرض على إيذاء الأقباط فى مصر أو معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية , على أن يكون الإعتقال وفقا لقانون الطوارىء الذى لطالما تم تطبيقه هربا من الثغرات القانونية التى يستعملها المحاميين للإفلات من قاعات المحاكم .

ثانيا : إلغاء تصاريح بث جميع القنوات السلفية الوهابية التى تشجع على التفرقة فى المعاملة بين عناصر الأمة الواحدة وعدم التصريح ببث أى قنوات دينية أخرى إلا قبل التأكد من سلامة محتواها ورجاحة عقل شيوخها .

ثالثا : الحكم بإعدام قتلة الأبرياء المسيحيين , على أن يكون التنفيذ علنيا فى منطقة تسمح لجميع المواطنين بالمشاهدة حتى يكونوا عبرة لمن يفكر مجرد تفكير فى ترويع أمن الأمنين مرة أخرى .

رابعا : تشريع قانون يحرم ويجرم أى مظهر من مظاهر التفرقة العنصرية بين المواطنين بعضهم البعض , تلميحا أو تصريحا , سواء بالقول أو الفعل , وبأى وسيلة تعبير مسموعة أو مقروءة أو مرئية , على أن يعاقب المخالف (سواء كان مسلما أو مسيحيا ) بالسجن فترات تتناسب مع ما أقترفه من جرم .

خامسا : العمل على إصلاح ما أفسده شيوخ السلفية على مدار كل هذه السنوات من خلال توعية البسطاء والمتدينين حول حقيقة الاقباط وأنهم ليسوا كفارا وأنهم شركاء فى بناء هذا الوطن بنفس نسبة المشاركة الإسلامية فيه .

بالطبع هذا جزء بسيط من الخطوات التى يجب علينا إتباعها لضمان عدم تكرار ما حدث , أما إذا إتبعنا من جديد سياسة دفن الرؤوس فى الرمال وأن يظهر شيخ الازهر مع البابا ويتبادلا القبلات تحت فلاشات عدسات الكاميرات , فإن ما حدث فى نجع حمادى سيتكرر فى كل مكان أخر .. وستظهر عنقاء الفتنة الطائفية من رماد سنين الحريق .

محمد حمدى
مدونة : لكم دماغكم وليا دماغى