لم تخلد معركة مثلما خُلدت واقعة الطف ، فالشيعة يعيدون تمثيل هذه الواقعة كل عام ، والخميني له كلمة مشهورة :”كل ارض كربلاء وكل يوم عاشوراء ” وفي هذا الموضوع سأناقش واقعة الطف من ناحية اللوحة التي رسمها مؤرخي تلك المعركة . واستخدم أسلوب التحليل التاريخي المقارن إذ سأقارن بين الحادثة من خلال الروايات التي رسمتها عدة فرش لرواة مؤرخين ،  واحلل هل من الممكن ان يتم رسم لوحة من خلال فرشة مؤرخين  بعيدين  جدا عن الواقعة ؟

من هم رواة الواقعة ؟

1- ابن الحسين وحفيده ، اي علي بن الحسين ومحمد بن علي وهما امامان معصومان لدى الشيعة .
الا ان مروياتهم لا يمكن الوثوق بها لان الباقر مشكوك بحضوره في واقعة الطف بينما السجاد كان عليل لايخرج من خيم النساء ، فكيف استطاع ان يعرف ما حدث وبدقة كما ترويها المرويات ؟
طبعا الروايات عن علي بن الحسين (السجاد) مضحكة فتارة تقول انه ولد عام 38 هجرية واستشهد بعمر 57 سنة ، وبكى على ابيه الحسين 40 عاماً ، وواقعة الطف كانت عام 60 هجرية ، اي انه بواقعة الطف عمره 22 سنة ومات بعد الواقعة ب 35 سنة فكيف بكى 40 عاما على ابيه ؟ والروايات تذكر ان ابنه محمد بن علي الملقب بالباقر كان بعمر ال 4 سنوات وموجود بالطف ، طيب اذا السجاد استشهد وبعمر 57 سنة ونطرح منها 40 سنة مدة بكائه على ابيه فيكون الحاصل 17 عام وهو عمر السجاد بواقعة الطف ونطرح منها 4 اعوام عمر ابنه الباقر ، فيكون عمره 13 سنة ، نطرح سنة مدة الحمل وقضايا الزواج ، فيكون عمره اثناء الزواج هو 12 سنة واستطاع الانجاب ! وعلى كل حال تضارب الروايات تدل على ان الرواة يكذبون فهناك روايات تقول ان الباقر نفسه كان بعمر 15 عام .
عموما هناك من ينكر وجود الباقر بالطف لاسباب كثيرة

2- النساء من ذراري الحسين واصحابه بعد عودتهن الى المدينة فانهن لم يصبن بسوء وبقين احياء بعد مقتل رجالهم .
الا ان النساء لم يشاهدن الواقعة تفصيلا ، فالمرويات تقول بان النساء جلسن بالخيم ولم يخرجن الا لرثاء ازواجهن بمرات قليلة ، فكيف نثق بمرويات ما خلف الكواليس ؟
3-الاطفال القلائل الذين نجوا من واقعة الطف، واستطاعوا الهرب منها كأحمد بن مسلم بن عقيل أو عادوا مع النساء كالحسن المثنى وغيرهم . فإنهم اصبحوا كباراً بالتدريج . فمن الممكن لهم عندئد ان يرووا ما رآوا وما سمعوا.
والاطفال نفس الحالة ، فقد كانوا بخيم النساء ولا يعرفون اسماء الجيش المعادي ، ولم تروي عنهم اخبار كثيرة على كل حال .
3- المقاتلين بجيش عبيد الله بن زياد والمقاتلين الناجين بواقعة الطف من جماعة الحسين
وهؤلاء لايمكن الوثوق بهم لانهم طرف بالنزاع وانا شخصيا اشك بوجود الرواة منهم كالضحاك بن عبد وعقبة بن سمعان والطرماح بن عدي و المرقع بن ثمامة الأسدي ومن طرف جيش عبيد الله بن زياد هاني بن ثبيت الحضرمي ، ومسروق بن وائل الحضرمي ، وأضرابهم . . عموما هؤلاء الرواة لا نعلم بوجودهم الا بعد مئات السنين من واقعة الطف كما سابين بالنقطة القادمة .
اذن رواة الطف كانوا ضمن فئات لايمكن الاعتماد عليها فلننتقل الى الكتب التي وثقت الحادثة واخذت عن هؤلاء الرواة ، ونحن كقراء للتاريخ لا نعلم عن الطف والرواة الا من خلال هذه الكتب
1- مقتل ابي مخنف وهو ضعيف السند لايمكن الوثوق بنسبته لابني مخنف وهذا ابو مخنف توفية سنة 157 هــ اي بعد الطف ب 100 عام وهي فترة كبيرة ما بينها وبين الواقعة ، بالاضافة ان ابو مخنف لا نعرف عن ماذا روي مقتله وكيف حصل على المعلومات ، فو لم يشارك بالطف وكان من اصحاب السجاد كما يروي الخوئي ب معجم رجال الحديث 15 / 140 علما ان مقتله هو ما ترويه الشيعة بشهر محرم فهنياً لهذا التوثيق من رجل لم يدرك الطف ولم يحضرها ولا نعرف من اين نقل وكما قلنا فان الرواة لايمكن الوثوق بهم لابتعادهم عن المعركة واحداثها باستثناء مقاتلي جيس عبيد الله بن زياد وطبيعي هؤلاء لايرون ولم نسمع منهم طبعا واذا تحدثوا فلن يذكروا الا جزء من اللوحة لا كل ما يفعلونه .
2-
كتاب ( الهداية الكبرى ) – الحسين بن حمدان الخصيبي – او الحضيني – الجُنبلاني (ت 334 هـ ) .
و الإرشاد – الشيخ المفيد (ت413هـ)
و نور العين في مشهد الحسين – إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران النيسابوري الاسفرائيني الشافعي .(ت 417 هـ )
بالاضافة الى إعلام الورى بأعلام الورى – الطبرسي (ت 548 هـ )
و مقتل الخوارزمي – أبو المؤيد أحمد بن محمد المكي الخوارزمي الحنفي .(ت 568 هـ)
, مناقب ابن شهراشوب : مشيرالدين محمد بن علي بن شهراشوب (ت 588 هـ ) .
و مثير الأحزان – نجم الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة بن نما الحلي الربعي(ت 645 هـ)
, و اللهوف على قتلى الطفوف : السيد علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس(ت 664 هـ ) .
ونظرة فاحصة على تاريخ هذه الكتب او تاريخ وفات كُتابها تجعلنا لا نثق بها لانها لم تشهد المعركة بل نقلت عن الجيل السابق ، والجيل السابق لم يكن هناك مؤرخ الا ابن مخنف والذي يشكك الكثير من علماء الشيعة بنسبة هذا المقتل له فضلا عن اشكالية رواة وهناك من يشكك بروايات بعض هذه الكتب من الفريقين .
حسنا الان محاولة لمعرفة عدد أفراد الجيش الذي يقاتله الحسين بواقعة الطف (لابين لكم التناقضات الكثيرة والاختلافات المتعددة الى حد الهوس التراجيدي )

فيقول بعض الكتاب “. حتى ان افراد القبائل ، وهي مئات الالوف، قد خرجت كلها لحرب الحسين. ولبعض الخطباء سياق كلامي خاص يعدد فيه رايات القبائل التي اقبلت للحرب . فيعدد اسماء خمسة عشر قبيلة او اكثر من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق، كتميم وفزارة وبجيلة ومذحج وربيعة وطي واسد وبنيفلان وبني فلان………… كما وردنا في التاريخ انسوق الحدادين في الكوفة بقي مشتغلاً ليلاً ونهاراً اياما متطاولة قد تبلغ شهراً أواكثر، لاصلاح السيوف والرماح والسهام والنبال، مقدمة للخروج لحرب الحسين (اسرار الشهادة للدربندي ص445 ) و
ان الناس الخارجين في هذا السبيل كانوا من الكثرة بحيث لم يستطيعوا ان يجدوا وسائط النقل من الجمال والافراس والحمير حتى ركبوا البقر والثيران (مع الحسين في نهضته لاسد حيدر ص173 )
ثم يستشهد الخطباء بقول الشاعر:

بجحافل في الطف اولها ……….. واخيرها بالشام متصل
(للشيخ الحاج حمادي الكواز(1245 – 1283هـ) توفي في مرض السل وعمره فيما يعتقد لم يتجاوز 38سنة . وهذا البيت من قصيدة طويلة والتي مطلعها:

ادهاك مابي عندما رحلوا فأزال رسمك ايها الطلل
ادب الف ج7ص161 – 172

والمسافة بينهما تقدر بحوالي الفي كيلو متر .فاذا كانت كلها مملوءة بالجيس المعادي كخط طويل محتشد في هذا البر المتطاول . فكم سوف يكون عدد افراده؟

ان الكيلو متر الواحد الممتد لن يكفي في امتلائه بالناس الف انسان بطبيعة الحال. بل لن يكفي ضعف هذا العدد . ولكننا لو اقتصرنا على الف لكان المجموع مليونين من الناس على اقل تقدير. وقد يصل الرقم إلى اربعة ملايين . وانا شخصيا سمعت الخطيب عبد الحميد المهاجر يقول ان الجيس المعادي للحسين اكثر من مليون شخص !!!
لكن نظرة على التاريخ نعلم ان اختلاف المؤرخين شديد في عدد الجيش الذي قاتل الحسين بل بعضهم قد بالغ في كثرةالجيش كالذي ذكره ابن العصفور البحراني حيث قال ان عدد الجيش الخارج على الحسين قد بلغ (500000) خمسمائةالف والأغرب من هذا انه يقول ان الحسين قد قتل منهم (400 الف) (فلم هندي )وينقل لنا ذلك الحشاش الدربندي في اسرار الشهادة فيعلق على هذا القول بقوله: نعم ان هذا يجوز ويصح بالقوة اللاهوتية لا البشرية بل الاستغراب والاستبعاد من جهة آخرى وهي ان المحاربة والقتل كانت بالسيف والرمح يومئذ وقد وقع مقتل الحسين قريب من الغروب اوالعصر من ذلك اليوم فهذا الوقت القليل لا يسع تلك المقاتلات والمحاربات الكثيرة منه فهذاامر ظاهر عند الكل ولا سيما اذا لوحظ في العين محاربات الاصحاب وفتية بني هاشم). اسرار الشهادة ص414.
- اما الارقام التي وردت في عدد الجيش من كتب التاريخ فهي كما يلي:-
80 الف بغية النبلاء ج2 – الدمعةالساكبة ص322 نقلاً عن ابي مخلف وتحفة الازهار لابن شدقم.
70 الف اسرار الشهادة للدربندي ص237 – سفينة النجاة للعياشي.
50 ألف – شرح شافية ابي فراس ج1ص93

35 ألف – مناقب ابن شهر آشوب ج4ص98ط قم.
وشخصيا اعتقد ان الجيش اقل من هذه الارقام بكثير ، فعبيد الله بن زياد وكما معروف عنه من دهاء سياسي ، لن يرسل جيش عملاق ليقتل فيه 70 نفراً ، يكفي 10 اضعاف هذا العدد ويتجنب الموارد التي ينفقها على الجيش .
يبقى امر مهم ، كيف لشخص عربي يتحمل ان يقتل افراد اسرته واصحابه قبله ؟
وهذه بعض الاحاديث عن السجاد واولاده وهي سبب تضخم هذه الظاهرة :

قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية البحار ج25 ص 261
من بكى أو ابكى او تباكى وجبت له الجنة الصدوق ص125 مجلس 29 – البحار ج44ص288 – الدمعة الساكبة م1ص300
ولا ننسى ان هذه الكتب اغلبها تم تاليفها بالعصر العباسي وهم اعداء لدودين للامويين ، فطبيعي ان يتم تضخيم الواقة وتصخيم الجيش الذي قتل الحسين واصحابه .
ملاحظة ، بعض الاشكالات الواردة هنا مآخوذة من كتاب اضواء على ثورة الحسين لمحمد محمد صادق الصدر ، الا انه كالعادة يجيب على هذه الاشكالات بان المعصوم مسدد من الله وهو يحفظه ويجب ان لا نحكم على تاريخ مفقود لانه يرى الحاضر ما لايراه الغائب وهذا القول غريب لانه يستخدم ضده لا له )
وقبل الختام ، لو فرضنا سيناريو محتمل لواقعة الطف: مثلا الحسين جاء لان اهل الكوفة بايعوه بعدة كتب ، وارسل مسلم بن عقيل ومن ثم عرض عليهم عبيد الله بن زياد برنامج سياسي يتضمن الحوافز افضل مما عرضه الحسين فتغير ولاء سادات وشيوخ ووجهاء الكوفة وارسل عبيد الله بن زياد جنود اكثر من عدد اصحاب الحسين ب 3 اضعاف على الاقل ولنقل 250 شخص مع فرس واسلحة كثيرة كالسهام والاسيوف والرماح وبما ان الحسين قادم لكي يحكم الكوفة لا ان يقاتل بها فاكيد انهم غير مسلح بشكل كافي ، وحدثت المجزرة ، وتم تصفية الحسين مع جميع اصحابه الا المريض منهم والنساء والاطفال ، فملذي سترويه النساء عن ازواجهن وماذا يروي العليل عن اخوانه وابيه غير انهم قاتلوا قتال الابطال وكل شخص قتل نصف الجيش .. الخ ثم بانقلاب سياسي عسكري ياتي اعداء بنو امية (العباسيين)ليضخموا هذه الحادثة وتصبح كما نعهدها اليوم .

وأخيرا يقول معروف الرصافي:

نظرنا لأمر الحاضرين فرابَنا … فكيف بأمر الغابرين نصدق