دعيني أخبركِ بمنتهى الصراحة والوضوح أنني كلما جلست بمفردي أشعر دائما بأنني أكثر مخلوقات الأرض انعزالا وجهلا ، أن كافة البشر مقسّمون في هذه اللحظة إلى مجموعات متصلة بأواصر قوية ويؤدون أشياء مهمة للغاية تكفل لهم الإحاطة التامة بكل التفاصيل الدقيقة المتعلقة بتاريخ كل فرد منهم بل وتاريخ العالم بأكمله .. يتحدثون في أمور وخبايا معقدة غاية في العمق لا يمكن أن تخطر على بال واحد مثلي ويجيدون توحيد أفكارهم ومشاعرهم وضحكاتهم بأبعد الناس عنهم .. حفل كوني صاخب ومستمر دون انقطاع يستمتع الجميع داخله حيث الكل يعرف بعضه بينما أنا ملقى بعيدا في الخارج كشيء ليس فقط مجهول الاسم والتكوين والفائدة بل غير قابل للانتباه أصلا .. مع هذا الشعور تثبت كل التأكيدات المختزنة عن السحر النبيل للوحدة واختزال الدنيا والزمن داخل الذات المنكمشة بين أربعة جدران صامتة تثبت أنها هراء ثقيل وأنها أكثر طبائع الموت شراسة .. تنهار تماما كافة المحاولات للتمسك بالزهو الباطني الناجم عن قدرة العزلة الشخصية على انتاج الإلهامات والأسئلة الماورائية الغير محدودة عبر تأمل الموجودات والأحداث الصغيرة المنتمية إلى حيز ضئيل لا يدري أحد عنه شيئا .. أثق ساعتها في أنني لا أمتلك أي معرفة عن الحياة ولا عن الآخرين ولا عن نفسي .. لا أمتلك أي قدرة سوى على الاستمناء أثناء مشاهدة أحد أفلام الجنس العائلي حيث الأب والأم والأبناء يضاجعون بعضهم ويتركون لي في كل مرة مكانا بينهم .

 

دائما كنت أفكر في أنه حتى الأحمق ، المغفل تماما كجوهرة نادرة بوسعه أن يمتلك لحظات من الصمت الغامض .. أن يراقب العالم بانتهاك خاص كأنه فريسته الخاضعة ، بشغف متحدي واثق في مهاراته الخبيثة على كسب كل المعارك حتى وإن خسرها .. يمكن لواحد مثلي أن يكون قبرا غير قابل لتوفير أي ثقة عن ما أُغلق عليه .. ألا يكون مفهوما أو مأمون التصرف ، ألا يتوقع ماذا يمكن أن ينتج عن جلوسه وحيدا بعينين متجهمتين وملامح مرهقة تتمعن في الفراغ بقلق ينطوي على تدبير ما .. كنت أفكر في أن الأحمق هو أكثر من تناسبه هذه الحالة باعتبارها ظاهريا سلوكا استثنائيا في حياته ، حقيقة مفاجئة لم يتعوّدها الآخرون عنه بل على العكس يستقر في يقينهم صورة مضادة لها بامتياز .. الأشخاص المعروفون بالدهاء وبالأساليب الملغزة والجريئة في إنجاح تجاربهم لا يمكنهم أن يخدعوا أو يصدموا أحدا إلا بممارسة تكشف عن الجانب الأحمق في شخصياتهم ، أما أنا فمع كل مرة أغلق فيها الباب على نفسي وأفكر في الماضي يتحول الإذلال إلى أقوى داعم لوجودي وتتحول كل خيباتي وإخفاقاتي الوفيرة إلى حصيلة من الانتصارات المبررة .. أشعر بنفسي كفارس كلاسيكي لديه ثأر مع الحياة يفوق ما لدى الناس جميعا ويمكنه أن يتحسس أثر شجاعته في الحروب الغير متكافئة ضد الغيب .. مع ذلك فالخوف أقوى من كل هذا .. أنا أحمق وخائف فقط .

 

وفقا لكل شيء : ميراث السلطة .. المعايير المزاجية .. تقلبات الخيال ، نأتي للآخر كأن رصيدنا من الألوهة يسمح لنا بحرية الاختيار وبالفصل الجازم بين التلامس والصدام .. لكن هذا الآخر ليس أكثر من مجرد احتمال مجبرين على العيش معه تحت غطاء أخلاقي ملتبس .. على محاولة الاستيلاء عليه كي يطرد هواجس الفناء من أرواحنا .. الكيان المراوغ الذي نفتش بداخله في كل لحظة عن نسق كلي يوحد بين الهويات التي تتمزق بينها ذواتنا .. الذي يؤكد على صحة موقفنا الملغز من الحياة ويحررنا منه في نفس الوقت .. حتى ونحن في أقصى درجات عرينا أمامه .. في قمة مستويات الإتاحة لمشيئتة .. حتى ونحن في غاية الاستسلام للرغبة في تدمير أنفسنا أو تضييعها من أجله .. لاشيء اسمه تلامس يا عزيزتي .. هناك صدام متنوع دائما .. صراع على كسب الحدود الفاصلة بيننا وبين كل شخص نقابله أو نتحدث معه أو نجلس صامتين أمامه .. ليس الحدود الفاصلة فحسب بل كافة الآماد المحتملة المتمنعة التي تحاوط أجسادنا ولا نعرف سوى أن الفوز في لعبة القمع هو الطريقة الوحيدة الصحيحة لبلوغها .

 

أتصور أحيانا أنني مت فعلا منذ زمن ، وأن الموت يعني أن تتحول دون أن تشعر إلى نسخة لا تدري إطلاقا بموت الأصل ولا بما حدث في الدنيا بعد ذلك .. أن تواصل العيش بشكل عادي جدا داخل نسخة أخرى من حياتك المألوفة حتى نهاية العالم .. هل لهذا علاقة بهوسي المحموم بنيل الخلود ؟ .. ربما ولكن الخلود له جانب آخر عندي وهو تقبل الحقيقة التقليدية للموت مقابل التحول بعده إلى شخصية كارتونية .. في طفولتي كنت أتمنى أن أكون ” بطوط ” ثم تمنيت أن أكون ” تان تان ” أو ” مارتان ميلان ” والآن لن أقبل سوى أن أكون ” هومر سيمبسون ” .

 

قد تقولين بينكِ وبين نفسكِ الآن أن في ما أقوله نوع من الترف المجاني الذي يلجأ إليه الواحد عادة للتحرر من هزائمه ومسؤلياته عنها بالاستسلام للذة الإيمان بالانسحاق والنبذ ، لكن صدقيني فأنا لا ألقي باللوم على أي أحد بل إن مشكلتي الكبرى تكمن في عجزي عن التوقف عن محاولة الانتماء إلى العالم وكائناته .. لا تحتاجين بالتأكيد إلى إخبارك بأن محاولاتي كلها فاشلة ولكن ليس ذلك بسبب رغبة الآخرين في قتلي بل بسبب رغبة الدنيا في قتل الجميع بطرق مختلفة .. ما أشعر به أجده بديهيا جدا بوصفه استجابة عمياء لقانون غير مدرك يجعلني أبحث طوال الوقت عن الأمان الكامل داخل مكان أو زمن أو روح أخرى .. الأمان الذي ربما يعني بالنسبة لي الفهم لكل ما كان ولكل ما يجري وبالطبع لكل ما يمكن أن يحدث بعد ذلك في حين أن الحكمة التي لم تنتهي إقامتها في الفضاء الخارجي لا تسمح أبدا بهذا الفهم .. كل ذرة من جسد الكون ليست سوى جحيم متنكر وشاسع يحتاج دائما إلى ثقتكِ فيه لتسهيل المضغ والهضم ، ولكن على أي حال ـ على أساس أنك لن تجدي أحدا بلا شكوى ـ ما أقوله الآن أريدكِ أن تعتبريه مجرد حكي لأزمة شخصية بسيطة أو هو نوع من كتم الصراخ بكف البوح لأن كفي لا يتحرك إلا في حدود معينة .

 

نشرت بالأمس قصيدة جديدة لي على الفيس بوك .. بعد دقائق قليلة كتب أحد الأشخاص تعليقا يهاجم فيه قصيدة النثر دون التطرق إلى النص نفسه .. لم أرد عليه على أساس أن دفاعه عن قصيدة التفعيلة قديم جدا ولا يستحق التعقيب لكن ما لفت نظري هو صورة هذا الشخص .. كان وسيما جدا على النمط الغربي مما جعلني أتبنى على الفور شعورا بالتناقض بين وجهه وكلامه .. ربما لم يكن هذا الشعور منطقيا لكنه كان بديهيا جدا بالنسبة لي .. اليوم وبينما كنت لازلت مشغولا بهذا التناقض ورغم أن مزيج الغضب والاستفزاز الذي ولّده تعليقه بداخلي لم يصل لدرجة أن يدفعني لاتخاذ رد فعل ضده إلا أنني وجدت نفسي أدخل إلى صفحته وأحفظ صورته على جهازي .. قبل دخولكِ إلى الماسنجر وضعت صورته على أنها صورتي لتحل محل لوحة ” الأحبة ” لـ ” رينيه ماجريت ” التي كنت أضعها كبروفايل لي .. انتظرت حتى انتهيتِ من كتابة كل كلمات الفرح والإعجاب بوسامتي .. كنت مستعدا لأن أرد على هذه الكلمات بقسوة .. بعنف لفظي بالغ يهين أنوثتك .. لمجرد أنك جميلة جدا كأحلامي التي لا يعرفها أحد ، ولأنك لن تكوني قريبة مني أكثر من هذا الحد تماما مثلها .. كنت في نهاية صفعاتي ولطماتي الكلامية سأخبرك أن اسمي الذي يختبيء وراء ” short story” هو فلان الفلاني / اسم الشخص الذي هاجم قصيدة النثر ، وأن هذه هي صورتي لتتذكريني دائما .. كنت أنوي أن أفعل بكما كل هذا ولكنني وجدت نفسي أكتب لكِ كل ما سبق .

* * *

ممدوح رزق

http://shortstory77.blogspot.com/