الموقف حاليا أقرب إلى الفوضى ، تظاهرات في ميادين تتنافر فيما بينها ، ميدان التحرير يحوي الثوار المثاليين يطالب بأستكمال الثورة ، و في المقابل ميدان العباسية يقف على النقيض يريد ان تتوقف الحركة الثورية و أن تعود الدولة إلى حالتها الأولى ، و بين هؤلاء يقف الأخوان في ميدان الأزهر ينادون بتحرير الأقصى !

أشعر أني أقرأ مسرحية عبثية لصامويل بيكيت ، فالكل يتحدث لامنصت ! فلغة التواصل فقدت فاعليتها ، بحور من الكلمات تتلاطم أمواجها ولكن بلا جدوى حقيقية ، فالمجلس العسكري على موقفه من وئد للثورة بأختياره رجل يمكن أن نوصفه بأسلوب الأفلام المصرية في السبعينات ” رجل من زمن فات ” ، فغالبية الشباب الذي يقود الثورة لم يكن قد ولد عندما تولى هذا الرجل رئاسة الوزارة و لن أتحدث عن الفترة الزمنية التي قبلها التي كان فيها وزيرا ، لا يهمني أنه كان مناهضا للنظام السابق في وقت لم يستطع أن يفعل شيئا بل أنه كان جزء أصيل في عمليات الخصخصة التي قضت على الاقتصاد القومي ، و كان أحد المخططين المتحمسين لمشروع توشكى الذي أهدر فيه مليارات الدولارات بلا جدوى حقيقية ، و اليوم تاتي الساحرة الشريرة لتعيد المومياء من الموت للحياة مرة أخرى ، يقف معه متحالفا أو مدافعا عن وجوده جماعة الأخوان تذكرنا على الفور بكتاب الأمير لميكافيلي  فالسياسة لا أخلاق لها و يمكن المتاجرة فيها بكل شىء حتى المبادىء ، لتطرح قضية القدس في سوق السياسة الرخيص بشكل مبتذل أكثر من افلام المقاولات التي أبتلينا بها في فترة الثمانيات.

اليوم الكل يتحدث عن إعادة تأهيل جهاز الشرطة و أنا معهم ولكنه ليس المطلب الحقيقي للثورة بل هو أحد المطالب التي يمكن أن نصفها بأنه مطلب مكمل ، يجب أن نتحرر من بعض المثاليات لتستمر الثورة ، يجب أن نقف وقفة جديدة مع انفسنا ، فكما قلت في الحلقة السابقة أن السبب لما نحن فيه ذلك السيناريو الذي رسمه طارق البشري و لجنته الذي فصل تعديلات لصالح تيار بعينه بعيدا عن الثورة و مطالبها ، و اليوم يواصل ذلك التيار تآمره على الثورة ، فهم بعيدين تماما عن مثاليات الثوار ، فصندوق الانتخابات لن يفرز لنا الأفضل بل سيفرز لنا الأسوء من تيار ديني متعصب يريد العودة بنا لمجاهل القرون الوسطى ، و تيار من المتسلقين اللذين تاجروا بأسم الثورة و صعدوا على أكتافها بعلوا اصواتهم على شاشات التلفزيون ، و في المقابل يقف الثائر الحقيقي الذي ضحى بحياته أو فقد عينيه مدافعا عن حقوقه بعيدا في الظلام لا يعرفه أحد و لكنه مؤمن بموقفه لا يحيد عنه كأنه بطل من ابطال الاساطير الأغريقية ، يحارب بحماسة و قوة رغم علمه أن النصر لن ينسب له و لكنه سيبقى بطلا حالما مدافعا عن آماله.