يغيّر التحرير فلسفة الثورات للأبد، ففي الماضي قامت الثورات للاستيلاء على مقر للحكم، أو الاستيلاء على مبنى له مكان تاريخية أو شعبية أو كليهما، سواء بالسلاح أو بقوة الجموع المتدفقة. أما جموع ميدان التحرير فهي تتمسك دائمًا وأبدًا بالميدان، فهو الذي يمثل عمق الثورة الاستراتيچي بالنسبة للمصريين الثائرين، سواء في ثورة يناير/كانون الثاني أو ثورة نوڤمبر/تشرين الثاني.

لا ينكر أحد المتابعين المحايدين أن ضراوة الأمن المصري في التعامل مع التظاهرات قد تضاعف في ثورة نوڤمبر عنه في يناير، وكأن بين الأمن والتحريريين ثأر زحفوا لتخليصه بأوامر مباشرة من المجلس العسكري، وهذه اللقطة كفيلة لإثارة النقاش حول هذه الحقيقة. وسواء كان هذا ثأر وزارة الداخلية كلها، أو ثأر بعض الضباط بأعينهم، فإن الممارسات التي نشاهدها كل، والتي مارسها ويمارسها الأمن المصري، جيش وشرطة مجتمعين، على مدار ثورتي يناير ونوڤمبر؛ من سحل للجثث واستخدام للرصاص المطاطي والخرطوش وقنابل الغاز لا تعدو سوى جرائم ضد الإنسانية، وقد تُسمّى جرائم حرب إذا ارتُكبت ضد عدو حربي، فما بالك وهي تُرتكب ضد شعب أعزل تظاهر في ميدان مطالبًا يحياة اجتماعية كريمة وحياة سياسية ديمقراطية.

 

محاولات تعليب الثورة

عندما أدى اللواء الفنجري تحيته الشهيرة لشهداء ثورة يناير ممثلًا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة والجيش المصري في فبراير/آب الماضي، كانت إيذانًا بالبداية الحقيقة لاستغفال الشعب المصري والمماطلة لتحقيق مطالب الثورة والرجوع لثكناتهم، لأننا لم نر أي ممارسة ديمقراطية أو شفافية عادلة للمجلس العسكري على مدار أكثر من تسعة أشهر، هي مدة تولّيه السلطة في مصر، بل ولم يُنجز المجلس العسكري أي شيء يُذكر سوى تغيير أرقام التليفونات المحمولة، وتثبيت التوقيت الشتوي، واعتقال أكثر من 12،000 مدني ومقاضاتهم عسكريًا، فكانت مصر تحت إمرة ديكتاتورية عسكرية بكل المقاييس.

حاول المجلس العسكري عبر تسعة أشهر فصل ثورة 25 يناير عن سياقها، وعزل انتفاضة الثمانية عشر يومًا عن بقية العام، وكأن شهداء يناير يختلفون عن شهداء أكتوبر أو نوڤمبر. فباتت نفس التُهم المُعلّبة تردد على آذاننا نهارًا جهارًا، وكأننا مازلنا في شتاء يناير 2011، بأن التحريريين لا يمثلون “الشعب المصري العظيم” “وسائر المواطنين الشرفاء” إلى آخر هذه الخرافات حتى “الله الموفق والمستعان”. بل مارس المجلس العسكري نفس السياسات الفاشلة، وما أشبه الليلة بالبارحة، بدايةً من مسيرة داعمة للمجلس العسكري، وليس نهايةً بوصم التحريريين بمثيري الشغب والبلطجية، وإثارة الشكوك حول أصابع خارجية وملابس داخلية، وكأن ما حدث في يناير كان بمعزل عما يحدث الآن.

إن هذه العقلية الديكتاتورية الحاكمة التي لازالت تستعين بالدمغة لصكّ القوانين وإقرار مناهج التعليم قد خُيّل لها أن محاولات “تعليب” ثورة يناير سوف تمحي أثرها من الوجود، لتستحيل تاريخًا مؤرخًا يردده الإعلام والناس بلا وعي. وبالنسبة للمجلس العسكري الموقّر، فإن ما حدث في يناير كانت ثورة سوف تبدأ مناهج التعليم في تعليبها وحشوها في عقول الطلبة ليس أكثر، بينما ما يحدث الآن ليس ثورة لأنه لا يحدث في يناير!

ولكن الوعي الذي أتلمّسه من المعتصمين بحبل التحرير قادر تمامًا على سبر أغوار تفاصيل الشخصية الديكتاتورية الحاكمة، وكشف أكاذيبها وخداعها الذي لا يتغير، فأبناء مبارك مازالوا في السلطة يتبعون نفس النهج ونفس السياسات. على الأقل، تعلّم المحتجين شيئًا من يناير، وهم يسعون لعدم تكرار أخطاء الأمس، بينما المجلس العسكري، كسائر الأنظمة الشمولية، لم يتعلم شيئًا، ويبدو أنه لن يتعلم حتى يحين سقوطه مثل سابقه ومعلّمه الأول. للمجلس العسكري والتاريخ، محاولات تعليب الثورة المتكررة فاشلة ومفضوحة، إلعب غيرها!

 

الاستخدام المفرط للقوة

إلى يومنا هذا، لم يقدم المجلس العسكري اعتذارًا واحدًا عن أحداث 9 أكتوبر (ماسپيرو) المشينة التي دهست فيها مدرعات الجيش المصري المتظاهرين أمام مبنى ماسپيرو رغم أنه مسؤوليته الكلية عنها، وسوف يرحل قبل أن يقدم اعتذارًا أو تبريرًا لأحداث الثورة المصرية الثانية على أي حال.

بدأت الثورة المصرية الثانية باستخدام مفرط للقوة ضد مصابي الثورة المصرية الأولى الذين اعتصموا في التحرير، ورغم أن أعدادهم لم تتجاوز المئات، ولم يحولوا وتعطيل حركة المرور أو السير، إلا أن الأمن المصري، واستكمالًا لمسلسل الاستخدام المفرط للقوة، قمعهم، مما أدى لتحاشد الآلاف ثم مئات الآلاف على الميدان في مشاهد مماثلة لما حدث في الثورة الأولى. ومع زيادة الحشود، زاد الاستخدام المفرط للقوة مما أعاد لذاكرتي حلقة من المسلسل الهزلي التاريحي “المسرح الطائر” للفريق البريطاني مونتي پيثون (Monty Python)، حيث شبّهوا الاستخدام المفرط للقوة تجاه المدنيين بمن يستخدم الأسلحة لمواجهة الفواكه الطازجة.

ولكن هذا الاستخدام المفرط للأسلحة وقنابل الغاز لم يثن التحريريين عن الميدان، وسط حكايات يتداولها البعض عمّا يسطّره هؤلاء المتظاهرين من ملاحم في مواجهة أجهزة مدرّبة ومسلّحة. ويبدو أن الثورة المصرية هي كما وصفتها إحدى المغردات على تويتر أنها “شتوية الهوى!”

 

أسطورة اختفاء الداخلية

يشتكي كثير من المصريين بعد الثورة المصري من غياب الأمن من شوارع مصر، خاصةً منذ تبخّر أجهزة الأمن المُلفت والمُلغز يوم 28 يناير. ولكن ما حدث على مدار الأيام الماضية أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن وزارة الداخلية المصرية القديمة مازال حيّة تسعى وتلدغ أعين المصريين، وتعتقلهم بتُهم مُلفّقة، بل وتسحل جثثهم لتواريها بين القمامة.

 

فضّ مولد الانتخابات

لم أشك يومًا أن المجلس العسكري سوف يرسب بالثلاثة في اختبار الانتخابات القادمة كما رسب من قبل في كل الاختبارات أمام الشعب، ولكن لم يمهله الوقت ولم يسعفه التاريخ لإضافة وصمة جديدة على جبينه، لأن انتخابات مجلس الشعب المصرية، التي كان مزمع إجرائها في آواخر شهر نوڤمبر الجاري، سوف تُؤجل لأجل غير مسمّى وفق تحليلي للأوضاع حاليًا. فكيف ستُجرى انتخابات بينما يُقتل المتظاهرون العُزّل وتُفقع أعينهم ويُصاب منهم أكثر من ألف شخص؟! هذه أجواء ثورة ثانية نعيشها الآن، وما الانتخابات سوى إجراءات تتسم بالشفافية والحيادية والديمقراطية لاختيار ممثلين عن الشعب، يتسم فيها أن تُجرى في جو من الأمن والأمان، بحيث تنعم الشوارع والمدن بالوسط المثالي لإجراء مثل هذه الانتخابات. وهل سيفوت المجلس العسكري أن إجراء انتخابات نزيهة سوف تأتي بممثلين حتمًا سيقاضون المجلس لانتهاكاته الجسام في حق المتظاهرين؟! أمّا الانتخابات في جوهرها فهي منافية كليًا للحالة الثورية التي نعيشها الآن، وتحت قيادة حكومة هزيلة شبه غائبة أو فاقدة للوعي. أمّا إذا أصرّ المجلس العسكري، وهو أمر شبه مستحيل، على إجراء الانتخابات في موعدها، فأنا شخصيًا، وكثير مثلي، سوف أقاطع الانتخابات التي سوف تصبح هزلية وقتها في ظل الأوضاع الراهنة.

 

الإسلاميون فين؟

كان لسمير غانم، الفنان المصري، تعليق قديم في أحد أفلامه يقول فيه “هي الكورة فين؟!” ينطبق هذا التعليق تمامًا على القيادات الظلامية التي تعمل كذيول متحركة للمجلس العسكري لحصد مقاعد الانتخابات. أتمنى أن تكون الرسالة قد بلغت الشعب المصري الطيب، أين الإسلاميون من التحرير؟! حيث أنهم “خلعوا” ورفضوا التوجه للتحرير حتى لا تخسر هذه التيارات الودّ مع المجلس العسكري. أتمنى ألا تعطيهم صوتك، أو أذنك، في أي المستقبل.

 

ماسپيرو مات (#MasperoMat #OccupyMaspero)

أخذ الإعلام الرسمي الموجّه يردد نفس الإشاعات القديمة، والتي أثارت فتنة طائفية بالأمس القريب، والآن تثير البلبلة وتروج دعايات رخيصة للمجلس العسكري، ولكن “الطبلة” الكبيرة التي تُدعى ماسپيرو قد خُرمت خُرمًا كبيرًا وللأبد، وأمست جثة هامدة لا تغني ولا تسمن من جوع.

وما أدلّ من الكوميديا السوداء حين يُصاب مصور التلفزيون الرسمي بعيار في كتفه، وسط تكذيب التلفزيون نفسه استخدام قوات الأمن لأي رصاص!

ثم يعلن التلفزيون المصري أن “المجلس العسكري يأمر قوات الأمن باتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين المتظاهرين” في نكتة سخيفة وثقيلة الظل، وهو ما يثبت ضحالة فكر وانعدام رؤية الشخصية الديكتاتورية، وعوزها الشديد للإبداع.

أترككم مع الصورة التالية التي التقطتها لتركيب فني في معرض تحت عنوان “ماسپيرو” في شهر يونيو/حزيران الماضي، ولمن لا يعلم، فماسپيرو هو مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون “المصري” الحكومي:

 

لافتة المقبرة تقرأ "ماسپيرو (1960 - 2011)"

تابعوا أحداث الثورة المصرية الثانية بالصور والمقاطع المرئية على صوت (مصر) على موقع كراود ڤويس: