أعتبر نفسى مراقباً محايداً فى الفترة من 2006 وحتى اليوم. فأنا مواطن مستقل، لا أنتمى إلى حزب أو جماعة، ولكن إلى الوطن ككل، أستقى من الفكر الذى أراه مناسباً، أياً كان منشأه، وأرتأى فى عملى، مصلحة بلادى، وفقاً للمتغيرات. ونظراً لعملى فى البحث والدراسة، حول مصر والدول المحيطة، فقد تمعنت النظر إلى داخل مجتمعات تلك الدول، ووجدت أن إحدى أعمق مشاكل مصر، من منطلق المقارنة والتحليل العميق، تكمن فى تيه المعانى، بحيث تُعرف الأشياء بما لا يعبر عنها. فتجد الديمقراطية وقد أشير إليها على أنها سب الآخر أو التعرض للحكومة فى الفاضية والمليانة، والدين وقد عُرف على أنه مجرد عقيدة دون عمل، والعلمانية وقد عُرفت بأنها مساوية للإلحاد بعيداً عن الفكر والمنطق، والتعليم وقد عُرف فى نظر الكثيرين بأنه مجرد الحصول على شهادة أو للارتقاء الاجتماعى وليس العلمى!

وبالتالى، أصبح هناك فوضى عارمة فى فهم المجتمع للمعانى المجردة للأشياء، لتنتقل الفوضى إلى الفعل، وتؤسس الأعمال على الفاسد، مما يؤدى إلى تخبط جارف لا يحمل للمنطق عنواناً. وتبدأ حروب تطاحن فى المجتمع، فيما بين المواطنين، الذين يتفرقون إلى مدارس مختلفة، بناءً على التعريفات القاصرة، ولا نلتفت لإعادة التعريف، ولكن نمضى فى تلك الحروب، وكأن التعريف قد حُسم، وكأننا نقف بالأساس على أراضٍ صلبة، يجب الانطلاق على أساسها من أجل الإصلاح، ولكن هذا مستحيل فى ظل تيه المعانى، لأننا نتكلم من منطلق أوصاف، لا تمت للمسميات الأصلية بأى صلة.

وبينما الحال كذلك، يعبث البعض بحال الوطن، خالقاً فوضى جديدة، خالطاً ما لا يمكن خلطه بشكل ينتج عنه وحش كاسر، يمكنه أن يدمر وئام الخليقة على أرض الكنانة. فيخرج علينا من يقارن الوطن بالدين، بينما هما متوازيان، لا يمكن مقارنتهما، إلا من قبل عقل جاهل أو مريض. ويتساءل: أيهما يأتى أولاً، الدين أم الوطن؟ وكأنما يقول: أيهما يأتى أولاً: القلب أم الرئة؟ فإذا انتزعنا إحداهما، هل تستقيم الحياة؟ هل يمكن وضع تساؤل بمثل هذا الغباء؟ إنه سؤال، يطرح نفسه لخلق مزيد من الفوضى واستغلال أزمة يعانيها المواطن قبل الوطن. والدين والوطن متماشيان، لا يمكن الاستغناء عن أحدهما، وإلا سقطت الكينونة كاملة!

إلا أن إعلاء دين فوق دين آخر، يحمل فى طياته، أيضاً، خطاب يفرق الأخوة، ولا يجمعهم، ويخلق حرباً أهلية صامتة، سرعان ما تلتهب، ومن ثم يأتى الخارج لنصرة فريق على آخر. وبالتالى فإن المقارنة المغالطة بين الدين والوطن، سرعان ما تجتذب الخارج، فى نتيجتها النهائية، وتصبح الأرض ميدان معركة، ليس من أجل الدين، ولكن الحياة والوطن! وبالتالى، فإن عقلانية الأشياء، تكمن فى إعلاء قيمة “الدين لله والوطن للجميع”! فالدين ما لم يخدم الوطن، أصبح لا دين، والوطن ما لم يخدم الدين أصبح لا وطن! وبالتالى نعود لتيه المعنى والفوضى والتخبط، وتنشب حروب الكلمات، التى لا يمكنها أن تبقى حروفاً على ورق، ولكن تنطلق من الأوراق إلى حيز المكان ثم الأرواح، وبالتالى يفقد الدين سماحته ويفقد الوطن اطمئنانه وأمنه!

إن الوصول إلى تيه المعنى، كان وسيظل، بسبب تاريخ من التلقين والحفظ، على حساب الفهم والتحليل، إلى جانب خلط واضح بين الدين الثابت والسياسة المتغيرة. فما أن ينطق أحد العلماء ذو المكانة، وإن كان مخطئاً، حتى يسجد الناس له، وكأنه لا ينطق عن الهوى. ويصبح ما يقوله، هو المنطق الوحيد، الذى لا يشوبه منطق آخر، والذى لا يمكن أن تسقط أطروحته، ولو كانت تلك الأطروحة مسببة للفوضى والفساد وسوء المنهج والتحليل والانتقائية فى الشرح. والغريب أن معظم أنبياء هذا الزمان، ليسوا من المتخصصين فى شأن ما يعرضونه. فتأتى ممثلة توقفت عن التمثيل، تحدثنا عن الفقه الدينى. ويأتى صحفى هُمام، يحدثنا عن تاريخ الشرق الأوسط. ويأتى مدرس لغة عربية، ليصبح صحفياً كبيراً. ويأتى لاعب كرة ليصبح منظراً سياسياً. وهكذا تمضى الفوضى لتصبح هى الأساس، وترسخ تيه المعانى، لنتنازع على أمور، ليست هى نفسها مبدأ ما انطلقنا منه!

وغريب حقاً، أن ننطلق من الحديث عن أشياء، لنصل إلى النقيض. فنبدأ الحديث عن الدين، لننتهى بالفتنة، والعلمانية لننتهى بالتكفير، والديمقراطية والحوار لننتهى إلى الديكتاتورية والسب والتعليم لننتهى إلى الجهل. بل نبدأ الحديث عن الوطن الضام، لننتهى إلى التخوين وتهم العمالة!!! وهذا كله لن يؤدى إلى شىء، غير هزيمة الإنسان وكفره بكل القيم، بما فى ذلك الدين! إننا نلعب معاً، جميعاً – وليس فقط حكومة ومعارضة – لعبة، نتائجها قد تكون أسوأ مما يمكن تصوره! إن النتيجة قد تأتى على كل شىء، ولن يفيد وقتها الندم!

يجب وقف الخلط الواضح، ما بين الأشياء. لا يمكن أن نخلط الدين بالسياسة مهما قال القائلون. فكلُ يقوم على خبرة ما. فلا يمكن أن أجعل رجلاً درس الدين طيلة حياته، ينصحنى فى الشأن السياسى. فالسياسة تقوم على الخدعة التى لا يمكن للدين أن يقوم عليها، وإلا أقصينا أهم مزية للدين، وأصبح مشوهاً، ولا يمكن أن تقوم السياسة على الخط المستقيم الذى يقوم عليه الدين وإلا أصبحت سذاجة، وهكذا تضيع مصلحة وطن بأكمله على أساس تعنت البعض، ضد استنارة البعض الآخر.

والحل عندى، لكل ما سبق، يكمن فى إعادة تعريف المصطلحات، بما يفيد التطبيق. يجب إقامة مؤتمر يمكنه أن يعيد تعريف كل المصطلحات الفارقة فى المجتمع اليوم، فى جوٍ منفتح وتعددى النظرة. لا يمكن اعتماد مدرسة الفكر الواحد، وإلا أصبح المؤتمر أحد مظاهر تيه المعانى. كما يجب أن يتميز المؤتمر بالبحث فى الجوانب المتعددة التى تؤدى إلى تيه المعنى ومعه المجتمع. يجب أن نلجأ إلى الإخلاص فى الطرح، وليس إقامة “شو” إعلامى لمجرد إظهار أننا نقوم بشىء لحل مشكلة أمة، هى الأمة المصرية الخالدة.

إن أنسب الأماكن لإقامة مثل هذا المؤتمر، هو مكتبة الإسكندرية، لأنها منارة للفكر والتنوير فى أم الدنيا والعالم المحيط، على مر الزمان. إلا أن هذا المؤتمر يجب وأن يتميز بكونه وطنى الطرح، يشترك فيه المصريون من شتى النحل الفكرية والسياسية والدينية، ويأتون ليتناقشوا وفقاً لبرنامج، وليس وفقاً للأهواء، أو لاستغلال الدين أو السياسة. ويخرج عن هذا المؤتمر كتاب تعريفى، بالمصطلحات المهمة والفارقة فى عمل الأمة نحو النمو والرخاء وحل أزماتها ومشكلاتها المزمنة، على أن ينعقد كل عام على المستوى الوطنى الواسع. أما الاستمرار فى طريق التيه، فإنه سيؤدى إلى ما لا يُحمد عقباه، وإلى تفتت الوطن وانتهاء التاريخ فى أرض المحروسة، والاستمرار فى معركة عبثية لا تخدم إلا الخارج المترقب.