انتهت النظام البعث الذي حكم جمهورية العراق حكم البلد منذ 1968، في ربيع 2003، وذلك بجهود القوات العسكرية الأمريكية الأنجليزية الذي في 9 نيسان. دخلوا بغداد لأنهاء نظام حكم البلد بيد من الحديد والنار وكان يظن أنه سيحكم البلد أكثر مما يتوقعهُ الشعب أو العقل وحتى المنطق، وبهذا الولايات المتحدة الأمريكية في زمن جورج بوش الأبن وضع حداً للحلم صدام حسين رئيس الأسبق للعراق.

اليوم وبعد مرور أكثر من ثمانية سنوات من التحرير والأحتلال لأننا لحد الآن لم نتفق على صيغة دخول القوات العسكرية للعراقً. لأنه من جهة حررنا من بطش دكتاتور بقي على صدورنا لعقود. وفي نفس الوقت القوات الغازية وضعوا أنفسهم في موضع الأحتلال.

سياسيين اليوم كثيراً ما يتطرقون الى إن الوضع العراقي غير ملائم لتنفيذ المشروع الفدرالي أو تعديل بنود الدستورية الذي صوت حوالي ثمانون بالمئة من الشعب لصالحها. وحتى تطبيق بعض البنود منها. بدون ذكر إن السبب من وضع الدستور الحالي هو إدارة البلد في زمن الأزمات و معالجة المشاكل التي تراكمت منذ تأسيس الدولة العراقية ليومنا هذا.

ونرى اليوم بعض المحافظات ويومياً تزيد عددها تطالب بتحويل المحافظة الى أقليم مستقل ( إدارياً وأقتصادياً) عن الحكومة المركزية في بغداد، وذلك بعدما رأت نفسها مهمشاً و بعيد عن أتخاذ القرارات، وأبرز المحافظات التي اعلن تحويلها الى اقليم هي محافظة صلاح الدين في شمال بغداد العاصمة ومركزها مدينة تكريت (مسقط رأس رئيس المخلوع) ، وذلك في أجتماع أستثنائي جرى يوم (27 تشرين أول / أكتوبر) الماضي، وبعدها خرجت مظاهرات مؤيدة للقرار أيضاً.

في الجهة المقابلة رئيس مجلس الوزراء تسرع في القرار ورفض فكرة تحويل المحافظة الى أقليم، ونوهة انه رافض الفكرة لسبب “بإن هذا الأقليم سيصبح بؤرة لملمة الأرهابيين والبعثيين الراجعين من سوريا، ليبيا واليمن”!!.

قبل التطرق الى تصريح سيد الرئيس الوزراء، حول توقعاتهِ لمستقبل المدينة، أود بالذكر على نقطة معينة وهو حسب بنود الدستورية وخاصة المادة ( 119) التي تنص. يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين أقليم بناء على طلب بالأستفتاء عليهِ، يكون بأحدى طريقتين:

اولاً: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الأقليم.

ثانياً: طلب من عشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الأقليم.

يعني يحق لكل محافظة التي لم تنظم في إطار اقليم ان تطالب ان تكون لنفسها اقليم خاص بهِ، وحسب الدستور العراقي ينظم هذا الأقليم بدستور وقانونين خاصة بهِ.

وارجع الى الى تصريح نوري المالكي رئيس مجلس الوزراء العراقي حول مستقبل مدينة صلاح الدين، بداية مقال ذكرت بإن تأجيل المسائل العالقة في الساحة السياسية سيؤدي الى تأزم الوضع أكثر من اللازم، أود أن أسأل سيادة الرئيس كيف علم بتجمع البعثيين والأرهابيين وغيرهم التي تراه الحكومة من المنحرفين للسياستهِ في عمق محافظة صلاح الدين (تكريت)؟.

هل يكفي بأن يكون تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كافياً لكي يكون مركزاً لتخريب و التدمير لباقي العراق!؟، هل كل مسقط رأس رئيس هو بنفس المقياس العراقي، يجب ان يكون مهمشاً وبؤرة الأرهاب؟، هل من الممكن معاقبة مدينة لأنها اولدت رئيساً دكتاتورياً؟ .

اجدر لرئيس الوزراء العراقي (الشيعي) عدم التطرق الى هذا الموضوع ويصف مشروع اقليم صلاح الدين بمؤامرة (سنية) وتدخلات احنبية، لأنهم في الأمس وخاصة قبيل الأنتخابات التشريعية العامة لمجلس النواب عام 2005 كانت الأحزاب السياسية واسميها بالذات (شيعية) كانت تطالب بتأسيس أقليم الجنوب والفرات الأوسط( خاص للشيعة بعيداً عن سيطرة بغداد عليها وكانت مخاوفها بعدم حصولها على مقاعد تخولها بتشكيل حكومة أو حصولها على مستوى يحق لها نقض قرار الإبتوافقات سياسية). وكانت الكتلة العربية (سنية) رافضة لتأسيس أقاليم أخرى. وياسبحان الله مغير الاحوال من حالٍ الى حال.

بعد طلب مجلس محافظة صلاح الدين، طالبت محافظة الأنبار ايضاً بتأسيس اقليم وهددت محافظة نينوى (موصل) أيضاً بالمثل، هل كلها اصبحت فجأة بؤرة الأرهابيين وحتى المحافظات الجنوبية عندما كانت صامتة في الأمس القريب اليوم بدأت بمراجعة قراراتها وقبل عدة ايام مسؤولي محافظات الجنوبية كالبصرة، ميسان، ذي قار، والمثنى، وقد ينظم اليهم كل من محافظة النجف وكربلاء الى طرح فكرة أنشاء اقليم الجنوبي في العراق.

المشكلة في العراق ليس بتأسيس الأقليم أو تمزيق العراق حتى. بل جوهر القضية هي صلاحيات رئيس الوزراء وخاصة عند المالكي زعيم الكتلة البرلمانية الحاصلة على 89 مقعد نيابي (دولة القانون). لأن كلما تأسست اقليم واستقلت عن بغداد في نهاية المطاف ماذا يحكم سيد الرئيس الوزراء مدينة بغداد فقط!.

الشعب العراقي بكل أطيافها ومكوناتها الأجتماعية الأثنية وحتى المذهبية منذ تأسيس الدولة العراقية، تعاني من المركزية والروتين المميت وهذا المركزية ادى الى ظهور دكتاتوريات ومفسيد وعابثين بالأرض بكل اتجاهاتها. وزعيم دولة القانون من ضمن السياسين الذين يحلمون بشخصية صدام حسين و إعادة حكمهِ ولكن، بشكل آخر وهي الدكتاتورية الحديثة وبسط نفوذ حكمهم على البلد بدستورية وقانونية وحتى عبر الأنتخابات التشريعية.

كلما ظهرت صوت من احدى المحافظات العراقية، نرى معارضين وسياسيين انتهازيين يحللون القضية بكل جوانبها ويحكمون بالإعدام عليهِ حتى قبل ولادتهِ. وتوصف المشروع بالطائفية و مؤمرات خارجية هدفها مس الوطن المقدس.

في الإمس راهنوا كثيراً على مستقبل أقليم كوردستان واقتنعوا بإن مصيرها الفشل والأقتتال بين الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة، ولكن اثبتت انه انجح مشروع في العراق الجديد يمكن تطبيقهُ على محافظات اخرى التي غير منتظمة في اقليم. بشريطة ان لاتكون مبنى على اسس العاطفية او اسس مذهبية، بل بأسس مصالح مشتركة بين هذه المحافظة.

لايمكن الأمساك بمركزية الدولة ومراعاة كل المشاعر في آن واحد، وفي نفس الوقت هذا البلد انهكتهُ الحروب والجوع وعلى الدولة إعادة برمجتها سياسياً وأقتصادياً وحتى اجتماعياً، علاجها هي تنظيمها في اطار اقاليم وإداريات مستقلة حتى يمكن تسهيل عملية توفير الخدمات وبناء المشاريع الأستثمارية كما حصلت في الأقليم وتسهل على الدولة العمل ضمن قوانين اتحادية.

لو افترضنا العراق غير منتظم ضمن اقاليم ومجالس محافظات، بل كانت مركزية كما كان الحال زمن حزب البعث المنحل (1968 – 2003)، كيف كانت الخدمات وكيف يمكن التوازن في توزيع الثروات؟. الجواب بسيط جداً وهو فاشل وغير موزون وحتى غير عادل. ومثال على ذلك العراق بعد تسعينات القرن المنصرم.

السياسيين الذين كانوا في منفى سنوات عدة لم يتعلموا شيئاً لامن سياسية و لامن حالة الدول الذي كانوا يقطنونها، بل همهم كان كيف يمكن نهب البلد وعمل كسمسار بيع كوبونات نفط و ملء الجيوب الفارغة بعائدات النفط الهائلة.

ومن جهة اخرى وقبل عدة أيام ارسل فخامة رئيس الجمهورية جلال الطالباني مشروع لترسيم الحدود الإدارية لمحافظات العراقية ومن ضمنها المناطق ( المتقطعة و المتنازع عليها) بين الأقليم والحكومة المركزية، وأهمها « كركوك وصلاح الدين وديالى و ميسان »، وحتى هناك مشاكل إدارية بين محافظتي كربلاء والأنبار، وكذلك دهوك وموصل وحتى اربيل مع موصل، المهم من بين 18 محافظة عراقية لايوجد محافظة اليوم ليس لديها مشاكل مع جارتها الأخرى، وقد وصل الحال نستطيع أن نقول كلها واقعة في مشلكة مع بعضها البعض. وكان هذا العمل جزء من سياسية البعث لتقليص و تكبير مساحات المحافظات و خلق بلبلة قانونية وإدارية بين محافظات العراقية حول صلاحيات و حدود المدينة الواحدة.

المشروع المطروح من قبل رئيس الجمهورية والذي وصل الى مجلس النواب ظهرت آراء مختلفة و متضاربة من قال بإن الرئيس العراقي يتصرف كمزاج ” كوردي”!! وليس كعراقي سبحان الله  الكوردي غير عراقي ، وهناك من قال « الوضع غير ملائم يجب طرح هذه الفكرة بعد الإنسحاب الأمريكي من العراق بعد نهاية السنة الحالية، ورأي آخر يفيد هذا المشروع سيمزق العراق تمزيقاً!! ». أقولها بفصحى عربية ( ياللهول العراق يتمزق إرباً و بماذا اجرمنا بحق هذا البلد المقدس!!).

المبررات و الآراء عن توقيتات غير مناسبة، كلها أعذار غير واقعية وكما يقول المثل « العذر اقبح من الذنب»، وهذا هو حال مسؤولي العراقيين في البلد. لايستطيعون توفير ابسط خدمة للمواطن فيأتيك بمئات الأعذار غير المبررة وحتى غير مقنعة بالبتة.

كما ذكرت سابقاً الدستور هي عملية تنظيم دولة وادارتها وفق مبدأ الأتفاق بين الشعب والحكام وهو ينظم بقانون كما ذكره الدستور، والمقصود بكلامي إذا حاكم أو رئيس لم يكن بمقدورهِ تنفيذ مطاليب الشعب عليهِ التنحي هذا اضعف الإيمان في النظام الديمقراطي كما نراه يومياً في البلدان الغربية الذي نتهمهم الكفر و الأمبريالية و الصهيونية وإن لم تنحى لايختلف عن دكتاتوريات اخرى حتى لو وصل الى سدة الحكم عبر صناديق الأقتراع.

صحيح إن الدستور بنودها مختلفة عن بعضها البعض منها مطاطية ومنها جامدة وابسط على ذلك، هناك مادة جدلية في الدستور طرف يتشبث بها وطرف آخر يتهرب منها وهي المادة 140 الخاص بالمناطق المتنازع عليها والتي تنص :

اولا: تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الأنتقالية بكل فقراتها.

ثانياً: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الأنتقالية والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة تمتد وتستمر الى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور على أن تنجز كاملة ( التطبيع، الأحصاء وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة اقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الأول سنة الفين وسبعة.

انتهت سنة 2007 ولم تتحرك الحكومة وفق اي بند من بنود الدستور لا خاصة بأنشاء اقاليم ولا بحل النزاعات بين اقليم والمركز، وهذا هي عقلية العراقية التي ترى كلما كثرت حدود سلطتهِ كلما زادت جبروتهِ. وهذا الجبروت مثبت في عقلة الفرد العراقي وكلنا مصابون بهذا المرض.

وابسط مثال على ذلك كلما تسأل الفرد عن نوعية الحكم الأمثل للعراق، تراه يتطرق الى مثاليات وعن اسس جمهورية افلاطونية وغير موجودة في الكون، وفي حال اعطيتهُ المهام ادارية أو اي عمل ينجزه ستراه اما يتهرب منه او ينجزه بنقص ويتهمك بالتقصير و عدم المعرفة.

السؤال المطروح اليوم متى تستب الأوضاع السياسية – الأجتماعية – الأقتصادية في البلد وكم من الوقت سنحتاج الى مراجعة جميع الملفات العالقة بين الكتل السياسية التي لها مصالح من الوضع الراهن؟.

العراق منذ يوم تأسيسها والى اليوم وعبر مبررات غير منطقية نتطرق الى الوضع غير الملائم تارة بأسم القضية الفلسطينية والصراع الأسرائيلي( ونشكر الله على انتهاء هذا المزايدة نهائياً في العراق). وتارة أخرى تحت التهديد الخارجي وحتى مسميات داخلية كمؤامرة انقلابية أو حرب طائفية.

انتهت زمن دكتاتوريات و اليوم على الحكومة المركزية في بغداد أن تدرس حل الملفات المتراكمة على طاولتهِ، والبدء بتطبيق ماكان يردده في السابق من الشعارات ببناء دولة حديثة وديمقراطية و مدنية وحل جميع المشاكل مع الأقاليم و المحافظات.

تكوين اقاليم وسلطات غير مركزية وكذلك مشروع إعادة ترسيم حدود المحافظات العراقية قبل أن تكون طموح كوردية هي قضية عراقية تخص الشعب أكثر مما هي لصالح الأقليم، إن كانت اقليم كوردستان لديها مشاكل مع ثلاث محافظات جارة لها وهو (صلاح الدين مركزها مدينة تكريت ونينوى مركزها موصل و ديالى مركزها بعقوبة)، في الحالة إذا احتسبنا كركوك ضمن أقليم كوردستان لأن الكورد يطالبون بها ويتطرقون اليها كونها مدينة مستقطعة من الجسد الكوردستاني (ولا اود هنا ادخل في جدالات ازلية حول احقية كركوك بين بغداد واربيل فهذا تاريخياً يثبت وجغرافياً تم حسمها).

ولكن مشاكل المحافظات المطالبة باقليم تخص ساكني المدن وكما يقول المثل ” اهل المكة أدرى بشعابها “، ودولة رئيس الوزراء جالس على مقعدهِ في بغداد ومحصن في قلعتهِ داخل منطقة خضراء، لايمكن ان يكون “نوري المالكي” ملماً بكل قضايا السياسية والأقتصادية و حتى الأجتماعية في البلد. لأن سلفه قام بنفس العقلية وفشل فشلاً دزيعاً ونعلم الى اين وصل بهِ الحال.

عندما يأتي مسؤول رفيع المستوى أو عضو في مجلس النواب يتطرق الى حساسية الوضع الراهن في داخل البلد ومرور البلد بأزمات عويصة يجب التكاتف والوحدة من أجل خروج الوطن من هذا الأزمة، يجب عليهم التفكير أولاً من هو سبب كل هذه الأزمات ولماذا ثمانية سنوات لم تتقدم الحكومة بكل مؤسساتها الإدارية والقضائية و التشريعية بحل المشاكل المتراكمة الذي اوصلنا الى هذا اليوم!.

نهاية كلامي هو كافة الدول تتجه نحو اللامركزية وتقسيم المؤسسات الدولة الى جزئيات صغيرة من اجل إيصال خدمات لمواطنيها وعدم تهميش اي بقعة جغرافية داخل البلد، لكن سياسي بغداد على حالهم ويتطبلون على اسطوانة المركزية وتجهيز المؤمرات الجاهزة للصقها على من يعارض طروحاتهم التنفيذية.

كلما رفض المالكي مطالبات مواطني صلاح الدين والأنبار كلما زادت اصوات مدن اخرى تنادي بما بدأه تكريت والنتيجة قد لاتحمد عقباه.