عرف العالم العربي خلال هذه السنة موجة من الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة السياسية العربية الفاسدة ، فهذا الربيع الديمقراطي الزاحف على المنطقة العربية ، خلق حراكا سياسيا و اجتماعيا شبابيا أدى إلى انهيار أنظمة عربية كانت إلى حد قريب قلاعا منيعة للاستبداد السياسي ، و نموذجا واضحا لفساد النخب السياسية التي آثرت الاستفراد بالحكم طيلة عقود طويلة بعيدا عن الممارسة الديمقراطية و تقعيدها كثقافة سياسية متجذرة داخل المجتمع ، تقوم على حكم الشعب و فتح المجال أمام نخب سياسية جديدة للتداول على السلطة و المسؤوليات و تسيير الشأن العام السياسي . لم يكن المغرب بعيدا عن موجة الربيع العربي الذي تحول إلى ثقافة سياسية متنقلة بين الأقطار العربية تحمل مطلبا واحدا هو ” دمقرطة الدولة و المجتمع ” ، و لم يشكل استثناء عربيا كما روج لذلك النظام المغربي ، بل عرف هو أيضا حراكا سياسيا و اجتماعيا كانت شروطه الذاتية و الموضوعية ناضجة و قادته حركة 20 فبراير الشبابية التي حملت في أرضيتها المطلبية 20 مطلبا أفقها السياسي هو الملكية البرلمانية .

كان الإصلاح الدستوري و هو المطلب الملح و المستعجل لحركة 20 فبراير ، مدخلا أساسيا لإعادة بناء عقد سياسي و اجتماعي جديد بين الملكية المغربية و المجتمع ، و بداية حقيقية لإصلاح الحقل السياسي المغربي المتأزم سياسيا و التابع لأجندة الدولة ، و الفاقد لأي ارتباط عضوي بالمجتمع و هموم المواطن ، و كان رد فعل الدولة سريعا على المطلب الدستوري للحركة و هو ما عبر عنه خطاب 9 مارس الذي حدد المرتكزات الأساسية للإصلاح الدستوري، و  استفتاء 1 يوليوز ، و على الرغم من كون الدستور الجديد لا يؤسس لملكية برلمانية قائمة على فصل حقيقي للسلطات ، فيمكن اعتباره بداية لمرحلة سياسية جديدة دخلها المغرب قائمة على ضرورة تنزيل الدستور و تطبيق نصوصه و مضامينه على أرض الواقع، من أجل محاربة كل مظاهر الفساد السياسي و الإداري و المالي التي أضحت مرضا بنيويا ينخر واقعنا السياسي المريض . اعتبر تنظيم الانتخابات التشريعية في 25 نونبر 2011 ، نتيجة لطبيعة المرحلة السياسية الجديدة التي دخلها المغرب تزامنا مع إقرار الدستور الجديد ، و كان يبدو للمتتبعين للشأن السياسي بالمغرب أن الحراك السياسي الذي شهده العالم العربي سيكون له تأثير إيجابي على مستوى تعامل الدولة و الأحزاب مع طبيعة التغييرات السياسية المتلاحقة و خاصة مسألة الانتخابات التشريعية و الإعداد لها ، لكن للأسف فالمؤشرات التي أعطتها الدولة و الأحزاب أثبتت أن نعيش عبثا في زمن الرداءة السياسية في بلادنا.

فالدولة لم تعط أي إشارة حول حيادها في التعامل مع الانتخابات حيث أن حزب الدولة السري – وزارة الداخلية – مازال يتحكم في طبيعة التقطيع الانتخابي و يتفاوض مع الأحزاب السياسية في حين أنه بعد إقرار الدستور الجديد يطرح السؤال حول دور الحكومة و رئيسها المحترم في عملية الإعداد للانتخابات ، و الأكثر من هذا يبدو من خلال تتبع خيوط تشكيل بعض التحالفات الحزبية الهجينة الأخيرة بروز دور و تدخل غير مباشر للدولة في تشكيلها رغبة منها في التحكم في الخريطة السياسية المغربية . فالتحالف الجديد الذي أسسته 8 أحزاب لا يوجد بينها أدنى توافق سياسي و لا إيديولوجي ، إلا كون بعضها هو أحزاب إدارية يمينية خلقتها الدولة في وقت من الأوقات لمحاربة أحزاب الصف الديمقراطي ، و بعض الأحزاب اليسارية التي فقدت بوصلة انتمائها لمنظومة اليسار، هو محاولة لإعادة رجوع الوافد الجديد حزب الأصالة و المعاصرة إلى الساحة السياسية تحت غطاء هذا التحالف بعض الضربات التي تعرض لها مع الحراك الشبابي الذي خلقته حركة 20 فبراير .

إذا كانت الدولة قد تعاملت مع منطق الانتخابات بمنطق التحكم في خيوطها و تشكيل ملامحها ، فإن أحزابنا السياسية للأسف لم تستوعب أن العالم العربي يتحول و يتغير ، و لم تجسد التغيير استجابة لمطلب الشارع المغربي بضرورة إحداث قطيعة حقيقية مع المرحلة السابقة التي تسببت في استشراء الفساد في مشهدنا السياسي ، فطريقة تدبير الأحزاب للتزكيات الحزبية في الدوائر المحلية و اللوائح الوطنية عرفت عودة نفس الوجوه الفاسدة التي طالب الشباب المغربي برحيلها من المشهد الحزبي و المؤسسات المنتخبة لأنها تشكل لوبيات للفساد و استغلال النفوذ و السلطة ، في حين أن الأحزاب كان بإمكانها بعث رسائل واضحة للمجتمع على أنها فهمت التحولات المتسارعة التي يعرفها مجتمعنا من خلال اختيار الوجوه الشابة للنزول إلى الميدان الانتخابي و الاحتكاك بالمواطنين ، لكن للأسف فأحزابنا تعيد نفس أخطاءها القاتلة و تكرس الوجوه القديمة . بدون شك فإن تكريس الدولة لمنطق الريع السياسي داخل الأحزاب و تحكم منظومة الشيخ و المريد داخلها ، هو الذي سيعيد نفس الوجوه القديمة إلى مؤسسة البرلمان و سينتج الوضع السياسي السابق و سيجهض أي أمل في إفراز تحول ديمقراطي حقيقي ببلادنا ، و سيكرس خطاب المقاطعة الانتخابية كرد فعل شعبي على واقع سياسي سوريالي.

إننا فعلا نعيش زمن العبث السياسي فكيف سنتخيل مؤسسة تشريعية حقيقية بوجوه انتخابية غير قادرة على التشريع و ضمان الدفاع عن التأويل الديمقراطي للدستور ؟ و كيف نريد ممارسة سياسية سليمة في ظل مشهد سياسي متأزم ما بين أحزاب مغربية تتحول في الانتخابات إلى دكاكين انتخابية همها الأساسي هو استقطاب الأعيان و أصحاب الشكارة ، و دولة مازال تتعامل مع الانتخابات بمنطق التحكم فيها و تكريس ثقافة الريع السياسي و هندسة الخريطة السياسية و التحالفات الحزبية ؟ ورغم أننا في زمن العبث السياسي و قد أكون جد متشائم في رؤيتي للمستقبل السياسي لبلادنا ، فكلي أمل في مغرب طموح يسع لجميع أبناءه ، و مؤسس لمشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي ينعم فيه المغاربة بالحرية و الكرامة و تكافؤ الفرص تحت عباءة دولة الحق و القانون .