في وقت تكتظ فيه انتفاضات الشعوب في المنطقة العربية مطالبة بالحرية و العدالة الإجتماعية و إنهاء استبداد و استغلال الأنظمة القمعية لمجتمعاتها، نجد تضارب بين رؤى و أيدلوجيات عدة لمفهوم الحرية. فهناك من يطالب بدولة إسلامية حيث ينظر الإسلام السياسي لنفسه على أنه المشروع الأنسب الملائم لمجتمعات يدين أغلبها بالإسلام، و بذلك يقوم بإلغاء كل من لا يشاركه في معتقداته و في رؤيته و سياسته المحدودة التي لا تختلف عن الأنظمة المستبدة اللاجمة للتفكير الحر.

و من أجل تحقيق مشروع الإسلام السياسي تكون البداية بأسلمة الحياة اليومية للمجتمعات و الدخول في جميع تفاصيل الحياة اليومية للتمكن من استعباد الفرد و استسلامه لكل ما يفرض عليه من قبل من يلقبون أنفسهم بعلماء الإسلام. فمفهوم الفرد في الإسلام الاجتماعي و السياسي، يعتبر جزءاً غير منفصلاً عن الكيان الجماعي، فلا يحق للفرد أية حياة أو قناعة فردية خارجة عن اطارها الجماعي المنصوص عليه، أي لا حرية للفرد خارج النصوص الدينية المسلم بها. أما من ناحية المساواة و العدالة بين الأفراد، فنجدها لا تتناسب مع حقوق غير المسلمين إن كانوا من أصول إسلامية اختارت أن تتبنى منطقاً مختلفاً عن المنطق الديني، أو إن كانوا ينتمون إلى أديان أخرى. ذلك ان الإسلام السياسي قام بتقسيم العالم الى قسمين: الأول و هو عالم المسلمين؛ و الثاني هو عالم غير المسلمين و الذي يتوجب على المسلمين اخضاعهم لنفوذهم و هذا ما نسميه بالإسلام السلفي أو الأصولي الذي لا يعترف بحق الآخر المختلف عنه. و هنا أيضاً نجد عدم توافق منظومة الحقوق التي يتبناها الإسلام السياسي مع حقوق من يختلف عنهم.

دعونا ننظر الآن الى الأيدلوجيات الأخرى و التي تفتقد لقاعدة شعبية كبيرة، مثل القوميين العرب، فهم أيضاً لا يمتلكون المكون النظري الملائم لتطبيق العدالة و المساواة بين الجماعات الأثنية المختلفة عنهم، فشعاراتهم تقوم بإلغاء أثتيات و أعراق مختلفة تتواجد في هذه المنطقة. فالأكراد و الأمازيغ و غيرهم، لهم الحق بالتمتع و الممارسة لخصائصهم و موروثهم الثقافي و لغتهم المختلفة.

قبل التطرق لمفهوم الحريات و العدالة، دعونا ننظر الى العناصر المختلفة التي تجمع الأفراد في مجتمع واحد لتوحدهم تحت ثقافة معينة شاملة لجميع أطياف المجتمع دون أي تمييز، هذه الثقافة الجماعية تمتلك مكونات عقلية أو بتعبير آخر “الكون العقلي”، كما تشمل أيضاً مبادئاً و رموزاً و مصالحاً مشتركة لتقوم بتوحيد الأفراد في مجتمع ما و تخلق لديهم شعور بالترابط و التواصل فيما بينهم.

لكن قبل كل شيئ، علينا ان نتساءل عن “الكون العقلي” أو المكونات العقلية الجماعية التي تجمع الأفراد فيما بينها. تعتبر المكونات العقلية مجموعة صور و أفكار و كلمات متداولة بشكل عفوي و يومي، أي انها جميع الصور العقلية المسجلة في ذاكرتنا الجماعية الطويلة و التي نبدأ بتخزينها منذ ولادتنا عن طريق التلقين الخارجي حيث لا نستطيع أن نتحكم بالعناصر المختزنة و لا بتوقيت ظهورها، و هذا ما يحدث تماماً عند تكرارنا الآلي لشعارات أيدولوجية أو ظهور العوارض الدينية بشكل فجائي عند بعض الأفراد ليتم تحولهم من متدينين متسامحين الى مقاتلين مجاهدين في سبيل الله. لا يعني هذا الكلام اننا أمام حالة استعصاء و عجز كامل أمام جميع الصور التي تبنيناها من الخارج، لأن حفظ المعلومة في الذاكرة الطويلة و استحضارها فيما بعد يتطلب منا موافقة ضمنية على المحتوى العام لها، فيمكننا استحضار الكثير من التمثيلات العقلية المختزنة و طرحها من جديد بشكل واعي كي يتم قبولها أو رفضها مجدداً. و هذا لا يتم إلا من خلال توافر قوانين تتيح للفرد التفكير و التعبير عن أفكاره بحرية تامة مع اعطائه الأحقية في ممارسة النقد لكل شيئ، و هذا ما يسمى بالمساحة الحرة المتوافرة في المحيط الخارجي؛ أما الشق الثاني فهو نابع من الذات و من المساحة الحرة الداخلية لكل فرد، فلكل إنسان قوانينه الخاصة المستقلة و مصلحته الفردية على شرط ان لا تتعارض مع المصالح الفردية الأخرى. لهذا نستطيع أن نقول ان سعينا لإيجاد مصالح مشتركة بين الأفراد أو بين المجتمعات يشكل عاملاً اضافياً في استيعاب الآخر و تقبله.

تعتبر الحياة الإجتماعية مزيجاً من تركيبات نفسية متعارضة فيما بينها، فمنها رغبة التنافس مع الآخر و التي تعتبر القاعدة الأساسية للتطور؛ و من ناحية ثانية، هناك الميل للتعاون مع الآخر و الذي يعتبر أساساً لنمو المجتمع و استقرار وحدته. نلاحظ إذاً ان المصلحة هي أساس الاستمرار، إلا أن المصلحة نفسها تعتمد أيضاً على عامل الذكاء لإيجاد أخلاقيات تضمن حقوق الجميع دون تمييز، فإذا أردنا أن نقوم بتفسير الذكاء، نستطيع أن نقول عنه كما وصفه اخصائي النفس “غاستون فيون” على أنه الفهم و القدرة على الاكتشاف و الابتكار. أذاً الفهم أو بمعنى آخر الوعي لكل ما يحيط بنا من الخارج مع إدراك التركيبة النفسية و تفاعلاتها يعتبر أساساً لإدراك الآخر، من أجل ابتكار ركائز جديدة تجمعنا فيما بيننا، وهذا يعتمد على القدرة في ابتكار مصالح مشتركة بين الأفراد و بين المجتمعات المختلفة. و هذا لا يتم إلا من خلال معرفة أوسع تقوم أولاً بكسر جميع الحواجز دينية كانت أم أيدولوجية و التي تعززان فكرة الاختلاف. فنجد مثلاً ان القوميات تعزز أحقيتها أمام المختلف القومي، و الوطنيات تركز على اختلاف المجتمعات و تميزها، و العصبيات العائلية تعزز اختلاف العائلات على أساس مالي أو وجاهي، و كذلك الأمر فإن الأديان تعزز فكرة شعب الله المختار مع تغيير طفيف في هذه العبارة، فالمسلم يحمد نفسه على نعمة الإسلام و المسيحي ينظر لنفسه كإبن و حبيب للإله و اليهودي اصطفاه الله دون غيره…

جميع هذه المفاهيم تقوم على فكرة التمييز القائمة على اعطاء نفسها أحقية استبداد الآخر و تهميشه، و التي لا تتناسب مع مفهوم المساحة الحرة للأفراد و مفهوم المساواة أمام القانون. من هنا نستطيع القول ان طريق الحرية يبدأ من خلال المعرفة و الوعي، و المتعارضة تماماً مع مبدأ الإسلام السياسي في هذه المنطقة و مع مبدأ القوميات. إذاً الحرية تبدأ من خلال استقلالية تامة في عملية التفكير الغير خاضع لتمثيلات عقلية مختزنة من قبل جهة معينة و لهدف محدد، و ربما يستوجب علينا استبدال الحرية و المساواة على حد تعبير “هنري لابوريت” بالوعي و المعرفة، فهما مفتاح التسامح و التواصل بين أفراد المجتمع و بين مجتمعات عدة، و لربما نستطيع، يوماً ما، الوصول الى مفهوم إنساني يمكنه تجاوز الإنتماءات الجغرافية، و لربما نتمكن أيضاً، يوماً ما، من تجاوز المفهوم الإنساني الضيق ليستوعب مفهوماً جديداً يشمل جميع الكائنات الحية و الاعتراف بحقهم في هذه الحياة.