في فصل قصير من الإعادة السخيفة لسيناريو الانقلاب العسكري لعام 1952 اجتمع بالأمس قيادات عدة أحزاب مع رئيس أركان الجيش المصري الفريق سامي عنان وبعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، اجتماع كان من المفترض أن يجمع في الأصل من دعوا إلي مليونية استرداد الثورة من قوى سياسية وحركات وأحزاب.

كان المشهد الغريب في الاجتماع هو ظهور أحزاب لم تشارك في جمعة استرداد الثورة من الأصل بل وقاطعتها، وزاد الطين بله وجود أحزاب لا يمكن وصفها إلا بأنها امتدادات شيطانية للحزب الوطني الديمقراطي المنحل، ولا أعلم لماذا قبل قيادات الأحزاب المعارضة مجالستهم من الأصل، فكانت بداية الجلسة اعتراف ضمني بشرعيتها.

لم تتوقف فواصل الغرابة عند من ظهروا في الاجتماع، بل استمرت فواصل المفاجآت في جدول أعمال الجلسة الذي تلخص لاحقا في نتائجها النهائية رغم أن العنوان الرئيسي للجلسة كان بحث ترتيبات انتقال السلطة من العسكر إلي المدنيين.

الاستعراض المبدئي لنتائج الجلسة والتي زيلت بتوقيعات قادة الأحزاب دون الطرف العسكري، يعيد إلي الأذهان بقوة تعبير “من لا يملك لمن لا يستحق” حيث يعقد المجلس العسكري اجتماعا يتصرف فيه وكأنة الحاكم الفعلي للبلاد، علي الرغم من أن التفويض الذي حصل علية سواء من الرئيس المخلوع أو من الشرعية الشعبية لم يمنحه سوي إدارة انتقالية مؤقتة لشؤون البلاد كان من المفترض أن تنتهي منذ ما يزيد عن شهر مضي حسب البيان الثالث الصادر عن المجلس العسكري ذاته يوم الحادي عشر من فبراير الماضي، أما في أمر من لا يستحق فإن تغاضينا عن مدي تمثيل تلك الأحزاب للرأي العام، فلابد أن نتوقف عن مدي شرعية توقيع تلك القيادات الحزبية دون الرجوع إلي أعضاء الإدارة العليا لأحزابها.

فيما يتعلق بالمضمون التفصيلي لبنود الوثيقة التي لا يصح حتى وصفها بالاتفاق نظرا لأنها موقعة من طرف واحد، حيث أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يقدم التزاما واحدا بما في الوثيقة من نقاط، بل حتى وإن وقع عليها المجلس العسكري فخبرتنا الممتدة مع إدارته تقول بأنة لم يستطع الالتزام بالمواعيد والالتزامات التي قطعها علي نفسه متطوعا منذ الحادي عشر من فبراير الماضي.

إذا أمعنا النظر في البند الأول من الوثيقة ومراجعة المواعيد المطروحة للعملية الانتخابية ثم الرجوع إلي الإعلان الدستوري، فسنجد أن بقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في السلطة لمدة لا تقل عن عام عمليا قد بات حقيقة لا تقبل الجدل، رغم أن المطلب الرئيسي الذي رفعة المحتجون في ميدان التحرير وكافة ميادين الجمهورية كان فعليا هو البدء الفعلي والسريع لإجراءات نقل السلطة.

أما البند الثاني فلا يعبر إلا حالة من الغباء والإفلاس السياسي تحديدا لدي قيادات القوي المدنية التي حضرت الاجتماع حيث سلمت المقاعد الفردية في البرلمان المقبل كهدية لمرشحي تيارات الإسلام السياسي والحزب الوطني المنحل، بل لا أبالغ إن وصفت هذا القبول بأنة صياغة تحالف انتخابي رابح مقدما بين قوي الإسلام السياسي والحزب الوطني صنعته الأحزاب المدنية ومنحته مجانا لمنافسيها.

وفيما يتعلق بالبند الثالث فلن أستفيض في تحليله نظرا لكوني من النشطاء الذين اعتبروا قانون الطوارئ لاغيا بموجب الإعلان الدستوري دون الحاجة إلي الرجوع للمجلس العسكري أو حكومته.

أما البند الرابع فلا أعتقد أن أحدا من قادة الأحزاب استطاع في الأصل مناقشة الجانب العسكري فيه، فالمحاكمات العسكرية للمدنيين تعتبر أحد غنائم انقلاب يوليو المجيد التي تضعها قيادة المؤسسة العسكرية سيفا مسلطا علي رقاب المواطنين منذ ستين عاما في حال تجرأ احدهم عن انتقاد الذات العسكرية العليا.

وفي البند السادس نجد من العجائب ما يصيب بالغثيان، فالمجلس العسكري وحكومته اللذان لم ينجحا طوال سبعة أشهر في استعادة الاستقرار الأمني يطالبا الأحزاب السياسية الغير حاكمة بالالتزام بتحقيق وتنفيذ الإجراءات الأمنية  بدلا من أن يفرضاها علي جهاز الشرطة المتقاعس عن أداء واجبة منذ أواخر يناير الماضي.

أما فيما يتعلق بالمشاهدة والمتابعة والترحيب في البند السابع فكنت علي وشك الانهيار من كرم وحفاء المجلس العسكري بالمنظمات المدنية المحلية والدولية وكأنها وليمة عشاء أو نهائي كأس مصر، فحتى الآن لا يزال المجلس العسكري يري الرقابة والإشراف الدولي نوعا من انتهاك السيادة الوطنية وكأن المراقبين الدوليين سيأتون بطائرات الميج ودبابات التي 90 الروسية الصنع للرقابة علي الانتخابات.

وعند البند الثامن أصابتني الدهشة واستعدت ذكريات جمعة قندهار العظيمة التي انبرت فيها القوي الإسلامية بكل عنف لفظي وإرهاب فكري علي رفض وثيقة المبادئ الدستورية وكأنها دربا من دروب الإسرائيليات التي تملأ كتب التراث الإسلامي، بل وعادت بى الذكريات إلي ما أبعد حيث مؤتمر الوفاق القومي الذي كان أبرز مشاهدة هو مطالبات أحد أعضاء المجلس العسكري بوضع مميز للمؤسسة العسكرية تحميها من أهواء آي رئيس قادم.

أما خاتمة الوثيقة فكانت المشهد الأكثر درامية في هذا الفصل البائس من سيناريوهات الماضي القريب، حيث يوقع قادة الأحزاب المجتمعة علي وثيقة الاستسلام الكامل للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، مانحين له التأييد الكامل الغير منتقص والتقدير الخالص وكأنه عقد إذعان يضعون فيه الثورة والشعب تحت الوصاية المباشرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.

إلي هنا ينتهي الفصل البائس ليضع الثورة والإرادة الشعبية أمام الحقيقة التي حاولنا الهروب منها كثيرا وهي أننا صرنا في لحظة سياسية حاسمة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولم يبقي أمامنا إن استعدنا من ذكريات الماضي إلا استعادة ما سمي آنذاك بالصمود والتصدي.