كان و لا يزال الجدال الآني حول توظيف الأموال مرتبطاً بمسلسل (الريان) لخالد صالح و ما أدى إليه من نتائج كانت في مجملها لصالح أحمد الريان شخصياً قبل أحد آخر ثم جذبت المزيد من التعاطف مع فكرة توظيف الأموال نفسها و عادت نغمات المؤامرة الصهيونية و المؤامرات الحكومية التي ضربت (الإقتصاد الإسلامي) لتسود الصورة بعيداً عن الحقيقة و لذا فقد قمت بكتابة هذه السلسلة المعتمدة و المستوحاة من الكتاب الأبرز و الأهم في فضح توظيف الأموال كتاب الإختراق لأستاذنا عبد القادر شهيب و كان المردود جيد جداً.

إن هذه الحلقة الأخيرة ربما تمس شئون شخصية و حساسة لكن من الضروري ذكرها و توضيحها فعلى قدر خصوصيتها تكون هامة ما دمنا قد وصلنا لهذه المرحلة من النقاش الذي يعتمد أساساً على مسلسل تليفزيوني خيالي لا يمت للحقيقة بأكثر من 10% على حد تعبير مؤلفه شخصياً.

مبدئياً لا بد من متابعة حلقة برنامج الحقيقة التي إستضافت شكرية الريان لتتحدث عن الأمر كاملاً:

حلقة شكرية الريان ج1 .

حلقة شكرية الريان ج2 .

حلقة شكرية الريان ج3 .

حلقة شكرية الريان ج4 .

حلقة شكرية الريان ج5 .

..

نشأ فتحي الريان في وسط عائلة متوسطة الحال فالأم ربة منزل و الأب لدية محل صغير للأطعمة (مسمط) و كان ضيق الحال كثيراً ما يمر بهم لكنهم بالجملة كانوا مثل أغلب الأسر المصرية فلم يكونوا فقراء بل متوسطي الحال بدون إرث مدخر بإستثناء السكن و المحل البسيط ، كان فتحي يقوم بأعمال هامشية بسيطة و تجارية محدودة بجوار وظيفته في شركة السكر ذات المرتب البالغ 18 جنية بحكم شهادته المتوسطة (دبلوم صنايع) قبل زواجه ثم سفره للسعودية مع زيادة الأعباء و بإلحاح من زوجته شكرية إبنة الحي الجميلة التي أُغرم بها لحد الجنون و غادر إلى الخليج ليبدأ أول بيزنس بجوار عمله في حرس الحدود في بلدة الحجة بالقرب من تبوك  حين بدأ من العام 1976 في تلقي اموال لإستثمارها في السعودية بمفرده و تجارة جزئية بالعملة و تحويل مدخرات المصريين الى عملة مصرية ثم بيع العملة لحسابه الخاص مقلداً تاريخ سامي علي حسن المدرس بالخليج الذي بدأ بنفس الإسلوب ثم صار أشهر تاجر عملة في مصر و إستمر فتحي في هذا محققاً ربح مالي جيد بجوار ربح زوجته من تفصيل و حياكة الملابس .

يبدوا سبب نزول فتحي النهائي لمصر غامض لكن في كل الأحوال حين عاد بالعام 1980 كان مضطراً للعمل في تجارة لم ترضه كثيراً و هي الإتجار بالبيض بعد جمعه من المزارع فجراً على دراجة و بجوار هذا كان عقله يقوده لبداية التوظيف حين قرر في نهايات 1980 إنشاء مصنع صغير للبلاط على أرض شقيقة زوجته (نورا)  ليبدأ في تلقي الأموال لأول مرة بمصر للتوظيف متأثراً بقيام محمد كمال عبد الهادي بإنشاء شركة طباعة محدودة ليوظف الأموال منها لتصير لاحقاً شركة الهلال لتوظيف الأموال و هو في منتصف الثلاثينيات من العمر ثم يشارك شقيقه أحمد في تجارة العملة و معهما أشرف السعد تحت جناح سامي علي حسن أكبر تاجر عملة في مصر متجاهلين تماماً كون هذه التجارة ممنوعة قانوناً و أن هذا المال مضر بالبلاد فالربح كان الهدف الأوحد و حجة موقف الشريعة كانت مبرر خاص للإستمرار في التجارة الممنوعة بغض النظر عن ضررها الفادح بالبنوك و قوة الجنية المصري.

هنا لا بد من انعطاف لحديث شكرية الريان عن زوجها:

* كان (فتحي) ذكي و نشيط دائم التوتر و التكير يقضي 18 ساعة للعمل خارج البيت و لا يعود إلا قليلاً و ربما يقضي إسبوع كامل لا نراه فيه و كان يحب كرة القدم جداً بشكل دفع شقيقه أحمد لتشكيل فريق كرة قدم لعب فيه بنفسه بالاضافة لحبه الشديد لحضور الحفلات و السفر الدائم لخارج مصر*

كذلك بمناسبة عمله بالسعودية يجب الإشارة لكون فتحي عصبي و مندفع جداً و في هذا تقول شكرية:

* إختلفنا ذات مرة إبان عمله بالسعودية فذهب و تزوج من شقيقة زوجة أحمد لعدة أيام ثم طلقها و عاد لي و عدنا للسعودية فقد كانت طباعة حادة جداً*

من السابق نجد نقطة جوهرية ، إن فتحي سريع الإندفاع و عصبي المزاج بشدة لدرجة زواجه من شقيقة زوجة أحمد الريان ثم ندمه و تطليقها و العودة لزوجته و في نفس الوقت يكون هو العقل المحرك لمجموعة الريان فبخلاف ما ورد بالمسلسل كان العقل الحقيقي هو فتحي الريان و بالطبع لأحمد دور أساسي لكن فتحي كان دينامو العمل و صاحب الاستثمارات و جالبها و صاحب العلاقات الشخصية الكبيرة فلم يكن يضيع وقته في الزواج و الطلاق كأحمد او محدود القدرة على الابتكار كشقيقه محمد بل كان دينامو تفكير و عمل أما المسلسل فلأنه كان يتعلق عملياً بأحمد الريان فقد صوره على أنه محرك كل شئ بينما كان فتحي هو المحرك و ربما لو كان أحمد هو من مات و فتحي من عاش لكان المسلسل بنفس السيناريو لكن مع رفع اسم أحمد ووضع اسم فتحي !!

إن المشين في طرح أي شخصية هو الحياة الخاصة لكن من الهام توضيح جزئية الحياة الخاصة لدينامو الريان الشهير فلا مجال للحديث عن أحمد الريان صاحب الزيجات المكلفة و التطليق الأكثر تكليفاً فهو في حد ذاته بالوعة لسحب المال و إنفاقه على النساء (في الزواج) و نحن بالتالي لسنا في حاجة للمزيد عنه لكن الهام هنا بشدة هو فتحي نفسه فعلاقته بزوجته و الادمان هل كانا مؤثرين؟ .. نعود هنا لشكرية الريان (كل الجمل هذه من كتاب الاختراق و مؤرخة و موثقة) :

تقول شكرية:

* حين تزوجت فتحي إكتشفت أنه يدمن المهدئات فلم يكن ينام إلا بقرص أتيفان لأنه لم يكن ينام إلا قليلاً بسبب توتره الدائم و بدأ يحقن نفسه لاحقاً بحقن ستارول و كاتالار فلم يكن ينام إلا بالحقن المخدرة و بعد اخذها يصاب بالتوتر و تزداد حركته ثم ينام ، كان يصحوا من نومه ممسكاً رأسه من الإجهاد و التوتر العصبي *

هذا كان حال رجل يدير مجموعة بليونية في الثمانينيات من القرن العشرين و لنا ان نتخيل كيف كان يتم كل شئ؟ .. إننا من هذا نستطيع تخمين كيف ببساطة خسروا مئات الملايين في المضاربات فالرجل صاحب العلاقات النسائية و الرجل مدمن المهدئات و الحقن و الرجل الموظف الغير قادر على الابتكار لن ينتجوا أفضل من هذا في نهاية المطاف ، لكن هل كانت شكرية الريان بتلك القوة و الجبروت؟

إننا نستطيع التأكيد أن شكرية كانت إلى حد كبير بتلك الصورة في المسلسل بدون نقاط كعلاقتها بإبن النبوي اسماعيل فهي كذبة كبيرة و نقاط الغيرة الشديدة من كل النساء لكن هي كانت بتلك القوة حقاً في تطبيق لقاعدة لكل فعل رد فعل مساوي له في القوة و مضاد له في الاتجاة فحياتها مع فتحي الريان كانت حتماً ستصنع منها تلك المرأة بلا جدال بل إننا نورد شهادتها التالية لنوضح كيف كان فتحي و ماذا صنع منها:

تقول شكرية:

* طلقني فتحي 4 مرات و ليس 3 كما يقال و كل مرة يطلقني أمام شهود و حتى المرة الثالثة ، إحدى الطلقات كانت في منزل أحد معارفنا المشهورين و انتهت حياتنا كما يفترض ، لكن فتحي استدعاني من مزل والدتي بمصر الجديدة بحجة إستلام حاجياتي الخاصة و ذهبت لأجد مأذون (خصوصي) يعمل بمجموعة الريان و فتحي معه و بيده مسدس!! .. أطلق فتحي طلقتين و أمرني بالتوقيع على عقد زواج فرفضت لأنه طلقني 3 مرات و لا يجوز الأمر لكنه أصر مؤكداً أن الطلقة الأخيرة غير جائزة لأنه كان ثائراً و لم يقصد ، اضطررت للتوقيع و عدت زوجة له و كان حينها في أقصى حالات الإدمان فأدخلته مستشفى أبو العزايم و خرج و ادخلته مستشفى بهمن و كان طلاقي الأخير يوم خطفه من المستشفى لتوقيع عقد الاندماج و قدمت بلاغ الى قسم الشرطة و أنا مطلقة *

ما رأيكم؟ .. إن شكرية لاحقاً تزوجت ضابط شرطة و عقدت القران و الزفاف في إحتفال ضخم بفيلتها بمصر الجديدة كرد على حياتها السابقة ، إن شكرية التي رأت الكثير في حياتها و تألمت أكثر لم تكن عملياً الجاني على فتحي بل هو بإنهماكة في العمل و سعيه للمال و حبه الجنوني لها و له من صنع كل شئ فلم تكن شكرية تختلف عن زوجات أحمد و محمد لكن المختلف كان فتحي العصبي الذي بإدمانه رفع كل شئ للسماء و جعل الخلافات تصل دوماً للطلاق فالمسلسل يصنع من فتحي ضحية و شخص يعد الرجل الثاني بينما الحقيقة انه الرجل الأول الذي بإنهياره إنهارت الشركة و كان الجاني عملياً على زوجته و ليس العكس.

ربما يكون هذا المقال التوضيحي مؤلم لكونه يتعلق بالحياة الشخصية بدرجة أولى لكنه أيضاً ضروري لنعرف كيف كان مال المودعين يتم انفاقه كيف كان كل شئ يُدار و ما حقيقة موقفه من شكرية و هل كان هؤلاء الرجال قادرين على إدارة الشركات ، إنناهنا نطرح الأمر و نؤكده لتحقيق شخصية فتحي الريان كنموذج هام يوضح الكثير و على رأسها كيف إرتبط إنهياره بإنهيار الشركة و تاريخهم الحقيقي مالياً بعيداً عن هراء كونهم مليونيرات قبل توظيف الاموال كما أشرنا لوضعه المالي حين عاد من السعودية .

..

بهذا المقال التوضيحي اختتم السلسلة و انا اعلم انني مهما كتبت فلا أمل و سيظل الغالبية يؤمنون بان الانهيار مؤامرة حكومية صهيونية على ما يسموه بالاقتصاد الاسلامي و سيظل الجهل سيد الموقف.

حلقات سابقة:

- شركات توظيف الأموال .. القصة الكاملة: 10 – المواجهة مع الدولة.

- شركات توظيف الأموال .. القصة الكاملة: 9 – الانهيار.

- شركات توظيف الأموال .. القصة الكاملة: 8 – الأذى.