حان الوقت لأعيش يوما كمواطن عراقي يعمل في احدى المؤسسات الحكومية (العراقية) ، ليصبح حلما يتحقق بعد انتظار دام لسنتين منذ تخرجي وحصولي على شهادة البكلوريوس (الله يجرم) .

وزارة العمل والشؤون الاجتماعية احدى الوزارات العراقية  وهي من حصة التيار الصدري بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة ، ولا شك في ذلك بأن يطغي على الوزارة كل ما له علاقة بالتيار الصدري وزعمائه ! ففي اثناء دخولي لمكتب استعلامات الوزارة اول ما لفت انتباهي هي الصور بجميع الاحجام واللقطات (الفنية) لرموز دينية غنية عن التعريف بالاضافة الى العاملين فيها فقد زينوا ايديهم بخواتم فضية بالاحجار الكريمة مع ملاحظة الوجوه الملتحية ليشكل زيّ رسمي بهذه الوزارة ! واستخدامهم للألفاظ المقدسة لديهم (سيد ، شيخنا ، المكتب يسلم عليك)

وكمواطنة تسعى للحصول على تعيين في اي وزارة فلا بد من وجود (واسطة) الطريقة الوحيده لتسهيل والحصول على تعيين حكومي .

تخليت عن مبادئي والنزاهة التي امتلكها ولجأت الى الطريق الذي انتقدته طول الفتره السابقة .. ولكن ما هذا الطريق الذي لبي طلبي بأقصى سرعه وبمدة لا تتجاوز النصف ساعة ، حصلت على عقد مؤقت في تلك الوزارة .. استغربت للحظة عن السرعة والاخذ بطلبي !

بدأت رحلتي مع (كتابنا وكتابكم) لأكمال التوقيعات والاختام ومن ثم المباشرة بالعمل في نفس اليوم الذي حصلت فيه على توقيع العقد … big wow))

توجهت الى المكتب لمباشرة العمل فيه : عبارة عن غرفة واسعة تملئه عدد كثير من الحاسبات القديمة ويجلس امامها الموظفين واغلبهم من النساء (الشابات) اللاتي شغلنّ هذه المهنه لمدة اربع سنوات واكثر بصفه عقد او عقد وقتي في امل حصولهن على تعيين الملاك الدائم  في هذه الوزارة ! ارشدتني احدى الموظفات للمكان الذي ساشغله في الايام اللاحقة ومعرفه عملي بالضبط ، وهو ادخال بيانات فقط! ولمدة ست ساعات يومياً ولا يوجد اي شيء غير ذلك .

الجلوس لست ساعات ، عدم التفكير في شيء اخر غير ادخال تلك البيانات وما من طريقة للتطوير او اظهار كفائتي في هذا العمل

ما الذي يجبرني على الوضع هذا ؟ مكان لا يوجد فيه اي شكل من اشكال التطور الحضاري (البسيط) فالنفايات هنا وهناك وافتقارهم الى المياه الصالحة للشرب بالاضافة الى عدم تهوية الغرفه فهي مغلقة وذات اضائة خافته لا تعرف الليل من النهار وانت هناك! ودورة المياه … (ميحتاج اكمل)

وان تحملت عبء هذا الوصف فعليك ان تتحمل طبيعة الاشخاص من حولك وبالاخص النساء ، فعند جلوسي لمدة اربع ساعات اقوم بأدخال البيانات … تعرفت ايضا على بيانات من بجانبي وما في حياتها المهنية والشخصية والمشاكل التي تعاني منها في هذا المكان من تمييز معاملة القسم لها فهناك معاملة خاصة للملاك الدائم (ملك نفسه ) اما العقد او الوقتي فيعاني الكثير من الاهمال لطلباته وتقييد حركته ومعرض لأي قرار يتخذ في حقه بتبديله او الغاء عقده .

ما الذي يجبرني على تحمل هذا ، فلم يكن في مخيلتي ان وزارة (مؤسسة حكومية!) تعمل بهذه الطريقة المتخلفة وماذا ينتظر من الموظف ان يعطي ما لديه من افكار وانتاج سليم متطور …

أربع سنوات ضلمتها وقللت من قدرها بنفسي … بهذه الخطوة لحظة فكرت فيها ان التعيين الحكومية هو افضل ما يمكن!! اخطأت في ذلك وحكمت على نفسي بالكذب للتخلي عن المباديء واخذت حق غيري في هذا المكان .

عند انتهاء الدوام الرسمي كان والدي ينتظرني خارج الوزارة ، كنت تواقة لشم نسمات الهواء واشعة الشمس لأصحو من هذا الكابوس الذي جلبته لنفسي ، خرجت  مسرعة راكضة لأركب السيارة شعرت حينها بتلك … الحرية التي لا استطيع العيش بدونها ولو لأربع ساعات !

قررت حينها عدم الذهاب مرة اخرى  حتى ولو كان اخر يوم في عمري وعلى امل زيارتها في حال افضل من ذلك … ( أيس يعبيس )