إلى أي شيء كان ينتمي كل هذا حقيقة ؟ .. اليأس والاستسلام له ثم الاعتذار عنه .. الذهول والسعادة بالثورة والتفاؤل بها والكتابة دعما لها .. الارتباك والغضب نتيجة الشعور بالخطأ …
خلال الثورة ، وفي غمرة انفعالاتي المتفاعلة معها كان هناك بداخلي ـ كالمعتاد ـ ما يرصد ويحلل ما يحدث ، ويؤكد على أن كل هذا كان ينتمي إلى طبقة سطحية من وعيي .. صوت خافت بعيد وغير واضح ولكنه لا يتوقف عن تأكيد وجوده ، وتأكيد الرسالة الثابتة التي يرسلها ويرسخها هذا الوجود : أنا لم أكن يائسا في الماضيٍ ، وما عشته أثناء الثورة وبعد الإطاحة بمبارك ليس تفاؤلا …

المظهر المعلن الذي أتحرك به على الأرض ، وأجرب من خلاله الحياة وسط الآخرين وأصدّر بواسطته ما يبدو أنه موقفي من العالم ليس أكثر من إطار خارجي قد لا يدل على الإطلاق على ما يكمن وراءه بل قد يتعمد بتلقائية أن يضلل أو يمارس تشويشا لإعطاء صورا ضدية لهذا الماوراء .. في الداخل ليست هناك أحكام محسومة ونهائية ، ولا يوجد إيمان غير قابل للتعطيل والتشظي بل توجد نزعات معادية لكل مسار يريد استلاب الفكر والشعور باتجاه حتميات .. هناك انفلات متواصل من أسر التبعية والتعلق بالقيمة والركون إلى موقف محدد .. في الداخل لا يوجد تصديق لأي شيء أو بالأحرى محاربة لا تهمد ضد التصديق .. لا يوجد تفاؤل ولا يأس .. حُرمت من هذه الرفاهية منذ زمن كما يشير عنوان إحدى قصصي القصيرة .. هذا الصراع العميق الذي لا يهدأ ولا يتوقف لا يتعارض مع المظهر السطحي لممارسة الحياة .. لا يتنافر مع استبعاده أثناء هذه الممارسة ، ووضعه في خانة ما داخل النسيان مع الحفاظ على تذكره طوال الوقت .. معرفة وجوده الدائم حتى وهو مقصي ومستبعد أثناء الانخراط في متاهات اليومي وخياناته .. هذيان التفتيش عن الحماية الكاملة والخلاص الكامل فيما هو متاح ورفضه في آن واحد مع الاحتفال بالتمزق بين ما هو حاصل وبين ما يتعذر الوصول إليه أو حتى وصفه .. إنها البصيرة التي تسجل وتراقب الورطة بأكملها ، وتدفعك للتصالح مع كل ما تسفر عنه مشيئتها كابن بار يسعى لحل المعضلات الأخلاقية وتجاوز خلافاته مع التسلط العائلي بشكل ودي .. يختبر كافة دروب العيش العادية التي يُسمح له بها دون أن يكذبها ، ومع ذلك تشتغل ـ أي البصيرة ـ على كافة المعطيات والافتراضات بكل حالاتها وتجلياتها وتهيئها للحظة الكتابة .. لحظة اللعب بالأسئلة المتناسلة في جميع الاتجاهات ، وتوثيق الإلهامات اللامحكومة التي تتخطى التاريخ والدولة والإنسان والمكان والزمن بينما تحاول بقدر ما تستطيع الاستغراق والاندماج مع استبدادهم .. محاولة لتحويل الحياة الخاصة بجميع خبراتها المدمجة إلى عمل فني كرد مناسب ووحيد على عالم تحكمه الفوضى بحسب ( نيتشه ) .

* * *
جزء من كتاب ” 25 يناير : التاريخ .. الثورة .. التأويل ”
دار عرب
2011