ما بين حق مصر فى تأمين حدودها مع غزة بشتى الطرق الممكنة حتى لو كان ذلك باقامة ما يعرف بالجدار الفولاذى وبين خنق وتجويع شعب غزة بسبب هذا الجدار يكمن الجدل الدائر بين مؤيد ومعارض لهذا الجدار الذى قال عنه البعض انه قنبلة موقوتة سوف تقطع شريان الحياة للمحاصريين فى غزة منذ ثلاثة اعوام والذى يتمثل فى تهريب السلع والاحتياجات الاساسية من رفح المصرية لرفح الفلسطينية عبر اكثر من الف نفق بطول الشريط الحدودى البالغ 14 كيلو متر .
وفكرة الجدار المصرى هى مد الواح حديدية فولاذية غير قابلة للقطع او الانصهار على طول الشريط الحدودى بعمق 20مترا تحت الارض حتى تقطع الطريق امام الانفاق الواصلة الى قطاع غزة .
وجهة النظر المصرية تكمن فى ان هذا الجدار هو حق سيادى للدولة المصرية لتأمين حدودها امام عمليات تهريب السلاح والمخدرات وخلافه . واصحاب هذا لرأى هم ايضا مع اغلاق معبر رفح الحدودى على الجانب المصرى مما قد يساهم فى دخول الفلسطينين الهاربين من جحيم غزة الى فضاء سيناء والاستيطان بها على غرار ماحدث من قبل مخيمات الفلسطينين فى لبنان مما سيترتب عليه بالقطع تحول سيناء الى منطقة مقاومة فلسطينية وتهريب للسلاح وسوف تقوم هذه المقاومة بضرب اهداف اسرائيلية من العمق المصرى يؤدى الى نشوء صراع وحالة حرب مع الجانب الاسرائيلى مصر فى غنى عنها ، مما سيستتبع بالضرورة ضرب التنمية والسياحة فى سيناء .
كما ان ذكريات تحول المقاومى الفلسطينية لشوكة فى حلق الدول التى تحارب منها وتحولها الى محاولة بسط نفوذها على هذه الدول مازالت ماثلة امام العيان سواء فى الاردن وانتهى بمذبحة ايلول الاسود عام 1970 او فى لبنان وانتهى بمذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 وقبلها مذبحة تل الزعتر عام 1976 وللاسف كانت هذه المذابح كرد فعل مباشر من الولة المضيفة ضد الضيف الثقيل لا يدفع ثمنها الا الابرياء من اللاجئين الفلسطينين العزل .
وطبعا النظام المصرى يعى هذا الدرس تماماً وخصوصا بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد .هذا بالاضافة الى خوف مصر من من توغل النفوذ الايرانى متمثلا فى عناصر حركة حماس التى تدعمها ايران الى داخل الحدود المصرية مما سيشكل اختراقا للامن القومى المصرى من دولة غير مرحب بها تربطها بمصر علاقات متوترة منذ ثورة الخمينى عام 1979.
ومع اغلاق المعبر المصرى امام الفلسطينين الا من فتحه لاوقات قليلة تسمح فقط بدخول بعض الحالات الانسانية والمساعدات ومع غلق باقى معابر قطاع غزة من الجانب الاسرائيلى يصبح الجدار المصرى العازل هو بمثابة قطع للشريان الاخير الذى يمد القطاع بالسلع الاساسية ويتمثل فى الانفاق الفلسطينية .
وهنا يظهر الرأى الاخر المعارض للجدار المنادى بضرورة الوقوف مع الاشقاء فى غزة واحيانا مع المقاومة فى حماس ضد الحصار الاسرائيلى للقطاع والذى يساهم فى تجويع الفلسطينين ويطالب اصحاب هذا الرأى ايضا بضرورة فتح معبر رفح امام الفلسطينين بشكل كامل حتى لو ادى ذلك لدخولهم سيناء والاستيطان بها ويعتبرون ان تهريب السلاح للمقاومة هو فرض عين وواجب قومى تجاه الاشقاء حتى لو تعارض ذلك مع اتفاقية كامب ديفيد التى يرفضونها اصلا او مع الامن القومى لمصرى حيث يعتبرون الاشقاء لا يمثلون ادنى خطورة على مصر.
والسؤال الذى يطرح نفسه الان هو هل مصر تريد حقا قطع الصلة بين حدودها والقطاع بما يسمى بالجدار العازل ،
اعتقد ان هذه الفرضية تتعارض مع بشكل اساسى مع السياسة المصرية بل والدور المصرى فى المنطقة والذى يركز اساسا على القضاء على الارهاب فى غزة وورقة المصالحة الفلسطينية والذى ترعاه المخابرات المصرية ببراعة
لذلك ارى ان الحكومة المصرية ورغم غلق معبر رفح الا انها كانت تغض الطرف عن الانفاق ليس بشكل مطلق طبعا ولكن لكى تسمح بأن يكون مرور احتياجات القطاع الاساسية تحت بصرها ورعايتها حتى تكون احتياجات القطاع الاساسية فى يد الحكومة المصرية مما يمكنها من السيطرة الكاملة على مقدرات القطاع ومايصل الى حماس من احتياجات بما فيها الاسلحة تحت تحكمها الكامل حتى تتمكن من الضغط على حماس لكى تقبل بالمصالحة الفلسطينية بالاضافة الى تكبيل النفوذ الايرانى فى المنطقة .
ومن ناحية اخرى تستفيد مصر من ذلك فى مطالبتها للجانب الاسرائيلى والامريكى بالحصول على اجهزة مراقبة ومساعدات لتأمين الحدود كذلك تدعيم طلب مصر لتغيير بنود اتفاقية كامب ديفيد الرامية لزيادة عدد قوات الشرطة التى تحمى الحدود المصرية من 700 جندى الى 3000 جندى وهو مالم تقبله اسرائيل حتى الان .
لذلك ارى ان موضوع بناء الجدار ماهو الا لعبة سياسية مصرية او كارت تلعب به مصر مع الجانبين على السواء واقصد بهما خماس وايران من ناحية حيث تضغط بشكل اكبر على حماس فى هذه الفترة بعد رفضها توقيع المصالحة مع فتح وعدم قبولها لاقامة الانتخابات الفلسطينية فى قطاع غزة .
واعتقد ان زيارة على لريجانى رئيس البرلمان الايرانى الخاطفة والمفاجئة الى مصر مباشرة عقب اعلان خبر الجدار لهو بمثابة تأكيد لقلق ايرانى واضح من الجدار على امن وسلامة ربيبتها حماس فى القطاع ونفوذ ايران فى المنطقة .
ومن جانب اخر تقدم مصر نفسها امام العالم وخصوصا امريكا واسرائيل باعتبارها استنفذت كل ما لديها لتأمين حدودها مع القطاع عن طريق بناء هذا الجدار العازل ولايبقى بعد ذلك لتأمين الحدود غير زيادة عدد القوات المصرية وتعديل اتفاقية كامب ديفيد .
ومما يؤكد وجهة النظر تلك هى الصعوبة البالغة فى اقامة الجدار على طول الحدود البالغة 14 كيلومتر والتكاليف العالية لبناء الجدار حتى لو تحملها الجانب الامريكى
بالاضافة الى ان الطبيعة الجيولوجية لصحراء سيناء والحجر الرملى الذى يتخلل طبقات الترة سيشكل عائقا امام الحفر بطول الحدود .كما ان هناك بعض الانفاق يصل طوله الى 35 متر ويمكن حفر انفاق اعمق فى المستقبل وهى ما سيتعدى عمق الالواح الحديدية التى يبلغ 20الى 30 متر تقريبا مما يعنى بقاء عمل بعض الانفاق بشكل طبيعى رغم وجود الجدار .
واخيرا وليس اخرا ان السلع المهربة لقطاع غزة تمثل العمود الفقرى للتجارة ومصدر الرزق الوحيد تقريبا لاهالى رفح المصرية مما سيكون له ابلغ الاثر السلبى على اهالى رفح لو تم وقف عمل هذه الانفاق .