دون شك أنه المجتمع الصحي الواعي بحقوقه و بحرياته لازم كان يغضب و يعبر عن الغضب ده, نتيجة لقتل الجيش الإسرائيلي الضباط المصريين علي الحدود حتي و لو كان عن طريق الخطأ. و يجب علي الحكومة و المجلس العسكري العمل علي إحراج إسرائيل و التأكد أنه لا يتكرر أبدا. و لذلك و علي الرغم من كرهي للإعتصامات و الـ”مليونيات” و ضجري منها و بؤسي الشديد للزحام و الإرتباك اللي بتسببه, و علي الرغم من إيماني بمقولة حسني مبارك أنه “السلام إختيار إستراتيجي” فأنا كنت إلي حد ما سعيد برد فعل المتظاهرين و حصار سفارة إسرائيل لأنني كمصري أحب أن يعرف العالم كله, أن دمي مش رخيص و أن أمن بلدي مش لعبة. مش عشان أنا وطني, حاشا لله, و لكن لأن ده بيديني إحساس بالأمان علي نفسي و علي من أحب و الإطمئنان علي قوة البلد اللي عايش  فيها و اللي مرتبط مصيري بمصيرها: و ده شيء مهم جدا لصحتي النفسية خاصة و مصلحتي الشخصية عامة

 

و عشان أنا مهتم جدا بأمن بلدي و قيمة حياة كل مواطن (و بالتالي قيمة حياتي أنا), فأنا أتعجب ليه الأخوة المتظاهرين موقفهم غير ثابت بخصوص التعدي علي الحدود و أرواح جنودنا؟ يعني الشهر اللي فات ده نفذت جماعات إسلامية فلسطينية و مصرية عمليات ضد الجنود المصريين و تعدت علي حدودنا و تعدت علي سيادة الدولة اللي بتجمعنا و بتحمينا و محدش فتح خشمه بكلمة. صحيح أن العدو في الحالة دي ضبابي و لكنه عدو خطير و عدوانه مقصود. و ده الحقيقة يرجعنا لموجة الإرهاب في جنوب سيناء في أوائل الـ2000 اللي تزامنت مع فياسكو الرسوم الدنماركية, حينها أستفز المصريين و الإعلام و رجال الدولة و الدين بعض الصور التي لا تنفع و لا تضر و لم يثير أحد, و لا حتي بنسبة 1علي10, مقارنة برد الفعل علي الرسوم: موت أكثر من 80 مصري علي أيدي إرهابيين بلا عقل و بلا قلب حتي أمنت أن بداخل كل منا إرهابي صغنن.

 

و لعل حالة الإنبهار بأردوغان, رئيس وزراء تركيا, تعبر أيضا عن تلك الحالة الغريبة و المثيرة للشفقة. فالكثير من العرب يعتبرونه بطلا و إنسان شجاع و عادل لأنه يقف أمام وحشية إسرائيل في الدفاع عن مصالحها بينما يتغاضوا عن أن تركيا تفعل مع الأكراد ما تفعله إسرائيل مع غزة بشكل أو بأخر: و لسة أثناء ما كان أردوغان بيطبطب علي أطفال الصومال الجعانين, كانت طائراته تدك الأكراد في شمال العرق و تقتل عائلة بأكملها أثناء البحث عن بعض المتمردين المسلحين اللي (شوف الصدف), قاموا بالهجوم علي قافلة حربية في جنوب تركيا. يا تري شفنا السيناريو ده فين الإسبوع ده بارضو؟

 

المعايير المزدوجة دي تأخذ أكثر من شكل و إن كان مضمونها واحد و هو مضمون عنصري جاهل مقزز و حقير. معايير مزدوجة لا تجدها إلا عند من يعاني من عقدة الإضطهاد و النقص: قيبكي بكاء التماسيح لأن ما يحزنه ليس العنف و الظلم و القهر و القتل و لكن أنه ليس هو من في موضع القوة لفرض نفسه و تحقيق مصالحه بنفس الأساليب و ربما أكثر

 

الخلاصة هي أنه ما حلال علينا, حلال علي الجميع و البقاء للأصلح و الأقوي. جائز دي نظرة غير أخلاقية و لكنها علي الأقل صادقة مع النفس و متصالحة مع الواقع. جائز دي نظرة غير إنسانية و لقد كفرت بالإنسان أيضا, فأنا لا أبالي