في أثناء الثورة تحول التخوف المبرر من إشراك التيار الإسلامي في العملية السياسية إلي تهمة ممن أنستهم ثورتهم عقلهم و عاشوا وهما أرادوه أن يكون واقعا قائم علي أن كل تخوف من التيار الإسلامي خنوع لما أسموه فزاعة الإسلاميين و أن حالة التوحد بين جميع التيارات ضد مبارك ستستمر إلي الواقع السياسي الجديد و أن الشعب هو الحامي الأول و الأخير لحريته

 

و لكل تلك الإفتراضات منبع, منها المثالية المفرطة التي تعتبر أن الشعب لن يضحي بحريته بعد ثورة 25 يناير متناسين أن مفهوم الحرية (و علي وجهة الخصوص الحريات الفردية و حقوق الإنسان) أمر محل جدال و رفض من قطاع كبير جدا من الشعب. من ناحية أخري إعتبار أن الشعب هيئة واحدة و تناسي أن مصر دولة متعددة الثقافات و بها شد و جذب من تيارات و أفكار و مرجعيات مختلفة بجلت نجيب محفوظ و سيد قطب في المحصلة الأخيرة و كل يغني لليلاه. تلك المثالية تناست أيضا أن الشعب المصري لا يعبر عنه ثوار خمسة و عشرين يناير و شباب الفيسبوك و أن القوة لن تكون بالضرورة في يد الشعب حتي إذا لم يتدخل التزوير و السلطة في إرادته لأنه شعب يعاني من الفقر و الأمية و الجهل و القبلية غير أن تشكيله الإجتماعي يختلف من محافظة لمحافظة و مدينة و لمدينة لم تكون بالضرورة متواجدة في ميدان التحرير

 

تلك الإفتراضات من الممكن أن تقوم أيضا علي الدوجماتية التي تفترض أن الحكم يجب دائما و أبدا و في كل الاحوال أن يكون في يد الشعب بغض النظر عن المحصلة الأخيرة حتي إذا ما أراد الشعب في الإنتخابات إختيار من سيسلبه حريته أظن أن الان و بعد أكثر من ستة أشهر بعد الثورة تبدد عند الغالبية الوهم ده و أصبح واضح للجميع أن إعلاء المصلحة الخاصة لكل تيار و لصالح أيديولوجيته هي القانون الجديد (و الطبيعي) في العملية الديموقراطية الجديدة. فمن ناحية التيارات العلمانية بإختلاف توجهاتها و الحركات السياسية أدركت أن ترك تحديد مصير مصر في يد الإنتخابات المقبلة تضحية بالثورة و إنتحار, و طالبت بالتالي بإرساء الدستور أولا أو علي الأقل وضع مباديء حاكمة (علي الرغم من إختيار “الشعب” في الإستفتاء لمنهج مخالف للعملية الإنتقالية) بينما في الناحية الأخري التيارت الإسلامية ترفض أي نوع من أنواع التنازل عن نتيجة الإستفتاء لعدم الإلتفاف علي إرادة الشعب كما قالوا

 

طبعا اللي مكنش حاطط صباعه في ودانه أيام الثورة و قبلها كان هيبقي عارف أن لا محكومية إلا بحكم الله و أن التيارات الإسلامية لا تبالي بالديموقراطية و لن تعترف بنتائجها إذا جاءت علي خلاف ما يؤمنوا به و أن حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان إعتبر أن الديموقراطية كفر و أراد في مضمون رسائله أن تصبح مصر دولة مركزية شمولية تفرض سلطتها علي المصريين بدون الإهتمام بـ”حريتهم” اللي هي أصلا عندهم بإختلاف توجهاتهم في أحسن الاحوال تكون محدودة جدا و مقيدة أو في أسواء الاحول بدعة من بدع الغرب. و لكن رهان التيار الإسلامي اللي بيضم الان الجماعة الإسلامية اللي ذبحت و قتلت مصريين, أن الشعب المصري في الإنتخابات ستكون إرادته “إسلامية” و هيقدروا سلميا في الوصول لما يريدوا و تشكيل الدستور كما يروا مناسبة و تشكيل حكومة قادرة علي تشكيل و تغيير مصر للنموذج المثالي اللي هم شايفينه. و لو عوزت الحق, هي دي الديموقراطية

 

و لكن لأن الديموقراطية شيء و الحرية شيء أخر, أصبح إرساء قواعد حاكمة للدستور تضمن حريات جميع المصريين و أقليتهم (و لا أعني هنا المسيحيين فقط و لكن الأقلية السياسية في دورة إنتخابية ما) – أصبح أمر لابد منه لتلك التيارات و إلا النتيجة معروفة – إقصاء, قمع, حسبة, تكفير و كله بإسم القانون و الشرعية طبعا

 

الثورة حضرت العفريت و التيارات اللي وقعت من القفة دلوقتي لا تستطيع أن تصرفه, و هنا يظهر مدي خيابة الفكر الثوري بمثاليته و أناركيته علي حد سواء. و حجة التيار الإسلامي أن الحكم في النهاية هو الشعب و الإنتخابات. تقدر تقولهم لا؟ يبقي إنت مش عاوز ديموقراطية بقي و لعل هنا أصبح واضحا أخيرا للكثير أن المد الثقافي الأصولي و الديني لا حل له إلا التزوير و القمع طلاما لم يغير التيار الإسلامي من الكثير من مسلماته التي لا تقبل القسمة علي إثنين أصلا, علي الأقل ده لو إفترضنا أن إنتخاب التيار الإسلامي من الشعب أمر مسلم به و مين عالم؟

 

 

الموقف المصري الحالي عامة يتشابه مع الموقف الأميريكي كثيرا عند كتابة الدستور, فالمنهاضين للفيدراليين لم يرضوا بالدستور علي شاكلته و في النهاية وصلوا إلي ربطه بوثيقة الحقوق

(Bill of Rights)

لأنهم يعلموان تمام العلم أن

  • السلطة عدو طبيعي للحرية
  • الديموقراطية في حد ذاتها ليست ضمان نهائي لحقوق المواطنين و المساواة

و بالتالي الموقف المطالب بالدستور أولا أو إلزامه بمباديء حاكمة ليس بدعة مصرية و لكنه بدون شك إلتفاف علي إستفتاء مارس و دعوي للجيش المصري بأن يظل دائما مخيما علي العملية الديموقراطية و الإنقلاب عليها في أي لحظة

 

السؤال هو, لماذا ترفض التيارات الإسلامية تلك المواد الحاكمة؟ أكيد مش عشان إرادة الشعب التي لا قيمة لها عندهم إذا ما خالفت شرع الله و لا أهمية لها إذا ما توافقت معه لأن ده الطبيعي من وجهة نظرهم. و لكن لأن في النهاية شكل مصر كما يريدوا مش علي مقاس الحريات المختلفة و الحريات العامة و لا مركزية الدولة اللي, بارضو من وجهة نظرهم, سبب إنتشار الفحشاء و الإلحاد و الكفر و المجون إلخ, غير طبعا أن المواد الحاكمة, اللي لحد دلوقتي مش عارفين شكلها هيبقي إيه, من الممكن أن تحد كثيرا من نفوذهم حتي إذا ما وصلوا للسلطة و تصبح بالتالي سلاح ضد طموحهم السياسي و توجهاتهم الإجتماعية

 

أنا لم أنادي يوما بالديموقراطية, و لا أؤمن بها و بخاصة إذا لم ترتبط إرتباطا لا لبس فيه بالحرية و عشان كدة أنام مستريح أوي إذا ما قرر الجيش المصري إلقاء الديموقراطية في الزبالة أو إلزام القوي السياسية المنتخبة بمباديء معينة. ليه؟ عشان أنا أريد الحرية قبل الديموقراطية و أميل إلي الواقعية قبل المثالية, أتمني أن يكون الإخوة المهتمين بالحريات و هوية مصر الفريدة و المتعددة تعلموا الدرس. يمكن, يمكن ساعتها, ميبقاش وجودنا ظاهرة صوتية

 

“[A] bill of rights is what the people are entitled to against every government on earth, general or particular, and what no just government should refuse.”

Thomas Jefferson December 20, 1787

نسيمي: أسهل طريقة لإنشاء موقعك على الإنترنت!