تقديم:

في هذه الحلقة سنتحدث عن نشأة ظاهرة توظيف الأموال ، لن نتحدث عن شخوص المتاجرين و نشأتهم مثل الاخوة الريان او السعد و غيرهم فهؤلاء موضوع حلقة الغد إن شاء الله بإسم (من هم) لكن هنا سنتحدث عن الظاهرة نفسها و نشأتها ، سيكون حديثنا عن الظروف التي هيأت ظهور التوظيف و كيف نما التوظيف و بأي شكل و توقيت الظهور ، إننا سنناقش الظاهرة ككيان غريب نشأ في بلاد مختلفة كالخليج و امريكا اللاتينية و مصر و غيرها من البلاد الفقيرة..

..

نستطيع القول بإطمئنان و بناءً على أحاديث احمد الريان و إعترافات أشرف السعد أن ظاهرة توظيف الموال ظهرت كنتيجة لأرباح تجارة العملة الممنوعة قانوناً -وقتها- و التي حققت أرباح كبيرة للمتعاملين بالعملة بالمخالفة للقانون مثل أشرف السعد و فتحي الريان و غيرهم ليستثمروا الأرباح الحرام في بناء قطاعات إقتصادية متوسطة  -مشاريع اقتصادية متوسطة- و منها بدأوا في جمع الموال لتوظيفها في تلك القطاعات لتنموا القطاعات و تنشئ كيانات مثل شركات الريان و السعد و الهدي و الشريف و غيرها.

عبر 5 سنوات كانت تلك الشركات قد صنعت لنفسها كياناً هائلاً يخالف القانون بجمع الاموال بدون رخصة و يبقى عبر الرشاوى و العمولات و التهديد و الارهاب اللفظي و الجسدي و الاستعانة بشيوخ مشاهير و لاعبي كرة قدم و سياسيين و موظفين كبار بحيث بقيت المخالفات من العام 1980 الى 1988 بدون إيقاف حقيقي و بالفساد فقط استمروا و لم ينجح احد في ايقافهم حتى اختلفوا و فضحوا بعضهم و كشفوا افلاسهم بأنفسهم لتتدخل الدولة كما سنرى في الحلقة العاشرة إن شاء الله تحت إسم الفضيحة.

فكيف كانت الداية و النشأة؟

في البدء… كانت تجارة العملة!!

بدأت نشأة ظاهرة توظيف الأموال في نهاية السبعينيات عكس المتداول و تحديداً في عام 1978 مع اعلان شركة الشريف للبلاستيك في الأخبار عن نيتها توظيف اموال المتعاملين معها في مشاريع اسلامية ربحية و كذلك ستجمع المدخرات و تقوم بتوظيفها في مشاريع تتفق مع احكام الشريعة على حد وصفهم  كذلك بدأت الايداعات مع محمود طاحون عام 1979 قبل تأسيس شركة (بدر) بعام كامل و بدأت الايداعات لدى الاخوة الريان من عام 1978 كما سنذكر الان قبل تأسيس الشركة ب 4 سنوات كاملة و كذلك كان فتحي الريان في السعودية يقوم بعمل مشابه في نفس العام حيث يؤدي خدمات مثل شراء سلع كالاجهزة الكهربائية لهم و دفع أقساط التامين ثم يعود لجمع المدفوع بالعملة الصعبة و يقوم بتحويلها في السوق السوداء الممنوعة قانوناً (تجارة العملة) ليتطور الأمر و يجمع أموال من المغتربين و فائض ربحه الحرام لتوظيفها في مشاريع يصفها لهم بالاسلامية دون المرور بالبنوك حتى يتفادى الربا على حد تعبيره قبل ان يعود لمصر عام 1980 و ينشئ مصنع للبلاط على أرض تملكها شقيقة زوجته و من المصنع بدا توظيف الاموال في مصر كعمل ثابت و  لذا يعد عام 1978 هو العام الحقيقي لبدء توظيف الأموال بعيداً عن التواريخ الرسمية من هيئة سوق المال و مصلحة الشركات التي تؤرخ لتأسيس شركات توظيف الأموال مثل شركة الريان عام 1982 و شركة بدر (محمود طاحون) عام 1980 و الهدى و السعد في عام 1985 و نستطيع الاستدلال على هذا بحديث محمد الريان لجريدة الشعب في عدد 16 فبراير 1988 حين أكد على أن الريان و جميع شركات توظيف الأموال كانت تمارس عملها لسنوات قبل الاعلان الرسمي.

بالعودة إلى إدارة مكافحة جرائم الموال العامة فإننا نجد قائمة ضمت 55 تاجر من كبار تجار العملة -تجارة غير شرعية ممنوعة- ضمت أسماء صارت لاحقاً أسماء كبار أصحاب شركات توظيف الموال ، فنجد :

*سامي علي حسن.

*محمد الريان.

*فتحي الريان.

*أحمد الريان.

*أشرف السعد.

*محمد حمد سعيد (شريك لأحمد الضبع).

*أحمد الضبع (لاحقاً صاحب شركة توظيف اموال).

و بسبب تلك التقارير أصدر الوزير مصطفى السعيد وزير الاقتصاد قرار بإغلاق حساباتهم و هي المستخدمة في تجارة العملة حيث استغلوا صالات البنوك نفسها لتجارة العملة!!! و تم  أغلاق حسابات أشرف السعد لقيامه بتهريب الذهب و العملة للخارج!!!!!

من خلال قضية البنوك الكبرى التي كان بطلها سامي علي حسن أشهر تاجر عملة في مصر و علي عبد الله الجمال صاحب بنك الجمال تراست نجد توضيح أكثر حيث تم ذكر أن الاخوة الريان شركاء لسامي حسن لدرجة اعتبار أرصدتهم موحدة في البنوك ، النكتة الحقيقية حين نعلم أن أحد المسيحيين أنشأ شركة لتوظيف الاموال الاسلامية إسمها شركة سيناء و شارك فيها سامي حسن نفسه!! .. من هنا يتبين لنا أن تلك الظاهرة (توظيف الأموال) تمت من خلال تجارة العمالة المحرمة و أرباحها أي أنها نشأت عبر أشخاص مجرمين يتاجرون بالعملة و يضربون الاقتصاد الوطني في مقتل و من هذا النشاط الاجرامي انتقلوا لغسيل أموالهم عبر توظيف الأموال.

..

لكن هل تأثرت ظاهرة توظيف الأموال في نشأتها بالإنفتاح الرأسمالي بمصر؟

لقد لخص أستاذنا عبد القادر شهيب تلك النقطة في جملة واحدة:

( لقد نمت شركات توظيف الأموال في رحم الرأسمالية الطفيلية .. لهذا فتوظيف الأموال كان طفيلياً هو الآخر).

لم تقم شركات توظيف الأموال بإقامة إستثمارات حقيقية داخل مصر أو خارجها بل قامت بتوجيه أغلب المال من ( 70%-80%) للخارج حيث توضع في بنوك ألمانيا و إنجلترا و فرنسا بينما الباقي (20%-30%) يتم توظيفه في الدالخ عبر المضاربات في الذهب و النقد الاجنبي و تجارة العملة المحرمة ثم يتم توجيه الباقي لمشروعات يتم تضخيمها عبر رشوة الصحف و المسئولين لتظهر عملاقة على غرار مزارع الماشية و الدواجن و الأجهزة الكهربائية بينما هي مشاريع محدودة لا تضم في مجملها حسب تقارير المدعي الاشتراكي و أجهزة الرقابة بل و اوراق شركات التوظيف نفسها أكثر من (10%) فقط من الايداعات ، بمعنى آخر كان الايداع عام 1988 يشمل 5 مليار جنية يوجه منهم للإستثمار الحقيقي بالداخل المصري 500 مليون جنية فقط!!!!!

إن هذا الدور الطفيلي في تجريف الأموال و ارسالها للبنوك بالخارج و المضاربة في بورصات الخارج و ابقاء جزء صغير من المال المودع بالداخل و استثماره في امور تافهة غير انتاجية كان وبالاً جفف أموال المغتربين و حرم مصر من 4,500,000,000 جنية أهدرت بالخارج او لم يتم توجيهها في فترة الثمانينيات للداخل بينما علاقاتهم بالاستثمار الحقيقي منعدمة .

الغريب أنهم كانوا على علاقة وثيقة بالبنوك و رجال الاعمال الذين وصفوهم بالربويين و حرموا اعمالهم فنجد إستثمارات الريان في مشروع الميني باص لعثمان احمد عثمان و شركات البيض و الدواجن و السخيف حقاً مشاركة الريان في بنك الجيزة الوطني للإستثمار بنسبة 30% بينما هو نفسه يحرم الايداع فيه و شاركت شركة الهدى عثمان احمد عثمان في رأسمال البنك الوطني للتنمية بنسبة 60% عبر طارق أبو حسين أكبر الأشقاء أصحاب شركة الهدى و دفع هذا عثمان أحمد عثمان (الربوي حسب حديثهم) لايفاد مجدي حشيش مراجع حساباته الخاص ليكون مراجع حسابات شركات الريان و السعد؟؟؟؟؟؟!!!!!!

كذلك لعب رجل الانفتاح الرأسمالي عثمان احمد عثمان دور هام في عمل تلك الشركات عبر نصح شركة الريان و السعد بالاندماج عام 1988 لتجنب الفضيحة بعد خسارتهم مئات الملايين في مضاربات الخارج و هو نفسه الذي نصح الريان سابقاص بشراء شركة الهلال لتوظيف الاموال حين أفلست و هرب صاحبها حتى لا تتداعى كل الشركات بتأثير انهيار الهلال!!

..

هنا نجد سؤال: كيف نشأت الشركات؟

خلاصةً هي نشأت متسلسلة و سرية حتى باتت نصف علنية ثم علنية و بفجو!!

كما ذكرنا بأن بتجارة العملة المحرمة.

ثم توظيف الأموال بشكل يدعون أنه اسلامي في إطار ضيق محدود.

ثم جمعوا ودائع كبيرة  من الكل.

ثم انتهت السرية و أنشأوا شركات علنية لتوظيف الأموال.

أي أنهم كانوا تجار عملة مجرمين ، ثم وظفوا أموال بسيطة من خلال الاصدقاء فقط ، ثم زادوا المودعين أضعاف مضاعفة ، ثم تخلوا عن السرية و أنشأوا الشركات علانيةً مخالفين القانون الذي يمنع تماماً تجميع الاموال الا من البنوك و المرخص لهم فقط ، طبعاً كانت الشركات مستمرة بالفساد و الرشوة و العطايا لكي يغض أصحاب السلطة النظر عن الشركات و الاستعانة برجال الدين لإعطاء الفتاوى المحللة لهم و المحرمة للبنوك و استئجار صحفيين فاسدين و رؤساء مجالس ادارة صحف خاصة و حزبية و قومية  و اعلاميين بلا ضمير للدعاية و كله بالرشوة..و كله بالاسلام؟؟!!

هنا نجد أن قانون الاستثمار (43 لسنة 1974) و قانون (59 لسنة 1975) سمح بإنشاء شركات مساهمة تطرح أسهم للإكتتاب دون السماح لهم بالقيام بوظائف البنوك بالمرة كجمع الاموال و اعطاء فائدة شهرية مع الحصول على موافقة هيئة الاستثمار على كل مشروع على حده لكن كما ذكرنا خالفت الشركات القانون عبر التجميع و صرف الفائدة و استمروا بالرشوة و الاكراميات ، يبقى أن نتحدث عن أن البنوك المصرية لعبت دور كبير في تدعيم تلك الشركات الفاسدة عبر عدم الاهتمام برفع سعر الفائدة متأثرين ببيروقراطية كبيرة جعلت نسبة فائدتهم نصف نسب شركات توظيف الاموال و كذلك أهدرت فرصة استثمار مليارات الجنيهات الواردة من ايداعات العاملين بالخارج بل و سمح بعض مديري البنوك بالتعامل مع تلك الشركات كما ذكرنا في مفارقة فالشركات تنهي الناس عن التعامل مع البنوك علنا و البنوك صامتة ثم سراً تقبل التعامل مع البنوك!!

كانت فوائد البنوك لا تزيد عن 18% في أحسن الاحوال بينما فوائد توظيف الاموال تصل الى 36% في أحيان كثيرة بينما التضخم بين 30-40 في المائة .

كان تضييق الخناق على تجار العملة مثل الريان و السعد و الهدى و غيرهم و تعثر مشروعات القطاع الخاص و تقلص فرص الاستثمار و ارتفاع التضخم و انخفاض قيمة الفوائد دافع للمجرمين أصحاب تجارة العملة لإنشاء شركات توظيف الاموال و دافع للمودعين لنقل المال الى تلك الشركات ، كان الدعم الأكبر من قبل عدة عناصر:

-1- المسئولين الفاسدين المرتشين.

-2- التيارات الاسلامية السياسية التي أيدت تلك الشركات لأسباب سياسية بحتة و أسباب أخرى مادية تتعلق بالشراكة بين أقطابهم و أقطاب تلك الشركات.

-3-رجال الدين الجهلة في الاقتصاد الذين دعموا تلك الشركات دون أدنى معرفة اقتصادية لهم أو حتى دراسة لتلك الشركات.

-4-اندفاع الدولة لذلك التيار عبر تحويل بنك ناصر لبنك (اسلامي) و انشاء بنوك أخرى ترفع الشعار الديني كدبي الاسلامي و البنك الاسلامي للتنمية و فيصل.

كذلك لا نهمل الازمة الاقتصادية العالمية الكبرى بالثمانينيات التي رأت في تجريف الاموال من البلاد النامي عبر تلك الشركات وسيلة ممتازة لدعم الجانب المالي لها كما سنرى لاحقاً في الحلقات القادمة ان شاء الله و ذلك عبر اجتذاب اموال الشركات (اموال المودعين) الى بنوك الغرب كما ذكرنا و المضاربة بالبورصات لرفع قوتها المتداعية.

..

الخلاصة:

-1- كان أصحاب الشركات عبارة عن تجار عملة مجرمين أثروا من المال الحرام لينقلوا مالهم و مال الاخرين الى توظيف غير مضمون.

-2- كان الانفتاح الاقتصادي عامل هام لتدعيم الرأسمالية الطفيلية الملاصقة للمشاريع الاستثمارية الحقيقية و كانت على رأس الطفيليات شركات توظيف الاموال.

-3- لم تكن لتلك الشركات كما سنذكر في الحلفات القادمة إن شاء الله استثمارات حقيقية بمصر بل جرفت الاموال للخارج.

-4- لعب الفساد و الرشوة و التجارة بالدين و فتاوى العلماء الجهلة بالاقتصاد و التضخم و انخفاض قيمة الفوائد البنكية دور أساسي في تدعيم الإيداع.

..

إلى هنا ننتهي من الحلقة الأولى و نبدأ غداً الحلقة الثانية عن النقطة الأساسية:

من هؤلاء الذين أسسوا شركات توظيف الموال؟

إلى الغد إن شاء الله.

حلقات سابقة:

- أسطورة شركات توظيف الأموال .. القصة الكاملة.

- في ذكرى شركات توظيف الأموال..


نسيمي: أسهل طريقة لإنشاء موقعك على الإنترنت!