نتشدق كثيراً بالكلام عن الخرافة و السخرية منها و كأنها أصبحت من ذكريات الماضي، فكثير منا لا يعي وجود الخرافة حوله و استحواذها على ممارساته اليومية و ذلك يعود بالطبع إلى ارتداء الخرافة زياً دينياً،  فقد حافظ الدين عليها بل حولها الى بعض من أعاجيبه الإلهية.

إلا انه علينا ذكر أفضال الخرافة على المجتمعات في مرحلة ماضية، فقد ساهمت غلى حد كبير في تطوير مفاهيم تتعلق بإدارة المجتمع و خاصة بما يتعلق باحترام الملكية الخاصة، فقد أسست لتنظيم الجماعة و الأسرة، فكانت المحرك الأساسي و الدافع في تقييد الانسان بقوانين جماعية، مع العلم ان الخرافة قد فتكت بأشخاص كثر. و من الخرافة ظهرت الأساطير و المحرمات و الأديان  فمنها ولد الإله و ترعرع على أسسها، لتتأقلم الآلهة و قوانينها مع عادات الشعوب كما حصل في المسيحية، على سبيل المثال، عند اعتناق الرومان لها، فميلاد المسيح هو احتفال وثني بميلاد الشمس، لتقرر الكنسية فيما بعد الاحتفاظ به كميلاد له، و نجد أيضا تشابه طقوس عيد الفصح مع طقوس أدونيس، كما ان هناك الكثير من الاحتفالات المسيحية المستمدة من الوثنية.
سأتطرق إلى صورة العذراء في الدين المسيحي الحاملة لطفلها من دون أي اتصال جسدي مباشر، لنجد مبدأ الحمل من دون ربطه بالرجل عند  قبائل ” البانجادا”، و ذلك لجهلهم في ذلك الوقت بعلاقة الرجل بتلقيح البويضة و ظنهم أيضاً بتكاثر الحيوانات و النباتات من خلالنا، حيث كان الاعتقاد السائد  ان لحظة حصول الحمل  مترافقة بشعور ينتاب المرأة عند احساسها بارتعاش في الثدي، فكان عليها أن تستذكر في تلك اللحظة عما اكلته أو رأته  أو فكرت به كنبات أو حيوان كي يتم اعطاء الطفل لاحقاً طوطمه و لهذا يعتقد ان الخرافة البدائية هي أصل الطوطم على حسب ما شرح “فريدزر”، اذاً نرى ان فكرة الحمل من دون رجل قد تواجدت عند الكثير من القبائل إلا ان المرحلة الروحانية التي تبعتها، اضفت عليها بعداً عجائبياً و هذا ما نراه في أعجوبة العذراء.

لا تحتكر الخرافة ديناً واحداً بل تمتد إلى جميع الأديان، إلا انني تطرقت قليلاً إلى الدين المسيحي و ذلك خشيةً من الحساسية المفرطة الموجودة عند المسلمين و خشيةً من اتهامي بالعدوانية ضد اليهود في حال تطرقي إلى الخرافات المتواجدة عندهم، لهذا رأيت انه من الأسلم أن أعطي الأمثلة عن دين لا يملك اليوم أية سلطة سياسية أو قانونية كما ان عدم شعور مؤمنيه بالاضطهاد يسهل عملية النقد لتوضيح مدى تشعب الخرافة في الدين.
نلاحظ ان جميع الأديان استلهمت قوانينها و فروضها من معتقدات قديمة لاستحالة نسف كل ما تؤمن به الجماعة من قبل، فنرى ان كل دين يعكس عقلية و ثقافة و أخلاق جماعته المؤسسة على تلك العملية التاريخية المعقدة المازجة لمؤثرات محيطية و مناخية، و كما قال “ويل ديورانت” ” يدعم الدين الأخلاق بوسيلتين أساسيتين و هما:الأساطير و المحرمات، فالأساطير تخلق العقيدة فيما وراء الطبيعة”.
اذاً في كل قانون و معتقد جديد، نرى شيئاً من الرواسب القديمة للشعوب  و من هنا نستطيع استكشاف الماضي البعيد و الوصول إلى الحقبات البدائية من خلال العناصر القديمة الموجودة في كل قانون أو معتقد.

أعود إلى الخرافة و إلى القرابين التي قدمت ارضاءا لأرواح ظناً بقدرتها على التحكم بالظواهر الطبيعية، أما في مرحلة لاحقة فقد نسبت مسألة التحكم إلى آلهة قادرة على كل شيئ، حتى اننا نلاحظ انه و ليومنا هذا ما زالت الأضاحي تقدم لإرضاء إله نهلل له و نلقبه بالإله الأعظم أو الأكبر.
خشي الإنسان البدائي قوى الطبيعة و بعد فشله بالتحكم بها قام بعبادتها لتجنب غضبها، فقدم لها القرابين لتتحول مع مرور الوقت إلى آلهة، فكان لكل مجتمع رؤيته الخاصة بما يخص إلهه. لنرى عند بعض القبائل المكسيكية ذات الديانة (الأزتيك) بقيامها بقتل إلهها الممثل ببعض الأشخاص بطريقة وحشية ليتم سلخ جلودهم و هم أحياء للاحتفاظ بأبديتهم و شبابهم الدائم بعد الموت، أي ان الموت عبارة عن بوابة عبور نحو الخلود.

سعى الإنسان، على مر العصور، غلى تخليد نفسه خوفاً من الفناء، فسطر أبدية ادم و حواء في سفر التكوين و عكس موته عليهما من خلال حرمانهما للأبدية التي وهبها الله لهما أما عقابهما بالموت فأتى نتيجة للخطيئة الأولى العاصية لإرادة سيدهما و صانعهما عند تجرئهما في اكتساب المعرفة، فالإله الذي رسمناه و خلقناه لا يريد إلا عبيداً  كي يمارس ممثليه على الأرض سطوته، من هنا نجد ان الإنسان كان مدركاً في أعماق ذاته لقدرة المعرفة على قتل الإله، الأوهام و الخرافات المرافقة له، إلا ان اعدامه للإله يرافقه اعداماً لفكرة الأبدية و الخلود التي سعى الإنسان البدائي إليها فقد كان رافضاً للموت باحثاً عن أدوات تسمح له بأبدية خالدة فكان السحر،  الشعوذة، التابو و قوانينه للحد من فراق الروح للجسد أو لعودة أخرى للروح في حياة ثانية، إلا ان عجزه في صنع الأبدية جعلته يطرح رغباته إلى الخارج و يوكل الطبيعة هذه المهمة ليخلق قوى خارقة أخذت أشكالاً عديدة مع مرور الزمن ليعكس بعدها غرائزه الغير مباحة له من قبل الجماعة إلى جنات و آهات في أرض الله الخصبة بالممنوعات و المحرمات (كأنهار الخمر و العسل و اللبن و الحوريات).
إلا انه ما يثير الدهشة هو انجراف عدد هائل من البشر وراء الخرافة المتمثلة في الدين من دون تفكير أو تحليل، فمن الطبيعي فهم و استيعاب عبودية الإنسان البدائي لأمواته، وأرواحه و لأعراف جماعته لعدم امتلاكه الوعي الكافي و الناتج عن العلم، فكان من السهل حكم الأفراد المتميزين لأفراد جماعتهم و ذلك لعدم امتلاك الفرد البسيط أية كفاءة  لتعلم سلوكيات متجددة، إلا ان ما يصعب فهمه هو حالة الكثير من المجتمعات المنقادة بشكل أعمى وراء الخرافات الدينية و وراء قادتها العاجزين عن اعطاء أي شيئ مميز لها، فهل افترينا على أنفسنا عند توحيدنا للآلهة و مزجهم بإله واحد، لتصبح طريقة تفكيرنا أحادية، لنعلن عن تشبثنا بإله واحد، وفكر موحد، وقائد أوحد؟

نسيمي: أسهل طريقة لإنشاء موقعك على الإنترنت!