بحر الدوار

الإمساك باللحظة التي لم تمض بعد!!

” إنهم يسرقون الله… ولا يراني.. ولا أراه…

-   لا أحد يعرف أين الباب؟!! ولكن الأدهى أن أحدًا لم يسل أين الباب؟! باب خشبي قديم تساقط طلاؤه وعَلاه التراب؛ تفتحه لتجد خلفه جدارًا، جدارٌ خلف الباب…

-   الكون نظام ما هو واقع.. بينما الرياضيات نظام ما هو ممكن!! والواقع بالطبع جزء من الممكن، مثل مطبعة فيها من كل أنواع حروف الأبجدية.. مليون حرف، وقد أخذت هذه الحركة في الاصطدام معًا، فتجتمع وتنتظم وتتباعد.. تنحلّ؛ في دورة لا نهائية، فلا شك أنه في دورةٍ ما من هذه الدورات اللا نهائية الحركة؛ لا بد أن يخرج هذا المقال الذي تقرأه الآن… كما أنه في دورة أخرى سيخرج كتاب “أصل الأنواع”، وكذا “القرآن” مجموعًا منضدًا مُصححًا من نفسه، ويمكننا إذن أن نتصور أن جميع المؤلفات التي وضعت من قبل؛ ستأخذ دورها في الظهور خاضعةٍ لحالات احتمال وإمكان في اللا نهائية.

-   ما قيمتي كإنسان إذا آمنت بأن كل فعل أرتكبُه هو من فعل الله، وما أنا سوى تجربة مروية سابقًا يشاهدها رب عاطل يحتسي الخمر أثناء استلقائه على إحدى السحب في عليائه؟ ما قيمتي؟! في اللوح المحفوظ منذ بلايين السنين قيل: “تبت يدا أبي لهب وتبْ”. قبل أن يولد أبو لهب، وقبل أن توجد شبه الجزيرة أو قبيلة قريش، وربما قبل أن يخلق الله العالم من الأساس. أي عدلٍ إلهي هذا؟!! وما ذنب أبي لهب؟!!-

-   حتى الممثلون على خشبة المسرح، وإن حفظوا أدوارهم من نصٍّ مُعد مسبقًا، فلهم بعض الحرية في الخروج عن النص، فاتحين بابًا للحرية والإبداع… إبداع الحركة البشرية لا يمكن أبدًا تخيله سجين سيناريو مرسوم منذ الأزل.

-   لم التعب ومعاناة البحث والتساؤل؟!! ما دام الدكتور مصطفى محمود والشيخ الشعراوي وآخرون يضعون لي لحم فرويد وماركس وداروين ميتًا على طبق صدئ؟ إنهم رجال العلم في مدينتي.. مدينتي النائمة تحت رماد الكبت والكهانة.

-   أن تحيا كترس لساعة حائط معطوبة.. أو… أو تحيا كفارس عقل متأملاً ماضيًا مَجدُولاً بأن أضحى وأظهر كثيبًا ملتهبًا تكاد ناره تأكلُ قادم اللحظات.

-   ولكني في النهاية؛ سأظل أبحث عنك يا إلهي.. أرجوك.. لا تخذلني تلك المرة.. فقد أتيت إليك بضآلتي وضعفي وجهلي”.

كانت البداية منذ عاميْن، حين تعرَّفتُ على أيمن الجندي من خلال نص صغير في مدونته “حريق الأبجدية”، يتكلم فيه عن الجوهر القار، وسط أعراض لغوية، ليمتد ليجذر، ويجذر ليمتد، ومن حينها أحببته، النص وأيمن، كليهما، وبدأ التواصل وصولاً لهذه الراوية “دوار البحر“، ربما إن قابلت أيمن ستراه أحد أبطال الرواية، التي بعد سلسلة من طويلة النصوص الأدبية، والشعرية، والعلمية، والفلسفية تستوقفك حينًا وتسرع بك حينًا آخر، حتى إنك لا تكاد تلتقط أنفاسك خلفها، تتوقف أمام شخصية “عبد الرحمن” حفيد “إسماعيل أدهم”، والذي ظهر في الرواية في بداية الجزء الثاني المُعنوَن “لماذا أنا؟”، ولكن وضع الكتاب لنا “استباقة مفتاحيّة” عنه في الجزء الأول، بحديثه الجدلي مع جده حول إسماعيل أدهم وكتابه “لماذا أنا ملحد؟”.

عبد الرحمن، الشاب، التائه في غياهب الحياة، بلا سكن ولا مأوى يركن إليه، سوى الدين، يتلو الأحاديث والأدعية لحالة نفسية من الطمأنينة يرجوها من ذكرها، أو درءًا لشر يجهله، هو لاعن لحظهِ العاثر، لكنه لا يثور عليه أبدًا، متأزم من فقدان زوجته وولده في حادث احتراق قطار الصعيد، يتقابل مع الطبيب الشاب، اللاهي في متع الحياة، المستغرق طوال الوقت في إشباع حاجاته الجسدية بالمخدرات الحقيقية والنفسية، والفكرية بالقراءة والمناقشة والتأمل في كل صغيرة وكبيرة.

زرادشت أتمّ الثلاثين من عمره ونزل من الجبل، منفاه الاختياري.. والدكتور أتمّ الثلاثين من عمره فوق الجبل في منفاه القسري “الجيش”، ونزل إلى المدينة.. كلاهما نزل للمدينة يحمل رسالة، وإن لم يكن نبيًّا، ولكنه “نبا” وارتفع ليدرك المزيد من الحقائق الآنية، المرتبطة بمكان وزمان الوعي الحدسي، دون مفارقة بها أو ركون لها لتأبيدها، كلها محاولات في المشروع الإنساني نحو التطور لأعلى. كلاهما يبحث عن الظل خلف الأثر، فكل “الأمام” مجرد قشور، مجرد زبد… وإن لم يذهب جفاءً.

في اللاوعي أحيانًا نجد ضالتنا، العديد من الأسئلة تطرح وتتصارع وجوديًّا دون توقف.. إنها التساؤلات التي لم تحتملها رأس الفتاة “سو” عشيقة الدكتور الحسناء، التي لعبت الخمر برأسها فراحت تقصُّ كل ذكرياتها أمامه في تواصل ربما لم تكن لتقدر عليه في يقظتها، الدكتور وثِلته في الشاليه الآن ينتشون طربًا بعد تعاطيهم مزيجًا من التركيبات المخدرة التي ألقت بهم جميعًا في غيابة الجُب، إلا هو، تميّزه يجعله مختلفًا.. أو قل متفرِّدًا، فالثمالة والانتشاء عنده مراحل كشفيّة، فقد ظلّ هو يقظًا، فاللا وعي عنده هو الوعي، إنها الحالة الأثيرية التي يجلب منها الجُدد والعتقاء، “يأخذنا المجون قليلاً قبل أن أقفز فجأة لأفتح درج المكتب وأخرج سيجارتي الملغومة، چواني الثقيل”. ص40.

فيسرع بإخراج هاتفه المحمول أو وريقته الصغيرة من جيبه الخلفي، وقلمًا جافًّا قارب على الانتهاء، فيخطّ فيها ما جادت به فيوضات الكشف الصوفيّة تلك.. بل إنه يتهرّب من الفتاة الجديدة التي تعرّف عليها هربًا من الحب.. “لا أريد أن تنمو بيننا أي مشاعر من ناحيتها تجاهي، كرهتُ تلك اللعبة السخيفة”، ص 61.

إنها حيلة ثنائية الأنا الممتدّ أفقيًّا، عبد الرحمن والدكتور، كلاهما واحد، أو واحد حلّ في كلاهما، التقاء الدكتور مع عبد الرحمن يمثل انطلاقة وعي جديدة، وعي بالآخر، الآخر هو أنا ولكن في حالات مختلفة، إنه مرحلة لي أو أنا كذلك بالنسبة له، ولكن يظلّ السؤال القائم: على من منا أن يتجاوز الآخر للتطور؟! لمن المركزية في الرؤية والقصدية؟! فالبحث، أي بحث، وإن كان له بداية، فالخيانة العلمية هي أن نفترض أن له نهاية. كما جاءت في “قلب الليل” رواية نجيب محفوظ الفلسفية المجرّدة، أو فيلم عاطف الطيب العبقري السينمائي الواقعي، تعالج نفس المشكلة في حياة البطل؛ فيمرّ بمرحلة التدين المبالغ فيه، الشكلي السطحي، يتلوها الانغماس في اللذات، وتنتهي بالتأمل العميق الفلسفي، إنها المراحل الخلقية الأفلاطونية في جمهوريته الخالدة، الشهوة.. العفة… العقل. إنها تتأتى هنا في انعكاس جيد الصنعة.

ويأتي الحسّ التسجيلي في الرواية في العديد من الموتيفات “الحركات” الأقرب للكادرات السينمائية في كتابة السيناريو، “في القطار.. تأملت التذكرة.. سكك حديد مصر.. من الأقصر إلى الإسكندرية، درجة ثانية مكيفة، نصف ضابط ذهاب فقط.. هنا بعض الفتيات يلعبن الورق، الشايب، ويبحثن عن حكم مناسب للخاسرة التي بقي الشايب بيدها.. أوقظي أحد النائمين بالقطار.. كان هذا هو الحكم، وكان النائم أنا، ولكني في حالة لا تسمح بتلك المداعبات الثقيلة”، ص 32.
“يخرج من جوف الشارع الجانبي إلى قلب شارع 45، ربما سبب تسميته كذلك أن عرضه 45 متر، أو ربما لسبب آخر غامضًا، ثم يصل لشارع الترام ويتأمل الطريق الموازي لخط البحر.. لأن الطريق إلى البحر لا يؤدي لغير البحر، وإن اختلف بحر ميامي عن بحر ستانلي عن بحر المنشية، فكلها بحور”، ص 69.. ص74.

إنه الولع بالإمساك باللحظة التي لم تمض بعد، محاولة التشبث بالآنية، فيمكنك – دون مبالغة – التأريخ لزمن كتابة الرواية من خلال عبقرية السرد داخلها، لهذا ذكر أسماء الشوارع والميادين وخطوط المواصلات وأماكن المطاعم وشكل الطرق والشواطئ وصولاً للكباري والأنفاق، لا خوفًا من المستقبل، ولكن سعيًا للتأصيل والحفاظ على الهوية والخصوصية التي دمرها التوغل الاستيطاني للأجناس والثقافات الغريبة تحت مسمى العولمة التي شوّهت شكل المدينة الجميلة، وتظهر”موتيفة” الرحلة في كثرة انتقال أبطال الرواية مكان لآخر بحثًا عن شيء ما، مرّة لتحقيق الأنا ومرّة أخرى لإكمال ما فقدته خلال رحلات سابقة.

الرواية تحشد داخلها العديد من المفاهيم الفكرية والدينية والفلسفية التي تثير في الذهن عددًا من التساؤلات حول وعي ولا وعي الكاتب/ البطل، أهناك ترابط في تكوينه الشخصي بكلّ هذا، أم كان جلبهم هنا مجرد لخدمة الحدث نفسه؟! ونذكر منها: الهمّ المعرفي، اللوح المحفوظ، العدل الإلهي، التزامنات المطلقة، القدَر، القلق الوجودي، النقل المُبدِع، الانتحال، الاقتباس.

 

بل تم ذكر أسماء بعض الكتّاب وكتاباتهم معهم: نيتشه “هكذا تحدث زرادشت” ص18، سارتر “الوجود والعدم، الغرفة، الغثيان، الجحيم، الأبواب المغلقة” ص21، جاك مونو “المصادفة والضرورة” ص23، الأشعري “اللمع” ص30، إسماعيل أدهم “لماذا أنا ملحد؟، ملقى السبيل في مذهب النشوءالارتقاء” ص 163، 167… وغيرهم.
ولا ننسى ذكر العديد من أسماء الأعلام في مجالات متنوعة كالأدب والفلسفة والطب والعلوم والفلك وعلم النفس والفن، مثل: المتنبي – ريكله – جوته – لوترياسون – ستيفن سبندري – أدونيس – محمد إبراهيم أبو سنّة – هنري بوانكاريه – فرانسواز جاكوب – أندريه لووف – سارتر – الأشاعرة – المعتزلة – الباقلاني – موزارت – فان جوخ – فرويد – إيونج – جاك لاكان – كلود مونيه.

أما عن النص المقتبس أول المقال؛ فهو منقول من الرواية، ولكن النص – وللدهشة – لم يُعرض متصلاً هكذا في الرواية؛ ولكنه كان موزَّعًا على مدار 140 صفحة من الجنون الأدبي، في ثلاثة أجزاء داخل الرواية، لكلٍّ عنوانهِ وعدد فقراتهِ الخاصة، (خوفًا من الكتاب، ص6، 22 فقرة – لماذا أنا؟! ص45، 45 فقرة – عشق الظلام، ص113، 17 فقرة) التي يربط بينها خيطٌ رفيع غير مرئي يختلف ويتدرّج في قوته وتماسِه بين السرد الحكائي، والنقل والاقتباس، والتوثيق المكاني والعلمي، والبوح والتلقائية في الكتابة، وأدب الرحلات. وإن كان الخيط الرابط غير مرئي، فلم نفترض وجوده؟! هكذا يصدمنا الكاتب.


نسيمي: أسهل طريقة لإنشاء موقعك على الإنترنت!