إن المراقب للساحة السينمائية العالمية ، لا يمكنه تجاهل ظاهرة تبدو واضحة على سطح الحركة السينمائية العالمية وهي الأفلام التي تدور في فلك : هتلر – النازية – المحرقة – الحرب العالمية وطبعا اليهود ، ولا يمكننا إلا أن نربط العامل الزمني لظهور هذه الأفلام بهذا الزخم وإعتلاء إدارة جديدة قمة العمل السياسي في المكتب البيضاوي ، تلك الإدارة التي إتخذت لنفسها بعدا صوتيا جديدا في التعامل مع الآخر العربي – الإسلامي.
وسبب إختياري لوصف البعد الأوبامي الجديد في الإدارة بالبعد الصوتي ، كونه لم يخرج بعد من رحم الصوت ليتجسد على أرض الواقع ، حتى بعد سكوت التهليل والتصفيق وفض المائدة الرمضانية في البيت الأبيض ، ليظهر لنا سيد الأفعال لا الأقوال السيد نتن ياهو ، ليفتح الباب أمام عملية الإستيطان في القدس ضاربا بعرض الحائط أصواتنا ، المشغولة بالإحتفال بمسرحية الإنتخابات الفلسطينية الكرتونية التي لم تتعد مسرحية عرائس بأيد إسرائيلية وأختام عبرية.
هذا من ناحية ، أما الأخ الفلسطيني الآخر الحمساوي والذي لم يفق بعد من حالة الغباء السياسي المزمن وعصور الجاهلية الأولى فلايزال مشغولا بالحجاب ليفرضه على المحاميات وطالبات المدارس وكأنه بذلك سيحل مشكلة الفقر و البطالة والحصار بقميص عثمان الذي إرتدته حماس لا ينزعنه غير إله إحتجب في السماء السابعة.

وبالعودة لحديثي عن السينما ، والذي حركه فيلم
(INGLOURIOUS BASTERDS)
، والذي يدور في نفس الفضاءات السالفة الذكر ولكن بإتجاه عكسي يميزه بشكل أو بآخر ، ففي أحد المشاهد نرى مجموعة من الناس يساقون كرها إلا أحد المباني وتغلق عليهم الأبواب ومن ثم تضرم النيران في المكان لتلتهمهم ، ليصور لنا المخرج العبقري كونتين تارنتينو تفاصيل التمسك الإنساني بالحياة والصراخ والطرق العنيف على الأبواب ، ولكن المفاجأة تكمن في ان هؤلاء الضحايا نازيون ، وليس كما ظننت وظن الجميع يهودا.

وقد علق تارنتينو على الفيلم قائلا :
يعجبني ان قوة السينما هي التي تتصدى للنازيين ، ليس بالشكل المجازي إنما بشكل واقعي .

ومن ثم تصف مجلة النيوزويك الأمريكية الفيلم : في فيلم كونتن تارينتينو عن الحرب العالمية الثانية الطيبون هم الذين يتصرفون كالمجرمين …يالها من فكرة رهيبة.

وطبعا إستوقفتني هذه العبارة والتي وكعادة الإعلام الأمريكي ، لم تخرج عن كونها حكما مسبقا ظالما وغير موضوعي بل يعاني في نصه حالة من الإزدواجية فكلمة (الطيبون) وتقصد اليهود تعتبر حكما يقضي بثبات تلك الطيبة في حين أنهم (يتصرفون كالمجرمين) ، لتصبح الفكرة حينها (رهيبة) ، لأتسائل ههنا : أي جزء هو الرهيب تحديدا وصف اليهود إجمالا (بالطيبين) أم (كونهم يتصرفون كالمجرمين ) على أرض الواقع؟

لأجد الإجابة المنطقية تاريخيا وواقعيا ومنطقيا أن وصف اليهود إجمالا بالطيبة يكمن وصفه مجاملة ب (الرهيب).

من المؤلم أن يصل حد تزوير التاريخ إلى هذا الحد من الدعر ، ففي حين أنني لا أنكر المحرقة ولا أنكر الحق اليهودي الأدبي في التباكي ولعب دور الضحية ، إلا أنني أستنكر الإحتكار الإسرائيلي لهذا الدور دونا عن الغجر مثلا أو الألمان الذين ذاقوا نيران الأتون النازي بدورهم.
ذلك الإحتكار الذي حول المجني عليه جانيا ، وجعل إنتقامه إستحقاقا الشيء الغير مقبول عقليا ومنطقيا وتاريخيا وحتى إنسانيا لأن الجريمة لا تقوم بجريمة مساوية لها في المقدار ومختلفة معها في الإتجاه و الزمان و المكان وحتى الضحية ، لتقهر شعبا آخر ووطنا آخر لأن شعبا ثالثا في وطن ثالث وتاريخ ثالث قد أجرم في حقهم.
فالإستحواذ الإسرائيلي على دور الضحية ، قتل لديهم الحس الإنساني بمأساة الشعوب الأخرى ومعاناتهم وجعل من الستة ملايين يهودي – إن صح الرقم – ثمنا لابأس به لوطن ليس لهم .
كما أن ذلك الإحتكار قد ربى لدى الإسرائيلي حسا زائفا بمراقبة التاريخ فمن يجرؤ على البحث و الإنتقاد والتساؤل عن صحة الهولوكوست إنما هو عدو للسامية كما حدث مع المؤرخ الإنجليزي ديفيد إيرفينغ.
وتطور ذلك الحس ليصبح رقيبا على الإنسانية وحب الحياة ، لنرى أن الإسرائيلين يعتبرون من خروج العرب ذريعة للإدعاء بغياب حس الإنتماء للوطن ، متجاهلين برعونة الجهل والخيانة العربية عوامل من أهمها توحش عصابات اليهود وعودتهم لعصور آكلة لحوم البشر والنكبة العربية والبندقية الإنجليزية والذين جميعا وقفوا حراسا على الحياة- الوطن.

وهنا يحضرني ، خطاب السيد باراك أوباما في القاهرة والذي شهدت حينه وسائل الإعلام الإسرائيلية على الإنترنت حالة تصادم بين اليهود-الإسرائيلين من جهة والأمريكيين الذين وعوا أخيرا لضرورة السؤال القائل ماسر هذا الدعم الأمريكي المطلق للكيان الإسرائيلي؟
ذلك الصدام الذي جعل اليهود وكعادتهم يلجؤون لبطاقة الإتهام الجوفاء الدائمة (معاداة السامية) ، مصورين السيد أوباما بكوفية ياسر عرفات.

قد يستغرب البعض حينما أقول أنني لا أخفي سعادتي بحالة التصادم تلك ، وجهود الجوقة الإعلامية والسينمائية اليهودية لبث ترانيم سلامهم الدامي في المحافل الدولية ، لأن ذلك التصادم سيدفع الكثيرين للتساؤل عن الحقيقة والبحث عنها في فضاء المعلومة والإنترنت و التاريخ والواقع ليجدوا أن فلسطين هي أرض لشعب أصبحت فاتورة الإنسانية لشعب لم يكونوا بلا أرض.

ولكنني أيضا أرى من الضروري ذكر متلازمة العار العربي ، حينما أتذكر مخرجنا العبقري رحمه الله العقاد الذي طالته يد الإرهاب ، حينما إقترح على صاحب شركة ال 100 مطرب ومطربة الأمير الوليد بن طلال تمويل أحد الأفلام التي تتحدث عن بطلنا صلاح الدين الأيوبي والقدس تحت الحكم الإسلامي بمشاركة البعض من رجال الأعمال العرب والأجانب ليرد صاحب السمو رافضا بحجة أنه مشروع غير مربح .
لأجد نفسي لا إراديا أبحث لسمو الأمير عن حجة تتناسب والعقلية العربية الإستهلاكية لأجد :
مقياس النجاح لدى البعض هو هيفاء وهبي.
ونكون فعلا بمعية أمثاله قد أصبحنا:
INGLOURIOUS BASTARDS (وللتصحيح المطبعي ههنا معنى)
وهنا تحضرني عبارة على لسان بطل فيلم تارنتينو هانز لاندا:
يمكن للوقائع أن تكون مضللة.
__________________________________________________________________
على هامش المقال أعلاه لا أملك سوى أن أشكر وأبدي إعجابي برموز السينما الأمريكية والعالمية كين لوتش وجين فوندا ودفيد بايرن وجون جريسون ، الذين وقعوا عريضة إعتراض ومقاطعة لمهرجان تورنتو الدولي للأفلام والذي خصص للحديث عن إسرائيل – تل أبيب ، وأصدر نعيي للعرب وفنانيهم الذين شاركوا بخجل بفلمين إثنين عن فلسطين ، فحينما يسألني أحد أين هي الحركة الفنية العربية عن منابر العالم وعرض القضية ، أجيب أنهم إعتزلوا العالم وقاطعوه لعل الله يبدل الزمن بآخر أو ان يقاتل عنهم ، ولحين حدوث ذلك سيتفرغون لهيفاء وهبي تحت لافتة المقاطعة.
___________________________________________________________________
بعض الافلام عن الحرب العالمية وهتلر و المحرقة والنازية:
- THE PRODUCERS BY MILL BROX 1968
- LIFE ID BEAUTIFUL ROBERTA PIENNINII 1997
INGLOURIOUS BASTERDS BY QUENTIN TARNTINO 2009 -
DEFIANCE 2008 –
- VALKYRIE 2008.