هزنى هذا المشهد وأعادنى الى الوراء أربع سنوات كاملة ، الرئيس السابق ” حسنى مبارك ” ونجليه ” علاء ” و ” جمال ” يدخلون إلى قفص الإتهام بالمحكمة ليحاسبوا على الجرائم التى إقترفوها بحق أبناء شعبهم خلال السنوات الماضية ، أدركت حينها بالواقع واليقين أن دولة الظلم إلى زوال ولا ينبغى لها أن تستمر ، وأن هؤلاء الطغاة لايتعلمون الدرس من غيرهم ممن سبقوهم الى السقوط المريع تحت أحذية الشعب .

 

أعادنى المشهد إلى تلك الأيام السوداء، عندما كان الحراس يقتادوننى إلى قاعة المحكمة بمحرم بك بالإسكندرية لأحاكم بتهمتى إزدراء وتحقير الدين الإسلامى وإهانة الطاغية الذى خلعه شعبه وحاكمه فيما بعد ، تذكرت القسوة المفرطة التى تعامل بها معى الحراس الذين لم يتورعوا عن سبى وإهانتى والإعتداء على بالضرب والتهديدات البشعة ، تذكرت تلك اللحظات التى أدخلت فيها الى سجن الحضرة وكيف أجبرنى ذالك المخبر القذر على قضاء حاجتى أمامه حتى يتأكد من خلو معدتى من المواد المخدرة ، وأنا الذى لم أدخن سيجارة خلال سنوات حياتى ، تذكرت اللحظات التى أودعت فيها الزنزانة الضيقة مع أربع من المسجونين متهمين فى قضايا جنائية مختلفة وكيف كانوا يحرموننا من الحياة الآدمية و كيف كانوا يضطروننا الى التبول فى الزجاجات الفارغة لخلو الزنازين فى سجن الحضرة من دورات المياه ، وتذكرت ذالك العريف المتوحش الذى حاول إخراجى عنوة من دورة المياة أثناء إغتسالى تحت المياه الباردة فى الطقس الشتوى السكندرى حتى يدخلنى زنزانتى ، وتذكرت ضابط مباحث سجن الحضرة الذى أتلف الطعام الذى أحضرته بعد إحدى جلسات محاكمتى وصادره ومنعنى من أن آخذه معى الى الزنزانة فى وقت كنت محروما فيه من كل شىء وممنوعا من الزيارات ، تذكرت ضابط الترحيلات الذى إعتدى على بالضرب والسب أمام موظفى نيابة محرم بك دون أن يحرك أحد منهم ساكنا أو ينطق بكلمة واحدة مهددا اياى بأننى سأعيش أسوأ أيامى فى السجن وسأنتحر من قسوة ما سأواجهه ، وتذكرت رئيس مباحث مجمع محاكم الإسكندرية الذى إعتدى على بالضرب المبرح مع جنوده وكان يصورنى بكاميرا هاتفه المحمول أثناء ذالك ويطلب منى فى هذه اللحظات العصيبة أن أبتسم ! .

 

وتذكرت الأيام الخمس والستون التى قضيتها فى ” عنبر شديد الحراسة ” بسجن برج العرب المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام والموقع عليهم جزاءات تأديبية ، وكيف كان العميد ” جمال مخيمر ” مأمور السجن وقتها ، ونائب مدير أمن المنيا حاليا يساومنى على ما سجنت لأجله ويطلب منى إعلان التراجع عن آرائى فى مقابل إخراجى من هذا الحبس الإنفرادى وهو العرض الذى رفضته بشدة وأدى ذالك إلى إستمرارى وحيدا فى زنزانة ضيقة ، لم يكن يسمح لى خلال هذه المدة بالذهاب الى دورة المياة سوى مرات قليلة ، بلغت فى وقت من الأوقات إحدى وعشرين يوما لم أتمكن خلالها من الإغتسال لأن مأمور السجن وقائد العنبر لم يوافق ذالك هواهما .

 

وتذكرت أيضا كيف كان ” عمرو جابر ” أمين الشرطة التابع لمكتب أمن الدولة فى سجن برج العرب يتدخل لمنعى من الزيارات حتى أنه قام بمنع محامى من زيارتى بالرغم من حصولهم على إذن من النيابة العامة ، وقضيت على إثر ذالك أكثر من عام ونصف العام لم أرى فيها أى وجوه بشرية تنتمى للعالم الموجود خارج أسوار السجن .

وتذكرت ما فعله معى ضابط المباحث السادى القذر ” مدحت سمير ” الذى يعمل حاليا كرئيس لمباحث مركز إسنا بمحافظة الأقصر بالتعدى على بالضرب بواسطة مخبر وجندى ومسجون جنائى لشكه ( مجرد شك لا يرقى الى مرتبة اليقين ) فى تحريضى لسجناء أفارقة على الإضراب عن الطعام إحتجاجا على سوء الأحوال داخل السجن ، وما تبع ذالك من تلفيق قضية لى ليغطى على جريمته بإتهامى بالتشاجر وإحداث إصابة فى أحد المسجونين بينما كنت مجنيا على ، واحتجازى بعنبر التأديب لعشر أيام متواصلة حرمت فيها من الطعام والشراب وكل شىء ، ونقلى من العنبر الذى كنت أقيم فيه للتنكيل بى ومحاولة تدمير معنوياتى .

وتذكرت ضابط مباحث أمن الدولة بالإسكندرية الذى إحتجزنى لعشرة أيام متواصلة بعد أن أنهيت فترة سجنى ، وإستجوبنى بينما كنت معصوب العينين لمدة ساعتين كاملتين وأنا واقف على قدمى ، وتعدى على بالضرب والسب وهددنى بالاعتقال والضرب وتكسير العظام وأشياء أخرى يعف اللسان عن ذكرها .

تذكرت كل هؤلاء الأشخاص وكل هذه المواقف القاسية العنيفة وأنا أشاهد الطاغية المخلوع يدخل على سريره الى قفص الإتهام ذليلا منكسرا وولديه برفقته وبعض أركان نظامه ، شعرت وقتها بأن حقى قد عاد إلى وأننى قد إسترددت إعتبارى عندما تبدلت الأماكن والظروف والأحوال ، وحينما سأله القاضى عن الإتهامات المنسوبة إليه وأنكرها بشدة ، تذكرت كيف كان حالى عندما كنت فى نفس موقفه وكيف كان ردى على الإتهامات التى وجهت الى والتى لم أنكرها لأننى كنت ولا أزال أراها تاجا على رأسى ووساما فوق صدرى ، ووجدت أن مقارنتى بهذا المجرم الذى تورط فى سفك دماء أبناء شعبه وإفقارهم وإذلالهم هى إهانة لى وإساءة الى سمعتى .

وجدت نفسى أنظر إليه وأتذكر كلماتى التى أرسلتها له فى رسالة على موقع حملته الإنتخابية عام 2005 ونشرتها كمقال بعدها مباشرة وكنت أدعوه من خلالها إلى تقديم تنازل عن الترشح لإنتخابات الرئاسة قبل أن يحين الموعد النهائى لتقديم التنازلات قائلا : ” … إن آخر موعد لتقديم التنازلات الى لجنة الإنتخابات الرئاسية هو يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من هذا الشهر … فأرجوك أن تبدأ بتقديم التنازل قبل حلول هذا الموعد وسنكون شاكرين لك مالم تكن متورطا فى أى شىء يستوجب معاقبتك .” … وتسائلت : مالذى كان سيحدث إن إستجاب المخلوع لنصيحتى وتنازل عن الترشح للرئاسة وقتها .. ألم يكن سيتفادى كل ما يتعرض له الآن من ؟؟!!!.

وسألت نفسى : لماذا لا يرى هؤلاء الطغاة سوى ما تحت أقدامهم ولا يتخيلون اللحظات العصيبة التى سيزول فيها ملكهم وينتهى سلطانهم ويسقطون تحت أحذية الشعب يلتمسون الرحمة والعفو ؟؟!! .