إن التشابه بين ثورتى القرنفل فى البرتغال و 25 يناير فى مصر كبير جداً وخاصة فى ظل أمرين : أولهما  التطورات الراهنه بعد ستة أشهر من الثوره وثانيهما معادلة القوى والتيارات السياسيه متشابهه جداً بما فيها مباشرة قادة القوات المسلحه للعمليه السياسيه ولكن فى النهايه تحولت البرتغال من الديكتاتوريه إلى الديمقراطيه فهل تحمل لنا تجربة البرتغال الدروس و الأمل معاً

الحقبه الديكتاتوريه

وصل الديكتاتور أنطونيو سالازار إلى السلطه عن طريق انقلاب عسكرى عام 1926 وكان سالازار حاكماً مستبداً قيد الحريات فى البرتغال و تردت الحاله الإقتصاديه والإجتماعيه فى عهده إلى الحضيض كما أنه مارس كل الوسائل للتنكيل بمعارضيه فكانت الحياه الحزبيه تقتصر على الحزب الحاكم المستبد و الحزب الشيوعى الذى عانى الإضطهاد و اعتقال قادته وهذا يشبه الحياه الحزبيه فى عصر مبارك فى ظل وجود الحزب الوطنى الحاكم و الإخوان المسلمين .

ظل سالازار ديكتاتوراً للبرتغال من عام 1926 وحتى وفاته عام 1970 ثم أتى بعده كايتانو والذى استمر على نهجه كديكتاتور للبرتغال حتى عام 1974

ويذكر أنه خلال أواخر الفتره الديكتاتوريه كما هو الحال فى مصر تشكلت حركه عماليه تطالب بحقوق العمال ولكن كان يتم قمعها بقسوه من جهة الشرطه

ثورة القرنفل

فى فجر الـ 25 من أبريل 1974 بثت الإذاعه أغنية E Depois Do Adeus للمغنى البرتغالى باولو دى كارفالو وكانت هى إشارة البدء للثورة التى اتفق عليها مجموعة الضباط اليسارين ثم كانت أغنية Grândola Vila Morena للمغنى زيكا أفونسو والتى كانت ممنوعه هى إشاره للتقدم والإستمرار والسيطره على كل المواقع ذات الأهميه فانطلق الشعب فى الشوارع على الرغم من بيانات الجيش التى دعتهم لإلتزام بيوتهم خوفاً من إراقة الدماء وكان ذلك فى موسم القرنفل فوضعت الجماهير زهرات القرنفل فى فوهة مدافع الدبابات و البنادق وطوقت أعناق الجنود بها فسُميت بثورة القرنفل و التف الشعب حول القوات المسلحه التى ملأت الشوارع كما حدث فى مصر تماماً مع إختلاف أن فى مصر الذى قام بالثوره هو الشعب ثم أيدها الجيش فى مرحله لاحقه إلا أن الصوره فى 11 فبراير 2011 فى مصر واحتفال الشعب مع الجنود على الدبابات هى نفس الصوره فى 25 أبريل 1974 فى البرتغال

الجنرال سبينولا والمجلس العسكرى

تولى الجنرال سبينولا رئاسة الدوله وكان يميل إلى إصلاح النظام القديم إصلاحاً سطحياً إلا أن الشعب بشكل عام والحركه العماليه بشكل خاص أرادوها ثورة وليس إصلاحاً .

شكل الجنرال سبينولا حكومة ذات غالبيه من الحزب الشيوعى على الرغم من أنه كان معادياً للشيوعيه إلا أنهم كانوا القوه السياسيه الوحيدة المنظمه على الأرض والقادره على التحكم بتعبئة الجماهير كما هو حال الإخوان المسلمين فى مصر و من الطريف أن الحزب الشيوعى وقف خلف العسكر داعماً لهم تحت شعار ” تحالف الجيش والشعب ” كما يقف الإخوان المسلمين الآن وراء المجلس العسكرى تحت شعار ” الجيش والشعب ايد واحده ”

إستمرت فترة الجنرال سبينولا حوالى خمسة أشهر ولكن المظاهرات الحاشده للعمال والإضرابات المتكرره والإعتصامات العماليه والتى كان هدفها تطهير البلاد من المديرين وقوات الأمن السياسى ورفع الأجور وهى تقريباً نفس مطالب إعتصامات التحرير الآن ولإثبات الولاء كان الحزب الشيوعى يرحب بفض إضرابات العمال بالقوه عن طريق قوات الجيش على الرغم من وجود أعضاؤه بها مما جعل الشارع يلتف حول أحزاب اليسار التقدمى والتى تشكلت بعد الثوره وأهمها كان الحزب الإشتراكى بقيادة ماريو شواريس

وفى نفس الوقت كانت هناك محاولات تقودها الطبقه الحاكمه القديمه للعوده إلى الحكم وحاول سبينولا بميوله لإصلاح النظام تسليح ما سماه فى واحده من خطبه بـ ” الأغلبيه الصامته ” ضد الحركه العماليه إلا أن الحركه العماليه إنتصرت و أجبرت سبينولا على الإستقاله وتولى بعده الجنرال كوستا جوميز السلطه لحين عمل انتخابات ودستور جديد للبلاد

الدستور والانتخابات والمسأله الدينيه

الحزب الشيوعى فى الفتره الانتقاليه وافق على قانون منع الإضراب الذى أقرته السلطه العسكريه فى البلاد وهذه يشبه قانون منع التظاهر فى مصر الذى أقره المجلس العسكرى وحكومة عصام شرف إلا أنه فى البرتغال رداً على القانون قام ما يقارب خمسة آلاف عامل بتحدى القانون وطافوا فى شوارع لشبونه وحدث ذلك فى مصر تماماً باستمرار الإعتصامات والمظاهرات

بالنسبه للدستور فإنه تم إنتخاب مجلس تأسيسى بحيث أن كل عضو به يمثل تقريباً 45 ألف مواطن وكان هذا المجلس يصوت على إقرار مواد الدستور ماده ماده بأغلبية الثلثين وكان الذى يصيغ المواد هو الحكومه بقيادة العسكر

القانون الإنتخابى للإنتخابات البرلمانيه الذى تم إقراره للمرحله الإنتقاليه أوجب الإنتخابات بالقائمه وليس فردياً حتى يشجع الأحزاب وقيام تحالفات فيما بينها خاصة أن أغلبها جديد فى حين أن قانون الإنتخابات البرلمانيه فى مصر نص على أن الإنتخابات ستكون بنظام القائمه المغلقه بنسبة 50% و مثلها للنظام الفردى مما يفتح الباب واسعاً أمام عودة ممثلى الحزب الوطنى و يُضيق الفرصه على الأحزاب الجديده و لا يشجعها على التحالف

وعن المسأله الدينيه فى خلال الفتره الإنتقاليه لثورة القرنفل والتى تشغلنا أيضاً فى مصر يقول ألفار ودى فاسكونسيلوس – مدير معهد الإتحاد الأوروبى للدراسات الأمنيه فى باريس فى محاضرته عن ” تحديات عملية التحول الديمقراطى فى البرتغال ” يقول ” لكل عملية تحول ديمقراطي مخاوف من مسائل بعينها، فمثلا التحول الاسباني كان هاجسه عدم العودة للحرب الأهلية والتحول البرتغالي كان هاجسه هو الدين. ويعود ذلك إلى مرحلة سابقة من المحاولات الديمقراطية في البرتغال بين 1910-1926 حيث اتخذت الحركة الديمقراطية آنذاك موقفا عدائيا من الكنيسة الكاثوليكية وحاولت فرض إصلاحا جبريا عليها. فما كان من الكنيسة إلا أن عارضت هذه الحركة بشدة حتى تم إجهاضها. وقد نجحت في ذلك لأن الناس عندما يشعرون أنهم مهددون في عقيدتهم يتم حشدهم وتعبئتهم بسهولة ودون تفكير ويخلطون اعتبارات الدين مع اعتبارات السياسة دون مبرر حقيقي.  ولذا كانت الأحزاب السياسية في الفترة الانتقالية حريصة على عدم استفزاز الكنسية، بل تضمن الدستور الجديد اعترافا بوضع خاص للكنيسة بعبارة عامة دون تفصيل، حتى يطمئن الناس على مستقبل عقيدتهم ولا تحتاج الكنيسة إلي حشد شعبها على أساس الخوف على عقيدتهم.

أما الحزب الشيوعي فقد كان الحزب الوحيد الذي تحدى هذا الإجماع الحزبي، وعادى الكنيسة بشكل حاد فكانت النتيجة تهميشه في الانتخابات و بالتالي خسر جزء كبير من شعبيته التاريخية.”

لم يطور الحزب الشيوعى خطابه فخسر فى الإنتخابات حيث أنه حصل على أقل من 10% على الرغم من أنه عند قيام الثوره كان أكبر قوه فاعله فى المجتمع و كان هو التيار السياسى الأقوى فى مواجهة الديكتاتور قبل الثوره ومع ذلك مع عدم تطوير نفسه وفى ظل رغبته فى الوصول للسلطه فقد شعبيته

و أخيراً الديمقراطيه فى البرتغال

يجب الإشاره فى هذا المقال إلى تأثير الدول الأوروبيه المجاوره للبرتغال على ثورتها فبرغم قوة الحزب الشيوعى فى البرتغال إلا أن أحد عوامل هزيمته وانتصار حزب يسار الوسط ” الحزب الإشتراكى ” هو تشجيع الدول المجاوره ليسار الوسط ورفضها للشيوعيه

فى 25 أبريل عام 1975 و بعد عام من الثوره جرت أول إنتخابات ديمقراطيه فى البرتغال وفاز ماريو شواريس وحزبه الإشتراكى فى الإنتخابات وبدأت البرتغال أولى الخطوات على طريق الديمقراطيه والإذدهار الإقتصادى و العداله الإجتماعيه

وبرغم أن الجيش خلال الفتره الإنتقاليه تدخل فى السياسه وتلاعبت السياسه به حتى أنه إنقسم على نفسه أثناء الثوره بين مؤيد ومعارض لإتجاه بعينه وتم تسيسه من القيادات وحتى الجنود إلا أنه فى النهايه ونتيجة الضغط الشعبى المتواصل والحركه العماليه لم يجد مفراً من العوده لثكناته والإبتعاد عن السياسه

بعد هذه التجربه التى يجب أن نستفيد من دروسها جميعاً كمجلس عسكرى و تيارات إسلاميه و حركه عماليه وليبراليين و معتصمين بالميدان وأغلبيه صامته …إلخ . هل فى النهايه تعطينا تجربة ثورة القرنفل البرتغاليه أملاً لديمقراطيه وتقدم تحققه ثورتنا المصريه ؟؟ أم أن واقعنا مختلف و برغم المتشابهات بين الثورتين سننتقل من ديكتاتوريه إلى ديكتاتوريه ؟؟

فى كل الأحوال ينبغى أن لا نغلق أبواب الأمل

” ربما ننفق كل العمر.. كى ننقب ثغره

ليمر النور للأجيال .. مره !

….   ….

ربما لو لم يكن هذا الجدار ..

ما عرفنا قيمة الضوء الطليق !!” أمل دنقل