أوجه في هذا المقال بعض الإنتقادات إلى القائمين على المؤسسة العسكرية بسبب التجاوزات تجاه المدنيين و طرق فض الإعتصامات بالقوة و الإنتهاكات الصريحة للناشطين و الإعلاميين بإستدعائهم للتحقيق في النيابة العسكرية لتعديهم على حد قولهم الخطوط الحمراء في تصريحاتهم و تعليقاتهم على الأحداث , و إطلاق اليد المطلقة للشرطة العسكرية إلى أن أصبحت الشرطة العسكرية تذكرني بما كان يفعلونه عساكر الأمن المركزي في أيام ما قبل الثورة

أتذكر أول موقف إحتك فيه الجيش بالثورة في أحداث يوم الأربعاء 2 فبراير 2011 حين وقف الجيش يومها موقف المتفرج على أحداث البلطجة ضد المتظاهرين بالرغم من سيطرة قواته على مداخل و مخارج ميدان التحرير , مما أدى تقاعسهم إلى وقوع قتلى و جرحى من جراء إستخدام الطلقات الحية أو دهسا تحت أقدام الجمال في المعركة المعروفة إعلاميا بإسم موقعة الجمل , و حتى بعد مرور أشهر على الواقعة مازال الجيش يتذكر هذه الأيام , الأمر الذي دفع وزير الإعلام المعسكر اللواء طارق المهدي من إصداره لتعليمات بعدم نشر أية فيديوهات أو مواد تتعلق بأحداث هذا اليوم على التلفزيون المصري.

أما أحداث 9 مارس 2011 فلم تختلف كثيرا عن أحداث موقعة الجمل ولكنها أثبتت أن الجيش متورطا أكثر فأكثر في هذا اليوم , ففي حوالي الساعة 12 ظهرا قام عدد كبير من البلطجية بالهجوم على الميدان و قاموا بالإعتداء و تكسير خيام المعتصمين بميدان التحرير , و قام رجال الجيش بقذف الأحجار على المتظاهرين و مساعدة هؤلاء البلطجية في إزالة الحواجز و الخيام بل وإعتقال مايقرب من 160 متظاهر هذا اليوم و إحتجازهم في المتحف المصري و التعدي عليهم بالسب و الضرب بإستخدام أدوات حادة و الجنازير و الصواعق الكهربائية الأمر الذي يعد إنتهاكا صريحا ضد المدنيين , و لن ننسى بالتأكيد قيام رجال الجيش بالتعدي على الناشطات و المتظاهرات بالكشف الجبري على عذريتهم و محاولات تلفيق قضايا دعارة ليتبين للرأي العام أن ميدان التحرير أصبح بؤرة فساد و إنتهاكا للحرمات و الأخلاق العامة و لتبرير الإنتهاكات التي تقوم بها الشرطة العسكرية تجاه المدنيين.

و تعد أحداث 23 مارس 2011 أولى الإنتهاكات العلنية للشرطة العسكرية بداخل أسوار الحرم الجامعي لفض إعتصام كلية الإعلام لإقالة عميد الكلية الدكتور سامي عبد العزيز , طبعا لم يكن فض الإعتصام بالطريقة المثالية و لكن تطور الأمر من مجرد الإعتداء بالضرب على طلبة الكلية بالأيدي إلى إستخدامهم للعصي الكهربائية مما يعد هذا اليوم تجاوزا لسلطات الشرطة العسكرية بإقتحام و إسقاط إستقلالية الجامعات المصرية و كسر هيبة الطالب الجامعي بداخل الحرم الجامعي و خصوصا إعلاميين و قادة حرية المستقبل في مصر.

و المهزلة الكبرى و المعروفة بإسم موقعة المشير أحداث 9 أبريل 2011 و قيام القوات المسلحة بالإشتراك مع قوات الأمن المركزي بفض إعتصام التحرير بالقوة و ترويع المواطنين المدنيين بإطلاقها للرصاص الحي في الهواء و إعتداء بالضرب من الشرطة العسكرية على المصابين و عدم توافر سيارات الإسعاف الأمر الذي أسفر بإنتهاء هذا اليوم عن مقتل شخص و إصابة 71 آخرين من المدنيين , قد يكون هذا الحدث قد إستفز الكثيرين ولكنه في نفس الوقت طرح تساؤلات كثيرة عن مدى تماسك القوات المسلحة , و هل هناك فعلا إنقلابا ما يحدث بداخل المؤسسة العسكرية إعتراضا على فساد القادة الكبار و ولائهم لقائدهم الأسبق الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك  , و ماهي بالضبط قدرة و تحمل إستمرار القوات المسلحة في إدارة شئون البلاد السياسية خلال الفترة المتبقية.

وعندي بعض الملاحظات فعندما أعلنت نتائج استفتاء 18 مارس على التعديلات الدستورية و اكتساح كلمة نعم النتائج في غالبية المحافظات بدأت منذ تلك اللحظة إنفراد صريح وواضح من المؤسسة العسكرية في إدارة شئون البلاد بشكل مطلق بل و السيطرة على مقاليد الأمور و أصدر الإعلان الدستوري المكون من 63 مادة و أعطى بذلك لنفسه السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية وفقا للمواد 51 و 56 و 57 و أصبح مسيطرا على مقاليد المؤسسات المدنية تماما و له الحق في التجاوز بإسم الإعلان الذي وضعه , لذلك كان المجلس العسكري رافضا دائما و أبدا لوضع دستور آخر جديد قد يقلص من صلاحياته فبادر إلى الوقيعة السياسية التي أحدثها, و عندما وجهت الإنتقادات لسياسيات المجلس العسكري خرج اللواء ممدوح شاهين ملوحا بالإعلان الدستوري و أن المجلس العسكري قد إستمد شرعيته المطلقة من نتائج الإستفتاء الأخيرة ليستفز بهذا التصريح غالبية القوى السياسية و يسحب البساط من تحت الجميع ليصبح أعضاء المجلس العسكري مثلهم مثل آلهة الأوليمب يحركون عالمهم بأكمله ويصبون لعناتهم على الذين ينتقدون سياساتهم !

و على الصعيد الإعلامي منذ القدم و حتى الآن أصبحت المؤسسة العسكرية تروج بأن أخبارها دائما خطا أحمرا لا يمكن تجاوزه أو تداول أية أخبار تخصها علنيا في الصحافة و الإعلام لمصلحة مصر العليا و ما إلى ذلك , و بالفعل عندما قمت بزيارة دار التحرير لاحظت أن هناك بيانا منشورا بشأن هذا الأمر  خصوصا في دور نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية مذكورا فيه أنه يجب على الصحفيين الشرفاء عدم المساس بأية أخبار تخص المؤسسة العسكري لأنها خط الدفاع الأخير لهذا الشعب العظيم و الدرع الحامي للثورة و ما إلى آخر هذا الكلام الذي من شأنه أن يحط من قدر حرية تداول المعلومات و نشرها و بالأخص حرية الصحافة نفسها , و ببساطة متناهية سيطرت المؤسسة على الأخبار التي يتم نشرها بالصحف بل و قامت باحتكار كافة أدوات الإعلام لبث أخبارها المضللة و الكاذبة تجاه المعارضين و الناشطين ضد السياسات و القرارات التي تقوم باتخاذها بل و التعتيم أحيانا على الحقائق كما شاهدنا في أحداث إمبابة الأخيرة و أحداث 9 أبريل و 28 يوليو عندما قامت باتهام المتظاهرين الذين تصدوا لاعتداءات ضباط الداخلية و الأمن المركزي دفاعا عن أهالي الشهداء في ميدان التحرير بأنهم بلطجية .

أخيرا هناك تساؤل يدور في ذهني و خصوصا في الفترة الأخيرة , لماذا يتم إستدعاء بعض الضباط قيد الإحتياط و الحاصلين على التأجيلات و تجنيد إجباري تعسفي لكل الشباب هذا العام بمعدل أكبر بكثير من معدلات أرقام تجنيدهم عن الأعوام السابقة ؟  فهل تسعى المؤسسة العسكرية إلى إجهاض قوة و إصرار شباب الثورة و تحطيم ثورتهم تحت وطأة التجنيد الإجباري ؟ في نظري أن هذا يعد إنتهاكا من نوع آخر بغض النظر عن رفضي التام للتجنيد الإجباري لأي إنسان كان  في مصر أو في أية دولة تفرض هذا النوع من التجنيد على المواطنين لأي سبب من الأسباب.

في نهاية الحديث أوجه حديثي لكل عضو يمثل المجلس الأعلى للقوات المسلحة قائلا أنتم لستم كآلهة الأوليمب و نحن لسنا بشرا قد خلفتمونا ناقصين عقلا ولا نحتاج إلى مشورتكم في إدارة بلدنا لتتحول من تحت سيطرتكم العسكرية إلى دولة ديموقراطية مدنية ندير فيها نحن شئوننا الداخلية بل و نحطم أسطورتكم القائمة منذ عام 1952 و تخضعون كمؤسسة بداخل الدولة إلى الرقابة تحاكمون كالبشر على ملفات الفساد الهائلة المتراكمة منذ سنوات و يتم التعتيم عليها … أفيقوا فأنتم لستم آلهة الأوليمب بل بشرا.