لم أكن أتوقع أن تنجر شخصيات سياسية وأكاديمية خلفيتها الأساسية هي دراسة العلوم السياسية إلي هذا البحر من التضليل السياسي والأكاديمي فما يتعلق بإشكالية الدستور أولا أم الانتخابات أولا، لقد سقطوا أجمعين في اختبار تطور مفهوم الديمقراطية وكأننا ما قبل عام 1933 عندما حصل أدولف هتلر علي المستشارية الألمانية في غفلة من الزمن زلزلت معها كافة مفاهيم الديمقراطية الكلاسيكية التي اعتمدت الصندوق الانتخابي كمصدر للشرعية.

الديمقراطية كمصطلح لا تختلف كثيرا عن النصوص الدينية عندما تعزلها عن التفسير أو الضوابط، ومثلما تتطور التفاسير والضوابط الدينية بفعل المجتمعات والزمن فإن فالفكر الإنساني قد تطور أيضا في ما يخص الديمقراطية كمفهوم ليصك مفهوما جديدا يضع الصندوق في ذيل مسار الديمقراطية لتسبقه الحقوق الأساسية والمساواة ودولة القانون وفصل السلطات.

المثير اليوم أن من يتصدر ليفسر مفهوم الديمقراطية بآلية الصناديق هو ذاك التيار الذي يفسر تغيير المنكر بفرض الدين علي الناس عنوة وكان حتى سنون قريبة مضت يري الديمقراطية كفرا والتعددية ضلالا، لكن الأفدح عندما تأتي المغالطات من الأكاديميين المفترض أنهم حصلوا من العلم والحضارة ما يكفي، فلابد وأن تتحسس مسدسك حيث تطل عليك الميكيافلية في أكثر صورها خيانة، فخيانة العلم لا تغتفر.

بتنازل مبارك عن السلطة يوم الحادي عشر من فبراير الماضي كان من المفترض أن يعتبر دستور 1971 ساقطا بفعل الحركة السياسية التي بدأت منذ الخامس والعشرون من يناير الماضي، وصحيح أن الإعلان الدستوري الأول الصادر في الثالث عشر من فبراير قد عطل العمل بالدستور لحين طرح تعديلات مؤقتة لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية ووضع دستور جديد، وبعيدا عن موقف القوي السياسية من لجنة تعديل الدستور التي ضمت ثلاثة من مؤيدي التيار الديني دون غيرة، أحدهم محامي بالنقض لم يكن يوما أحد المختصين في الشأن الدستوري، إلا أننا مضينا للاستفتاء الدستوري مضطرين بعد أن تشدد المجلس العسكري في هذا التمسك بهذا الاستفتاء وظهر لاحقا أنها كانت معركة قادها المجلس العسكري لكي ينتقل من مرحلة الشريك والحامي للثورة إلي مرحلة قيادة الثورة وهو ما أسسه لاحقا اللواء ممدوح شاهين وبعد أسابيع من اختفاء إعلامي بسبب تصريح مسئ للمؤسسة العسكرية المصرية.

قبل الدخول في تفاصيل نتائج الاستفتاء لابد أن نري أن هناك ثلاث إشكاليات في هذا الاستفتاء من الناحية التقنية، أولهم هي القصر الشديد للمسافة الزمنية لطرح التعديلات للنقاش العام والتي لم تصل إلي أسبوعين، بالإضافة إلي أخطاء قانونية وقعت فيها اللجنة عندما أعطت الفصل في الطعون الانتخابية للمحكمة الدستورية وعدلت لاحقا قبل الطرح النهائي، وصيغة مثيرة للجدل فيما يتعلق بالشروط الواجب توافرها في مرشحي الرئاسة حيث الإستقاء من القانون العسكري ولائحة داخلية لوزارة الخارجية في مسألة جنسية زوجة ووالدي الرئيس والتي ذكرتنا بعصور الظلام الأوربي ثم جاءت تبريراتها الواهية لتحمل من مفردات النقاء العنصري ما يعف اللسان عن ذكره، ثاني الإشكاليات كان غياب الرؤية فيما يتعلق بالخطوات التالية لعملية الاستفتاء، فحتى يوم الخميس السابع عشر من مارس اي قبل الاستفتاء بيومين لم يكن الناخبين علي دراية بالخطوة التالية إذا جاءت النتيجة برفض التعديلات الدستورية حتى ظهر اللواء ممدوح شاهي ليؤكد بأنه في حال رفض التعديلات سوف نتجه إلي إعلان دستوري، أما الإشكالية الثالثة والأخيرة فكانت تحيز المجلس العسكري وكافة مؤسسات الدولة لقبول التعديلات وهو ما يتناقض مع وظيفة المجلس العسكري آنذاك كحكم بين السلطات من المفترض أن يكون علي مسافة واحدة من كافة القوي والتيارات، وان يلتزم المجلس وكافة أعضائه الحياد التام وعدم المضي في أي ترويج سواء أكان بنعم أم بلا، وتلك الإشكاليات بالفعل تطعن في ديمقراطية الاستفتاء من الأصل حتى قبل إعلان النتائج أو حتى التصويت.

كانت نتيجة الاستفتاء هي إقرار التعديلات الدستورية بواقع 77% من أصوات الناخبين، مما يقتضي فعليا وحسب ما نصت علية بطاقة الاستفتاء ان يعود دستور 1971 للعمل بمجرد إعلان النتيجة ومن ثم تسليم رئاسة الجمهورية لرئيس المحكمة الدستورية وإجراء انتخابات رئاسية خلال 60 يوما، إلا أن المجلس العسكري اتخذ مسارا أخر وقام بإصدار إعلان دستوري بالمخالفة لنتيجة الاستفتاء وبإضافة مواد لم يستفتي عليها الشعب من الأصل ليمنح لنفسه سلطتي التنفيذ والتشريع في انتهاك واضح لأحد الأسس الرئيسية للديمقراطية وهي فصل السلطات، بل لم يكتفي المجلس العسكري بهذا وإنما قام بتعديل نص أحد المواد التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء دون الرجوع لأي سلطة قضائية أو حوار مع القوي السياسية.

فعليا لا أنكر أنني كنت من أنصار إصدار إعلان دستوري مؤقت من قبل المجلس العسكري منذ البداية وعدم الدخول في هذا الكم من التعقيدات، وحتى الآن أري أن الطريق لا يزال مفتوحا لصيغة توافقية بوضع وثيقة حقوق أساسية ترفق لاحقا بالدستور الجديد تؤكد علي الحريات الأساسية للمواطن في ضوء التزامات مصر الدولية وتضع خطا فاصلا بين تداخل السلطات وتعطي المؤسسة العسكرية الضمانات الكافية كحامي للشرعية والدستور، وبهذا يخرج المجلس العسكري من الإشكالية الحالية ويعود إلي وضعية الثالث عشر من فبراير حيث الموقف المحايد من كافة القوي السياسية.

علي الجانب الأخر، بات من السخف الشديد الصمت حيال لغة التهديد والوعيد المتغطرسة التي اعتمدتها الحركات والأحزاب الدينية تجاه القوي السياسية المدنية ردا علي المطالبات بأولوية وضع دستور جديد قبل أي انتخابات من قبل جمعية تأسيسية ممثلة لكافة قوي وطوائف الشعب المصري، وبات أيضا أن نذكر التيارات الدينية بأن السياسة قد تكون حقا “لعبة قذرة” كما وصفها كيسنجر، إلا أن القذارة ليست أداتها الوحيدة.