أحزننا ما أصاب كاتب موقع شباب الشرق الأوسط سفيان زرلي من هجمة شرسة ضد شخصه شمِلت ما شمِلت من انتهاكات لفظية، وتعدّي على خصوصيته، بل وبلغت وسبّه وقذفه في بلده تونس ممن يظنون أنفسهم حملة أختام الحقيقة المقدسة والمتحدثين الرسميين باسمها.

إن الاعتداء اللفظي أو المادي ضد شخصٍ ما نتيجة تعبيره عن فكر حر غير تحريضي هو قطعًا إرهاب فكري غرضه الأول فرض سطوة الأفكار القطيعية وترسيخها في الوعي القبلي لأفراد القطيع، وقطع دابر أي مُختلف أو ناقد أو مفكر. ما حدث مع السّيد سفيان طيلة الأسبوعين الماضيين ما هو إلا جراء افتقاد منطقة الشرق الأوسط لنسائم حرية التعبير عن الرأي، وهو ما كتبنا عنه قبلذاك وحللنا دوافعه النفسانية والاجتماعية في مقالتين. وإذا كان شعب تونس ثار وأجبر بن علي على الرحيل، فإنه لم يتخلّص بعد من الإقصاء الفكري الذي يمارسه البعض. بل إن بعض هؤلاء قد اشتركوا في ثورة، قالوا أنها من “أجل الحرية،” وهم أول من نقضوها برمّتها.

ولمّا كان الاعتداء على سفيان هو الاعتداء على كاتب وعضو في موقع شباب الشرق الأوسط العربي، وبغضّ النظر عن فكرِه الذي لا يعنينا بقدر ما يعنينا حرية التعبير عنه، فإننا نعلن تضامن شبكة شباب الشرق الأوسط بكامل محرريها وأعضائها معه، كما تضامنّا في الماضي مع كل شخص تعرّض لنفس الهجمة الظلامية التي؛ لأن هذا القمع الذي يشنّه الظلاميون ضد الفكر المختلف لا يمسّ هذا الشخص أو ذاك فقط، بل يطول حرية التعبير نفسها، والمدافعين عنها، والأفراد المتحررين من سُطوة القطيع كافةً. كما قررنا أيضًا تثبيت مقالة سفيان، “تجربتي في حواراتي مع المؤمنين والمتدينين“، على رأس الموقع لمدة ثلاثة أيام اعتبارًا من اليوم دعمًا له ولكل عضو أو مفكر تعرّض لنفس موقفه.

هذا ليس كل شيء، فقد قررنا أيضًا استقصاء تقرير عن حرية التعبير عن الرأي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام عبر محاورة مدونين وكتاب وفنانين، لملامسة أسباب التخلف الفكري الواضح الذي نعيشه، والذي لن تعالجه ثورة سياسية تطيح بنظام وتأتي بآخر، بقدر الاعتراف بوجود العلّة، وتخطيط طرق المواجهة والعلاج، وحماية النشء الصغير من مثل هذه الأفكار الإقصائية. وهذا التقرير يواكب احتفال شبكة شباب الشرق الأوسط السنويّ يوم 19 مارس/آذار بيوم حرية التعبير عن الرأي.

ما هو سبب تخلف دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن بقيّة دول العالم المتقدم، والغرب خاصةً؟ ولماذا تجنح أغلبية شعوب المنطقة للقبلية في التعامل مع الآخر أو حتى مع مشكلاتها الشخصية، سواء كانت مشكلات علمية، دينية، دنيوية، أو حتى أسرية؟! مع أن، نفس المجتمع، الذي يتعامل مع النفس ومع الآخر بحلول متخلّفة، يلجأ لوسائط الغرب التقنية للمساعدة في التغلّب على تحديّات الحياة، أو للرفاهية؟!

لقد جعلنا نفكر جليًا، علّنا نقف على الأسباب التي تضخّم أصوات التخلّف، بينما تكتم نغمات التنوير، وفي الرياح التي تخسف دائمًا بكل ما هو مشرق ومبدع وعقلاني، ولكنها في الآن ذاته تحمل كل ما هو مظلم ومتطرف وعدواني، وفي خصائص المجتمع الذي يكرّم مفسديه، بينما لا يجد مفكّريه إلا الخزي والمهانة والهرب في نهاية المطاف.

لماذا يفتقر هواء الشرق الأوسط لنسمات تقبّل الآخر وحرية التعبير عن الرأي؟! القهر السياسي والديكتاتورية… التوتر الخارجي ونظرية المؤامرة… الاقتصاد الحكوميّ الموجّه… المدّ الديني والإرهاب… الرقابة على الإعلام والإنترنت… التنشئة التعسّفية… الاستبداد وقهر المرأة… العادات والتقاليد… الفقر التعليمي والعلمي… هجرة العقول… أو حتى لمجرّد الموقع الجغرافي والتاريخ الاستعماري؟ أم لكل هذه العناصر مجتمعة؟

لقد طرحنا هذا السؤال المعقّد على شباب من المنطقة، وكان مثل متنفّس الصعداء بالنسبة لهم، كي يعبّروا عما يعانوا منه، بصدد حرية التعبير وتقبّل الآخر، من خلالنا.

يقول باسم، مبرمج ومطوّر حاسب آلي،

“إن محيط المجتمع والأسرة الحاليين لا يصلحا، بأي حال، للحوار من أي نوع.

“إن الثقافة الشعبية السائدة هي ثقافة إقصائية، بل ويلزمها سنوات من الحضارة لتتعلم أن اختلاف الأفكار هو ثروة لا نقيصة.”

وعن سبب تراكم مثل هذا الإرث من الثقافة الشعبية،

“إن هذا كله تزامن مع غياب كامل للمثقفين والتنويريين.

“إن غياب المثقفين والتنويريين لم يكن تقصيرًا منهم فقط، ولكن في نفس الوقت، إيثارًا لسلامتهم الشخصية وسلامة ذويهم، لأن من يتهور ويعلن منهم عن فكره كاملًا علانيةً يتم تصفيته سواء معنويًا أو جسديًا.

“لقد ارتفعت أصوات الدوغما على صوت العقل. ومن هنا أشير إلى أن مقوّمات هذه البيئة لا تصلح لحوار ذي فائدة تُرجى، بل قد يعود بالضرر.”

وعن أنماط التربية الشرقية، يقول،

“إن أنماط التربية السائدة في مجتمعاتنا، سواء في حدود الأسرة، أو على نطاق الإعلام، تتميز بالتوجيه المزمن للعقول، وعدم ترك متنفّس للإبداع والحرية. فالأطفال ينشئون بعقول مُعاقة عند مرحلة البديهيات والمسلَّمات. ولهذا السبب، كثيرًا ما نجد شخصًا ناضجًا مازالت لديه كمية كبيرة من المسلّمات اللاضحدية والتي لم يفكّر فيها بأعين مختلفة عما تلقنه وهو طفل صغير.

“نحن نعيد بناء وعي مشوّه في أطفالنا، فقط كي نجعلهم امتدادًا لذواتنا. كلنا يلمس روح الوصاية السائدة في المجتمع من أصغر وحداته حتى أكبرها؛ من الأسرة وحتي المدرسة والجامعة والعمل والزواج والحياة كلها.”

وعن غياب النقد والمنطق، يقرّ،

“إن الممارسة النقدية تغيب في الواقع غيابًا يكاد يكون تامًا. بل إن الكثير من الممارسات المتعصّبة والعنيفة والباثّة لثقافة الكراهية والإقصاء تُقابل بتأييد شعبي أو صمت محايد. هذا غير الحساسية تجاه النقد وتفشّي ثقافة الحجب والمصادرة والتخويف من التغيّر، ومقاومة المشاركة الفعلية في صنع القرار والمناقشة الحرة.

“إن الفرد هنا ليس حرًا في تكوين أفكاره من الأساس، فما بالك بالتعبير عنها!”

وعن الحرية المزيّفة التي نحيا في ظلالها، يوجّه باسم رسالته “لمن يظنون أنفسهم أحرارًا،” حسب وصفه،

“يحترف هؤلاء ببساطة وضع المقدمات ذات الأرضية المشتركة والتقليدية، ثم يستدرج القارئ رويدًا رويدًا كي يخرج منه في نهاية المقال بأفكار ليست أبدًا تقليدية يتم تسريبها خلسة لاستنفار عقله في عصف ذهني ربما يغيّر منه قليلًا إن رحم بي!”

ويستنكر هذا السلوك الذي يُرغَم عليه المثقف أو الكاتب في بعض الأحيان، متسائلًا،

“أوهل تري في هذا حرية أم هي صنعة الخوف؟! إن هذه هي الطريقة التي يمكن، تجاوزًا، تمرير الأفكار بها دون صدامات من النوع الثقيل مع مجتمع يرزح تحت عادات وتقاليد جاهلية.

“إن هذا كله لابد أن يؤدي لركود العقل النقدي علي مختلف المستويات.”

أمّا محمود كفاية، والذي يكتب تحت اسم مستعار إيثارًا للسلامة من المسائلات القانونية أو محاكم التفتيش المجتمعية، يتذكر آسفًا،

“لم أستطع، في أي فترة من فترات حياتي والتي تجاوزت الثالثة والعشرين بقليل، أن أعبّر عن رأيي كاملًا!”

يبدو أن الالتفاف والتحايل في عرض الآراء أصبحتا السمتين المميّزتين اللتين يضطر أي مفكّر لاجترارهما غصبًا، خشية التعرّض للإرهاب المُمارس ضد أصحاب الفكر من جانب الأصوليين والمتطرفين.

يقول محمود، والذي يغلق حسابه على الإنترنت دوريًا حتى لا يلفت الأنظار كثيرًا، حسب تعبيره،

“إن الثقافة الشرقية الصلبة لا تتقبّل أي اختلاف في الرأي.”

ويرى أن الطريقة الأمثل لجذب الشباب لتقبّل الآخر والتعبير عن رأيهم بحرية،

“هي جذبهم للتفكير والمعرفة بطريقة سلسة وشيّقة بلا صدام، على أن يدركوا أن البشر ليسوا قوالب، بل مختلفين قدر عددهم.”

يعتقد محمود كذلك،

“إن حرية التعبير عن الرأي تسوء في المنطقة نتيجة التعصّب الدينى والفكرى، ولكن على الناحية الأخرى، فإن منافذ مثل الإنترنت والستالايت ساعدت الشباب، خاصةً الشباب غير النمطيّ، كي يعبّروا بعن آرائهم نسبيًا.”

أمّا عن السبب الرئيسي، من وجهة نظره، لانعدام تقبّل الآخر وحرية التعبير عن الرأي في المنطقة،

“عدم تطبيق العلمانية هو السبب الرئيسي لهذا الانحطاط الفكري الذي بلغناه. إن سلطات الدول العربية تستخدم الدين لتوحيد آراء الناس وتمرير السياسات التعسّفية في قالب ديني.

“إن السلطات تسم أي شيء آخر، غير ما تريد توجييه، بالعيب مجتمعيًا أو الخطأ سياسيًا أو الحرام دينيًا، وهذا الذي يسهم في تحوّل الناس تدريجيًا للتعصّب والعنصرية بترسيخ هذه الفكرة أو تلك خاصةً مع طول بقاء هذه الأنظمة على عروشها، حتى يبلغ القطيع تدريجيًا لمرحلة الاستعداد للقتل أو الانتحار فقط لمجرّد الدين.”

بيد أن أحمد شُقير، المدوّن المصري، له رأي مخالف عن من سبقوه في هذا الاستقصاء، حيث يقول،

“أنا أتمتع بحرية التعبير عن رأيي بصورة كاملة. ولم يسبق وواجهت، قبلذاك، ما قد يقيّد كتابتي أو حرية التعبير عن رأيي، فأنا لم أشعر في أي يوم بكبت حريتي أو رأيي.”

ولكن سرعان ما يناقض شُقير رأيه السابق – يبدو بعد تذكّره موقف أو تدوينةٍ ما،

“أحيانًا ما أُخفي رأيي عن المجتمع تمامًا… ولكني أُعلنه في الوقت المناسب.”

ويستكمل واصفًا طريقته المُثلى لعرض أفكاره الجديدة على محيطه،

“أحيانًا أخرى ما قد أُصدمهم بها، أو أهيئهم لها مسبّقًا.

“إن اختيار طريقة التواصل مع القراء، أو مع المجتمع عامةً، يعتمد بشكل أساسي على ماهية الرأي ونوعية المتلقي؛ فما سأكتبه على مدوّنتي، في طريقة الأسلوب والعرض، سوف يختلف عمّا أكتبه لجريدة أو مجلة.”

ويستدرك،

“ولكني، على أيّ حال، أفضّل تهيئة المتلقي تدريجيًا للرأي الذي قد يكون صادمًا له.”

ويعتقد شُقير، على الجانب الآخر، أن الجيل الجديد يمتلك مقوّمات تقبّل الآخر أكثر من الأجيال الأقدم، ولكنه يستدرك في إعادة صياغة ما عبّر عنه مسبّقًا،

“ولكن التقبّل للأفكار الخاصة يعتمد أكثر وفي الأساس على من يطرح الفكرة وكيفية طرحها ووسائل الإقناع بها اكثر من ثقافة المتلقي وطريقة تفكيره.”

أمّا عن السبب الرئيسي والعامل الأهم لفقدان المنطقة لعامليّ تقبّل الآخر وحرية التعبير عن الرأي، يقرّ شُقير،

“إن السبب يكمن في قلّة الوعي وغياب العلم عند المتلقي الذي بدوره لا يلقي بالًا كبيرًا للتعبير عن رأيه بحرية من عدمه، نظرًا لقلة ثقافته وإغفاله لحقوقه.

“ومن هذا المنطلق، يعزز من ثقافة الخوف داخله، كما أن عجزه عن التعبير، يجعله دائمًا في موقف المعارض للشخص الذي يقرر التعبير بحرية عن رأيه كاملًا، من باب مركّب النقص النفساني.”

وعن مستقبل حرية التعبير عن الرأي في المنطقة، يقول،

“إن حرية التعبير عن الرأي تتطور، قطعًا، لدى الأفراد في المنطقة مع مرور الوقت، وتحرز أشواطًا كبيرة بسبب شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن بتدريج بطئ قد يتوقّف أحيانًا، ولكنه بالتأكيد لا يتراجع.”

أمّا محمد الطناني، وهو طبيب أسنان ومصمم جرافيكس ومدوِّن، يؤكد، على النقيض، أنه لم يُخفِ أي رأي في الماضي عن محيط أصدقائه أو أسرته، ويُعلل،

“لأني لا أخجل على الإطلاق من أى رأى أتبناه، بل أفخر به كل الفخر، فما أؤمن به يدعو الى الفخر و ليس العار حتى أُخفيه.

“باختصار… أنا أؤمن بقيم الحرية والعدل والمساواة، ولا توجد قيم أرقى من ذلك.”

وعند سؤاله حول ما إذا كان كل الشباب في سنّه يحظون بنفس فرصته، يجيب،

“بالتأكيد لا. وسبب هذا أن هناك من يلجأ للتكفير لمجرد تفكيرك بشكل غير مألوف بالنسبة له.

“إن من يحاربوا الفكر، وهم حاملوا لواء الدين، يكونوا، وللأسف، أجهل الناس بدينهم!”

أمّا عن حرية الفكر في دول المنطقة، يقول،

“في مصر، الفكر يساوي الكفر، وهذا الأمر لا يختلف كثيرًا عن سائر دول المنطقة المجاورة.

“أي ناشط يدافع عن حقوق الإنسان والحرية في المنطقة، يُعتبر معادي للأديان وكافر بها!”

ويرى أن أفضل طريقة للنهوض بالمجتمع هي تهيئته للقبول والتمسّك بمبادىء الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ويضيف،

“إن عدم تقبّل الفكر الأخر يعدّ إساءة، في الأساس، لفكر الشخص نفسه، واتهام غير مباشر بهشاشة هذا الفكر!”

ويتسائل مستنكرًا،

“إذا كان هذا الفكر قويًا ومبنيًا على أسس منطقية… فلماذا إذن الخوف من الفكر الآخر أو الآراء الجديدة؟!”

أما عن جيله الذي استخدم الإنترنت لإسقاط الطغاة، يعتقد محمد أن البعض يستخدم الإنترنت للتحريض والترهيب،

“إن الجيل الجديد، في عصر الديچيتال، يمتلك كل المقوّمات التى تجعله منفتّحًا على العالم الحر، ولكن البعض، بالرغم من ذلك، يستخدم تلك المقوّمات فى اتجاه قنوات التشدد والكراهية.

“إن التقنية الحديثة هي سلاح ذو حدين؛ فالنار تضىء و تحرق، وهكذا التقنيات الحديثة، فبعضهم يستخدمها لحرق الأوطان وإشعال فتيل الفتن الطائفية، وليس لتنويره.

“تكفي نظرة سريعة لمواقع الأخبار على الإنترنت، كي تعرف حدّ ما وصلنا إليه من كراهية وعداء شديدين لكل قيم الحرية، وعلى سبيل المثال، فإن خبر وفاة المفكر نصر حامد أبو زيد، قوبل بشماتة وكراهية شديدتين للرجل، على الرغم من أن معظم المعلّقون لم يقرأوا له من الأساس.”

وعن ازدواجية المعايير بين طوائف الأقليات نفسها، على حد وصفه، يقول محمد الطناني،

“إن المجتمع كلّه لا يتقبّل بعضه الآخر، ومن المؤسف أن تجد مسيحيًا يعاني من الاضطهاد وعدم قبول المسلم له، بينما لا يقبل هو مسيحيًا من طائفة أخرى، بل ويضطهده، في أنموذج لإعادة إنتاج واستنساخ الاستبداد، أو تجد بهائيًا لا يتقبّل مثليًا أو لادينيًا، مع أنهم أقليات مضطهدة مثله تمامًا.”

يبدو أن اضطهاد الأقليات لبعضها البعض لا يختلف كثيرًا عن اضطهاد المرأة للمرأة، فكلا النموذجين يسيئا للقضية بشكل أو بآخر.

وعن سبب افتقار المنطقة لحرية التعبير عن الرأي، يجيب،

“إن السبب الرئيسي هو غياب قانون فعلى يحمى حرية التعبير عن الرأى، ومثلما هناك قانون لازدراء الأديان، يجب أن يكون هناك قانون لازدراء العقل وحرية التعبير! فما يفعله هؤلاء بالمفكرين من تنكيل قد يصل إلى حد تهديد حياتهم يحتاج وقفة صارمة من جانب الدولة، تجاه هؤلاء المعادون للحرية.”

ويعدّ الطناني هذا تقصيرًا كبيرًا من قِبل دساتير المنطقة، ولكننا نأمل أن تكون دساتير ما بعد الثّورات المتوالية في الشرق الأوسط مبشّرة بحفظ حقوق التعبير عن الرأي والإبداع والعقيدة.

أمّا أحمد ناجي، وهو روائي وصحافي ومدوّن، يقول،

“أحيانًا ما شعرت بكبت لرأيي أو حريتي، ودائمًا ما كنت مضظرًا لإخفاء آرائي عن محيط أسرتي وأصدقائي، بينما على مدوّنتي، أكتب ما أشاء بلا قيود.”

لدى ناجي، والذي يدوّن عن نفسه ولنفسه فقط، رأي مغاير بالنسبة للمجتمع والإنسانية بشكل عام، وعند سؤاله عن الطريقة المُثلى التي يودّ بها مخاطبة أفراد المجتمع الآخرين، أجاب،

“أنا أُفضّل عدم الاهتمام بأفراد المجتمع العاديين أساسًا، وإذا كان لديك آراء تسعى إلى صدمهم أو تثقيفهم أو توعيتهم بها، فمن الأفضل عدم الإفصاح عنها من الأساس. لاسيّما إذا كانت سوف تتسبب في أذى لفظى أو مادى ضدك، فلما يتم الإفصاح عنها من الأساس؟!”

وعن تقبّل الآخر وحرية التعبير عن الرأي، يقول،

“ليست منطقتنا هي الوحيدة التي تعاني من مثل هذه المشاكل فقط، ولكن العالم أجمع.

“لا يزال على الإنسانية جمعاء أن تقطع شوطًا كبيرًا قبل بلوغ هذا الرقيّ.”

أمّا عن السبب الذي يجعل من مناخ منطقة الشرق الأوسط خانقًا لحرية التعبير عن الرأي، يجيب باختصار،

“ببساطة، لأنها خاضعة لحكم أنظمة عسكرية مستبدّة.”

أمّا دكتور بسمة موسى، وهي طبيبة أسنان وأستاذة جامعية وصحافية وناشطة بهائية ومدوِّنة، تقول،

“أنا أعبّر عن رأيي بشكل حضارى وبدون تجريح في حقّ أحد.”

وعن مرونة عرضها لمواضيعها الجديدة سواء على مدوّنتها أو لوسائل الإعلام، تقول

“إن هذا لم يكن إلا فى بداية التدوين، حيث كنت مازلت متحفّظة بعض الشيء فى عرض مواضيعي.”

وعن الطريقة المفضّلة لديها للتواصل مع القراء والمجتمع بشكل عام، تقول،

“لابد من تهيئة الجو مسبّقًا، خاصةً وأن أفراد هذه المنطقة تتعامل بطريقتين لا ثالث لهما بخصوص أي مصدر للصدم؛ فهم إمّا يهربون من المواجهة أو يهاجمون من يصدمهم بشكل عنيف.

“إن التهيئة المسبّقة، ثم طرح الموضوع بشكل عقلانى لا يؤذى مشاعر الآخرين ولا يضعنى تحت طائلة المسائلة.”

وتؤمن دكتور بسمة بأن الحوار وفتح باب النقاش أفضل بكثير، بالنسبة لها، من الصدام.

في نهاية هذا التقرير لا يسعنا إلا أن الإقرار بأن الأمر نسبيّ جدّ؛ فمن يجدون أنفسهم أحرارًا تمامًا، وقادرون على التعبير عن آرائهم بحرية، مثل شُقير وناجي ودكتور بسمة موسى، هم إما أنهم لا يعتركون كثيرًا في معتركات نقد الأديان بالتحديد، أو كما قال باسم، “ممن يزيّنون كلامهم حتى يمرروا ما لم ليكونوا يمرروه في العادي لولا أغلفة الكلمات، والتي تعدّ رد فعل غير إرادي نتيجة الخوف،” أو لأنهم، مثل ناجي، لا يكترثوا كثيرًا بأفراد المجتمع العاديين، ولا يحملوا بالتالي لواء تغييرهم أو توعيتهم.

أمّا الواقع، وخاصةً بالنسبة للمختلفين عقائديًا وفكريًا عن جموع الأغلبية في الشرق الأوسط، أو ممن يسببون إزعاجًا حقيقيًا للتقاليد والعادات بإفصاحهم المتكرر عمّا يجول بخواطرهم، أو ممن ينتقدون الدين أو السلطات بشكل متكرر، فهم يعانون الأمرّين، وحال البهائيين والعلمانيين واللادينيين خير دليل على ذلك، أو حتى الأقليات الشيعية في الدول السنيّة والعكس. والأمثلة التي تثبت أن المنطقة تعاني من قهر للحريات، سواء على المستوى الشعبي أو الحكومي ضد مختلفي العقيدة أو منتقدي الأديان، أو على المستوى الحكومي ضد منتقدي الحكومة، كثيرة، وقد أدى تراكم بعض هذه الأسباب المتعلّقة بالحكومة للثورة التونسية والمصرية، والثورات المتتابعة في ليبيا، اليمن، سوريا، وغيرها.

وأبرز الأمثلة التي واجهت فيها السلطات المفكّرين، متماشية مع المواجهة الشعبية والعاطفية، هو كريم عامر، سجين التدوين الأول والأطول مدةً، على مستوى العالم، والذي خرج في شهر نوڤمبر/تشرين الثاني الماضي بعد قضائه عقوبة أربعة أعوام، أضف إلى ذلك الانتهاكات شبه اليومية التي تحدث ضد المدونين وأصحاب الآراء المختلفة من الصحافيين والكتاب والفنانين اليوم وأمس وغدًا، أو على مرّ العقدين الماضيين، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، نجيب محفوط، حيدر حيدر، دكتور فرج فودة، دكتور نصر حامد أبو زيد، والمفكّر سيد القمني.

إن الثبات المزمن يصيب حيواتنا بالشلل، وإن لم يحاول المتنوّرون تحفيز العقول النمطيّة (Stereotypes) لمساعدتها على التفكير والخروج من الدائرة المُفرغة. لن تتركنا الأيقونات، وتذهب أدراج معابدبها، بل سوف تظل جاثمة على صدورنا ومسلّطةً على رقابنا. وسوف تظل مصدرًا لإرهاب كل من تسوّل له نفسه للخروج عن النص أو التفكير خارج المربّع المرسومة حدوده مسبّقًا.

اقرأ تقارير تدوينية أخرى على موقع شباب الشرق الأوسط العربي:

الزواج والعلاقات الجنسية من وجهة نظر الشباب.

النقاب من وجهة نظر الشباب.