بالتأكيد لا أتحدث هنا عن ثورة معمر القذافي , ولكنني أتحدث عن ثورة يجب أن نحدثها في عقلية المواطن المصري التي شهدت على مدار ثلاثين عاما تراجعا و جمودا في التفكير و القدرة على القياس و إستشفاف الواقع و التنبؤ بأحداث المستقبل و التمييز بين من يعمل لصالحه و من ضده فبات متخبط الأركان لا يعلم أن يذهب أو إلى أين الإتجاه ؟!

إن الثورة في مصر قامت في بدايتها منادية بتغيير النظام ثم تطور الأمر إلى أن إستطاعت و بقوة إسقاط النظام الذي كان قائما فأصبحت مصر بلا نظام و أصبح المواطن بلا قيادة و لا توجيهات , و عليه إما أن يتحرك من مكانه و المضي قدما نحو طريق الحرية و الديموقراطية , أو يظل واقفا يتلفت حوله أملا في نظام آخر يقوده و يتلقى منه التوجيهات سواء أكانت سليمة أو خاطئة و لكن عليه فقط أن يتلقاها لينفذها !

وبذلك نجح النظام السابق في إفقاد المواطن المصري ثقته في نفسه حيث أرغمه طوال سنوات خدمته في الدولة على تنفيذ التعليمات و القرارات التي كانت تصدر من خلال تسلسل قيادي بدايته العقل المدبر و الموجه للجميع وإنتهاءا بالمواطن البسيط , و بعد رحيل هذا الشخص دخلت مؤسسات الدولة بلا أي إستثناءات حالة من التخبط و الجمود منتظرة قرارات توجيهها الأمر الذي يجب علينا أن نتحرك سريعا لإرجاع ثقة المواطن في نفسه و نمحو أي آثار خلفها النظام من التبعية و المركزية.

في رأيي إن الثورة قد خرجت من رحم الطبقات الوسطى و الراقية منادية بالديموقراطية و إطلاق الحريات السياسية و التديد بالتزوير و إسقاط مجلسي الشعب و الشورى و تجريم التعدي على الكرامة الإنسانية التي تم إنتهاكها من قبل الأجهزة الأمنية و لم تشارك فيها الطبقات الدنيا و التي تتحصل على قوت يومها بيومها أو الفلاح المصري البسيط الذي ليست له أية توجهات سياسية أو فكرية, فقط كل ما يعرفه هو الزراعة والحصاد و النوم ليلا , ولم يشارك في هذه الثورة أيضا الأميون الذي إرتفعت أعدادهم لتصل إلى 40% من إجمالي الشعب المصري فماذا يعرف هؤلاء عن الديموقراطية ؟!

إستطاع النظام بهذا الأمر ترك أغلبية عظمى من الشعب المصري ما بين أمي و جاهل ليصرح بعض الرجال المسؤلين و أبرزهم نائب الرئيس الأسبق عمر سليمان أن الشعب المصري غير مؤهلا للديموقراطية , و بذلك أورثنا تركة ثقيلة لو لم نستطيع أن نتداركها في أسرع وقت ممكن سندخل على مصر أخرى لم نكن نحلم بها على الإطلاق.

و النقطة التي يغفل عنها الجميع وهي أن مصطلح العصبيات في صعيد مصر مازال قائما و لم ينتهي و لم نقضي عليه , إذن فكيف نحلم ببرلمان أعضاؤه على قدر كبير من الثقافة و الوعي السياسي و الكفاءات و خصوصا في الفترة المقبلة و ننسى أن الفلاح و القرى في الصعيد مازالت تختار مرشحيها لا على أساس برنامج إنتخابي يقدمه المرشح و لكن على خلفية عائلته فقط , و هذه كارثة بكل المقاييس !

و من الطبيعي أيضا أن لا نغفل كون الفلاحين و ساكني القرى و النجوع هم قوة تصويتيه هائلة لا نستطيع أن نتجاهلها فهم عنصر الحسم في كل الدوائر, ولكن للأسف قد نفقدها إذا لم نقم بحملات توعية هائلة و في وقت قصير جدا لنصل إلى عقليته البسطية ليكون هؤلاء الناس في صفوفنا لا ضدنا.

و أما المواطن البسيط الكادح الذي كل شغله الشاغل البحث عن المال لإعالة أسرته و مواجهة مشاق الحياة , كيف نطلب منه عدم تلقي الرشاوي الإنتخابية لمجرد الإدلاء بصوته تجاه مرشح معين ؟ فالأمر في إعتقاده مجرد ورقة و قلم و علامة مقابل مبلغ مالي فلا هو مدرك أهمية صوته ولا كيف سيكون علىه مستقبل مصر !

أنا أخشى ما أخشى أن نكون قد أطحنا بالرأس و نسينا معالجة الجسد المريض فندخل عصر الديموقراطية المشوهه لنتخبط في أركانها أعواما أخرى و كأن شيئا لم يكن , و أخاف كل الخوف أن نحلم بأننا نتقدم إلى الأمام بينما على العكس هؤلاء الناس يقومون بشدنا إلى الخلف و إلى أسفل كل ما تجاوزناه صعودا , ننظر إلى الأعلى و نسينا الثقل أسفلنا فماذا نحن فاعلون ؟!

لذلك يجب علينا سواء كنا أفرادا أو حركات سياسية أو مجتمعا مدنيا أو إعلام التحرك معا و بقوة و توجيه أنظارنا و توظيف جهودنا للنظر أسفلنا حتى نستطيع في نهاية الأمر و قبل حدوث ما هو غير متوقع أن نقوم بتفتيت هذا الثقل لنستطيع حينها فقط الإحتفال بثورتنا و التحليق عاليا في سماء الديموقراطية و نصيح بأعلى أصواتنا إلى الأمام … إلى الأمام.