لا شك أننا نعيش فترة مميزة من تاريخ الأمم خاصة العربية. لم يكن أحد يتصور أن كل هذه الأمبراطوريات ستسقط ومن يمد في عمره قليلا، قليلا فقط من الأسابيع سيشهد كم من الأمبراطوريات والممالك ستسقط. وبالرغم من أن الرئيس التونسي زين العابدين قد فهم فقط في آخر ثوان من حكمه، فالكثير من الحكام لا زالوا لم يفهموا حتى هذه اللحظة. وكما يقال فهم لا زالوا يلعبون…. في الوقت الضائع.

انتهت المسرحية سيداتي سادتي. أسدل الستار. إنزلوا عن المسرح. انتهت الرواية، والجمهور ينتظر ليس كي يصفق لكم ولكن.. كي يرجمكم بالبيض الفاسد والأحذية والطماطم. انتهى دوركم وانتهى عهد حكمكم الجائر. فسادكم ما عاد ينطلي على أطفالنا وليس على شبابنا. انتهى أمركم منذ زمن. ثبت أنكم منخورون بالفساد حتى العظم.

المصيبة أننا لا زلنا نحاول أن نجعل البقية الباقية من حكامنا تفهم أن أسلوبها ما عاد مقبولا في هذا الزمن. قطع الإنترنت والإتصالات ما عاد يفيد. أسلوب العطايا وشراء الذمم ما عاد ينفع. شراء المشايخ ما عاد مقبولا. أسلوب العطايا والمكرمات الإنتقائية والإستثنائية أصبح مفضوحا ولا يقبل به أحد من بسطائنا قبل مفكرينا. لا مكرمات من السخانات للمدارس ولا شقق سكنية هنا أو هناك ولا علاج لهذا أو ذاك ينفع. يجب أن يتوقف أسلوب المكرمات بل وتلغى هذه الكلمة من قواميسنا. ليس هكذا أصبحت تدار الشعوب.

تغيير الحكام ليس لأجل تغيير الموديل، ليس كل الشعوب تحب أن تنتخب رأس الهرم فحين تحب الشعوب حكامها تقبل بهم لأطول زمن ممكن.

الفساد الفساد الفساد. الفساد هو لب المسألة وسرها ومكنونها. الفساد سادتي الحكام هو ما سيطيح بعروشكم. ليس لديكم الآن إلا أن تأمروا كل من سرقوا ونهبوا أن يعيدوا ما سرقوه ونهبوه واختلسوه. كل من عين في موقع مسؤولية سواء كان وزيرا أو عينا أو نائبا أو مديرا أو مستشارا مطالب بأن يسأل عن ماله وثروته.

الشعب يريدكم ويقبل بكم لكنه لا يقبل بالفساد الذي حولكم. الفساد الذي تربرب ونما وكبر حتى أصبح أكبر منكم. أصبح كالغول يأتي لنا في يقظتنا كما في أحلامنا. أصبح ماءنا وخبزنا وديدننا. يأكل من كل زاوية من بيوتنا ومن كل جزء من أجسادنا ومن كل لحظة من أعمارنا. يسمسر على دوائنا ويتقاضى العمولات على زرعنا ولحمنا وينهشنا لحما طريا غضا.

نرجوكم حكامنا لا تضطرونا لأن ننقلب عليكم. لا تجعلوننا نحرقكم لأننا سنحرق في نفس الآتون شبابنا وفلذات أكبادنا. سيسقط ضحايا منا ودماؤنا في رقبتكم وأنتم تتحملون مسؤولية ذلك. إن كان كل ذلك حرصا منكم على توريث المال والجاه لأبنائكم فأين ابن الشاه وأين ابناء شاوشيسكو بالرغم من أنه لم يكن فاسدا، وأين أبناء كل الطواغيت؟ منهم من انتحر ومنهم من تشرد…. وسيلقى أبناؤكم نفس المصير، إن لم تفهموننا حتى الآن.

العدل سادتي الحكام. العدل أساس الحكم. الناجح المتفوق فقط هو من يستحق إستكمال دراسته على نفقة الدولة. المريض المحتاج هو فقط من يستحق العلاج على نفقة الدولة، فإن فاضت الأموال فالعلاج حق لكل الشعب كلّ بأولوية حاجته. الدفايات والماء البارد حق لكل المدارس وليس لمن تشملهم أعطياتكم وكرمكم الحاتمي فقط. المال في الأساس مالنا ونحن من نمنحكم العطايا والمكرمات وليس أنتم من تمنحوننا. لا نريد صدقات وهبات لا بمسمّى المكرمات ولا بأي مسمى آخر. إن كان لديكم مالا وتريدون منحه للشعب فليكن للخزينة العامة ولينفق منها على شعبكم.

هناك نوعان من الحكم. حكم يستمد صلاحيته من الشعب وهو من انتخب ديموقراطيا، والنوع الآخر هو الحكم الذي يستمد قوته من الدين والتاريخ وهذا حكم يستمد ديموقراطيته بإسم الله وباسم التاريخ.

فأما النوع الأول فهو خصم للناخب، يسقطه متى شاء ويسحب من تحته المنصب كما يريد وليس من حقه الإحتكام إلا للجماهير التي انتخبته واختارته لهذا المنصب. وأما من يستمد صلاحياته بحكم الدين أو التاريخ فيجب أن ينأى بنفسه عن الخصام مع الرعية. لا يجوز أن يضع نفسه في موضع الند لها. مفترض أن يكون منزه عن العيوب وأكبر من كل الأخطاء. هو حاكم ليس لأنه يحكم ولكن لأنه ملجأ وملاذ ومأوى للضعفاء والمساكين والمظلومين.

مفروض أن يراقب من فوق، من عل فلا ينزل إلى تحت. لا يدخل في معمعة القضايا والأزمات. لا يعطي المكرمات ولا يشتري الذمم ولا يفيض من كرمه وحر ماله فماله أساسا محدود. هو فقط يحمل ميزان العدالة بين الجماهير فيقبل حكم الأكثرية ممن اختارتهم الشعوب لإدارة شؤونهم فإذا وجد منهم جورا أو فسادا، عزلهم وأوكل أمر الشعوب لمن تختاره من جديد. لا يجوز للحاكم الذي يستمد صلاحيته من الله، أن يكون في نزاع مع الرعية. هو الحاكم بأمر الله. هو الراعي بتفويض من الله. لا يجوز أن يدعى للتقاضي ولا أن يتهم بالتحيز فهو الأول والآخر والملجأ والملاذ والحصن الحصين والحضن الدافيء.

ليس فيما قلته دعوة للثورة على أحد ولكنه نداء صادق لكل حاكم محبوب من محكوم يحب حاكمه ويريده أن يبقى على رأسه تاجا متوجا، لا خصما وندا و متهما.

نريد ونأمل أن يستعيد الشعب ما سلب منه من ثروات وأراض وممتلكات. فلنقل أن ما أنفق في زمن ماض قد انتهى، عفت الأيام يا مصطفى وانتفى. نحن أبناء لليوم. نريد أن نسترجع البقية من أموالنا التي نهبت سواء بسوء التقدير أو بالخطأ أو من قبل آخرين وبالنوايا السيئة. نصف يوم يكفي كي نحاسبهم جميعا. كل قصر تسكنونه من أين لكم؟ كل مركبة تركبونها من أين لكم؟ كل ما تتنعمون به من أين لكم؟ فإن كان من غير إرثكم أو من غير عرق عملكم وحلال رزقكم فمرده إلى الخزينة وسيكفي ربع ربع ما سيسترد لتسديد كل ديون البلد ويبقي وفرا كبيرا رصيدا للقادم من الأجيال من بعيد وبعيد جدا.

يجب أن يحاسب كل الفاسدين. يجب محاسبة كل من باع ثروات الوطن الطبيعية ومؤسساته الكبيرة. يجب محاسبة كل من حصل على رشوة أو دفعها. كل من نهب مياهه الجوفية، كل من استغل أراضيه الزراعية مقابل قروش قليلة. نريد أسماء ونريد الإعلان عن كشف فاسدين ومفسدين. رموز الفساد معروفين واحدا واحدا فلا تستمروا في إحتضانهم، لا تستمروا بالإيحاء للشعب بأنهم موضع ثقتكم. لا نريد أن تضيع الأمور ما بين لجان وهيئات. هذا ليس في صالحكم. كلما طالت الأمور بين تحقيقات وتصريحات، فقد الزمام منكم. لحظة الإنكسار ستكون مخيفة، مرعبة، قاسية.

خذوها نصيحة مني أنا المواطن البسيط، انسوا موضوع العطايا لجهات محدودة. توقفوا عن شراء ذمم الشيوخ وقادة الرأي. توقفوا عن الحركات التي لن تأتي عليكم إلا بالمردود السلبي. ليس في ركوبكم طائرة لإحضار رعايا من هنا أو هناك فخر لكم ومثلبة. تستطيعون إرسال عشرات الرحلات دون أن تتملقوا لشعوبكم في حركات استعراضية. أراضي الوطن ملك للشعب بأكمله. هبات القصور والشيكات الضخمة لبعض من رجالكم معروف للجميع ويملأ نفوس بقية الشعب قهرا وغيظا. لا تعتقدوا أنكم بتوزيع ما يسمى بالواجهات العشائرية تضمنون ولاء أبناء كل تلك العشائر. الأراضي سينهبها فئة قليلة من تلك العشائر وسيبقى الغيظ والقهر في نفوس البقية. توقفوا عن شراء العسكر والسياسيين. يجب ألا يكون هناك فرق ما بين مدني وعسكري وخاص. كلهم أبناء للوطن ويجب أن يعم الخير إن كان متوفرا على الجميع.

كونوا فوق، فوق، فوق. أرسلوا الوزراء ورؤساء الوزراء في المهمات لخدمة شعبكم فإن أخطأوا فهم من سيسألهم الشعب أما أنتم فيجب أن تبقوا فوق كل سؤال وخارج كل محاسبة. أنتم تستمدون سلطتكم من الله ولا يجوز أن تكونوا خصوما و متهمين. أنتم تتماهون مع الكمال المطلق في روح الله وإن نالكم من نقد فهو من ضعف فينا وفي فهمنا وليس فيكم.

سادتي الحكام، كفاكم غيبة وتغييبا لعقولنا. نحن نفهم، نحن نفهم، نحن نفهم فافهموننا وكما يقول أخوتنا في مصر، افهمونا بقى!

walidsboul@hotmail.com