البعض فقد بوصلته الأخلاقية العادية أيضاً.
حين وقف إلى جانب الطغاة لكن رغم كل شيء، كشفت سنوات الربيع العربي عن مجموعة لا بأس بها من المثقفين الذين يواصلون القبض على جمرة الفكرة الأصيلة ، الثقافة، التي هي نفسها فكرة الحرية.
الكاتب الفلسطيني نائل بلعاوي

ديماغوجيا السلطة

الحكومات البيروقراطية والديكتاتورية لها أدواتها الإجتماعية والدينية. الأمر الذي لا يمكن معه إغفال تأثيره على التوجه الفكري والفني وبالتالي الثقافة بشكل عام.
السلطات تفرز مخلفاتها على وعي تعداد لا
يستهان به من المواطنين ونهجهم الإجتماعي. والمجتمعات تتهالك أمام الأزمات الإقتصادية والتنموية على مختلف الأصعدة. ومن هذه الزواية نرى كيف تفرز السلطات مخلفات البنية الفوقية لنظامها على المجتمع.

نرى إستهدافهم دوماً للفنانين الأكثر جماهيرية وسط الشباب. مثل الفنان الراحل، الذي حدث أن دعوه لتدشين أحد حفلاتهم ذات البعد اللوجستي وهو بحالة عدم وعي واضحة، بمعنى آخر، كون حضوره خارج إرادته بطبيعة ظرفه، لم يخف على جمهوره.
وكذلك الحال مع الفرق التي شكلت جزءاً من وجدان الجمهور الشاب على مدى أجيال. وهم حريصون على الفئوية ؛’فئات الجمهور الشاب وكذلك الفئات الثقافية الإثنولوجية’؛ التي لها علاقة بموسيقى الناس وثقافاتهم في شمال البلاد أو غرب البلاد، وهم أسماء لامعة من فنانين وموسيقيين كبار.

مهم جداً لحملاتهم إستقطاب فنانين يغنون لوناً مختصاً بثقافة وإيقاع منطقة بعينها. هذا بالضبط ما حدث في إحتفالات الإنتخابات السابقة. لكن هذه المرة الأمر يختلف مع فرقة، هي بالذات تختلف، لأن ما تقدمه من فن، يحمل في طياته منارات للوعي والفكر المتقدم والإيقاعات البهيجة التي علّمت بداخل نفوس الجماهير الوفية على مدى سنوات ولم يكن ديدنها أن تتوجه لخدمة السلطات يوماً، مثلما تفعل الآن. وبشكل حصري لا يشاركها فيه فنانون آخرون بنفس مستواها، ليصبح “موت الجماعة عيد” كما يقول المثل. ونموذج هذه الفرقة يصلح كمثال عالمي، عن موضوع شائع، يواجه المبدعين في كل مكان في العالم، لذا لا داعي للتسميات التي لن تضيف شيئاً.

ومن البديهي أن تتوارد أسئلة مثل:
من يصنع الحاجز بين الفن والمجتمع؟
وهل من الممكن أصلاً، فصل الفن عن المجتمع؟
أو فصل الفنان عن مجتمعه؟
ما الذي يحدد إلتزامات الفنان الأخلاقية؟

من الحكم والفيصل سوى المواطن الذي يكدح في شقاء المعيشة ويساير غيره بالمحبة وببساطة. حينما يتعالى المثقفون، تجده يعلن عن مواقفه بطريقته الخاصة.

وإني لأجد وصف بورخيس للشعر ينطبق على
سائر الفنون، التي أجدها على لسان الشعب في مسيرته اليومية:

الشعر على أفواه الفلاحين والصيادين والعمال وليس لدى السدنة ومجامع اللغة

أطر النفعية والبراغماتية:

قبل أيام، كانت هناك موجة إنتقاد لهذه المجموعة الغنائية
وهي إحدى المجموعات السودانية الغنائية التقدمية التي لها تاريخها وتأثيرها على وعي عدد كبير من الجمهور الشاب وذاكرته، خصوصاً أنها تغنت لشعراء مجيدين مطبوعين في وجدان الشعب وفي ذاكرة نضالاته وأدبياته.
البعض إستنكر موقفها من الغناء إلى جانب السلطة في محافلها التي تنظمها تياراتها الشبابية وغيرها، وأكد على زيف تاريخهم.
والبعض إستهجن قبول الفرقة حتى لوضع إسمها على الأفيش أو بوستر الإعلان بشكل خجول لا يليق بحجمها ولا تاريخها، ضمن عدد من المشاركين الآخرين. ورأوا في ذلك تنازلاً وعدم إحترام الفرقة لكيانها أولاً ولجمهورها ثانياً.
و في هذا الشأن، أجد أنه قرار تستفسر عنه الفرقة لتفند أسبابها لأن هذا شيء -الإسم مهمش أم ليس مهمشاً – لا علاقة له بأي موقف أخلاقي. حتى لو كان السبب أنهم يريدون أن يكونوا على الساحة بأي بشكل وأي صورة.

أجدني كذلك مستغربة من الضجة الآن، وقد كان كسرهم ل”عصيان نوفمبر”، العام المنصرم، مثيراً للإشمئزاز والضجيج أكثر.

وأظن أنه مع الجماهيريات المتشابكة مع بعضها البعض.
وبشكل عام لن نغفل، الأطر الإجتماعية التي تجمع الفرقة الغنائية مع عدد من المثقفين والمهتمين في الشأن العام والمشهد الثقافي ككل. والعلاقات الإجتماعية الوطيدة مع كثيرين ممن قالوا أنهم غاضبون من تصرف الفرقة التي لم تعد تستح من جانبها الموالي لجانب السلطة.
لكن لا يوجد الكثير بين كل هؤلاء لديه الشجاعة كي ينتقدهم علناً عبر أي وسيلة إعلامية كتابية أو مسموعة أو مرئية!، حرصاً على كل ما جاء في الأسباب المذكورة!.
هل يفرقون عن فناني الفرقة؟
بإعتقادي أن هذه الفرقة أشجع بين كل هؤلاء المتحذلقين النمامين.

قال الكاتب الأديب مارك توين: “حين تجد نفسك
إلى جانب الحكومة، توقف وإستدر للإتجاه الآخر ”

من الجانب الإقتصادي للبانوراما

الجانب الذي تتحمل الجماهير جزءاً من وزره.
كثيرين حين تضيق بهم، يهاجرون ويبحثون عن مصدر رزق لهم وكفالة لغيرهم، خارج حدود العمل داخل البلاد وبغض النظر عن الرأي في الهجرة وإذا ما حسبنا أن الهجرة هي أحد الحلول الدارجة في الوقت الراهن لمن إستطاع إليها سبيلاً، مع الأوضاع الخانقة. فالهجرة تكون خياراً حين تحرمك الظروف الإقتصادية من مساعدة نفسك وأهلك وتوفير حياة كريمة لهم.
أو حين تتوفر جميع محفزات الهجرة!.
وبعض المبدعين -وأقول بعضهم وخصوصاً من تجاوز الخمسين من العمر- من الفنانين لا فرص عمل لهم بالخارج، خصوصاً في نفس مجالهم الفني مهما كان حجم شهاداتهم الأكاديمية!.

حيث يكون البقاء وعدم محاولة الهجرة، أجدى, يتحتم على المبدعين، المواصلة في الإنتاج، لكنهم يلحظون أن الجمهور أحياناً مرحلي.
ومن ناحية الجمهور، نجد أن أغلب الشباب والطلاب على وجه الخصوص من محبي الفرق التقدمية – وإن كان أي فنان تقدمي بطبيعة الحال- معظمهم يرفدون من بيوت نظيفة أو فكر ثوري أو وعي تقدمي. ومع نظام يميني متطرف وقمعي، فإن الغالبية بالضرورة بدخل محدود ومع الضغوط الإقتصادية المتزايدة يكون التنازل عن ثمن التذكرة لأجل أولويات لا يمكن التنازل عنها، الخيار الأنضج الذي يُعتمد.

إذن، أين توجه مثل هذه الفرق عطائها؟ وإني هنا لا أقصد الفرقة التي أثارت الجدل.

دعونا نعترف أن الجمهور المقتدر لدعم الحراك الثقافي، مادياً، ليس في الغالب جمهوراً معنياً بالثقافة والفن. وإننا كشعب بتنا لا نساند مبدعينا. هذا واقع، المبدع غير منفصل عنه. بل وصلنا حد أن يجلد فنان له جماهيرية ضخمة، أمام أعين لا تحرك ساكناً!.
تتفنن الديكتاتوريات في إذلال المبدعين بشتى الطرق وليس الجلد فقط.

هنا يتوارد التساؤل:
من أين سيعول المبدعون أطفالهم؟

هل هذا تبرير؟.
لا. ولكني أحاول هنا أن أكون ديكارتية. وأن أنظر لكل الجوانب بتجرد . وفي نفس الوقت الذي لا يغيب فيه عن بالي، كل ضحايا الحرب في بلادي، وعلى البال كذلك مقولة نيلسون مانديلا: “ليس حراً من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة”.
وللحرية معطيات لا تتوفر عند الجميع. وكما قال الشاعر المصري فارس خضر ضمن حوار بمجلة ، ما مضمونه، أن كل القوى الثورية العميلة أصبحت تدعي النضال، لذا لم تعد تستطيع التفرقة بين التجار القدامى والتجار المحدثين، ومن هنا نحن أحوج ما نكون إلى ثورة ثقافية.

مواقف لمبدعين كبار

الفن إبن الحرية
الشاعر الألماني شيلر

لا أعلم إن جازت مقارنة المواقف ولكني لأجلها استعنت في الأسماء بجوجل لكي أشير لموقعي بيان الإستنكار للمجازر بفلسطين
البيان الموقع من المفكر إدوارد سعيد والروائي المكسيكي كارلوس فوينتس والإسباني خوان غويتسولو، والحملات التي قام بها الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والألماني غونتر غراي والبريطاني توم بولين. ومن منطلقه قرر البرلمان العالمي للكتاب الذي كان يترأسه راسل بانكس، التحرك لمساندة الشعب الفلسطيني، إنطلاقاً من باريس. البيان الموقع والمستنكر سياسات آرييل شارون المبيدة، لم يصدر وحسب بل أقيم لقاء عالمي في رام الله لكسر الحصار.
الحصار الذي كتب عنه محمود درويش (حالة حصار)
.
وكان درويش من منظمي اللقاء الذي شارك فيه؛ الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو والنيجيري وول سوينكا والفرنسي جاك دريدا 'فيلسوف التفكيك' والأمريكي نعوم تشومسكي ونورمان فنكلشتاين والإيطالي فينشيرو كونسولو والجنوب أفريقي برايتن براتينباخ والصيني باي داو والفرنسي كريستيان سالمون وآخرون
'وإن كنت أكره وآخرين هذهِ'.

كل هؤلاء غير آبهين لأي إتهام وسط هيمنة لقوى لا يستهان بجبروتها.
هنا تظهر عظمة هؤلاء العباقرة.

بكل جسارة يرفض ماركيز جائزة نوبل للآداب، ولأن نوبل للسلام التي تسلم للقتلة الكبار في العالم. نوبل التي صارت مستبسطة لقيمة الجائزة وباتت تعطى بلا إكتراث لمن هو ليس أهلاً للتكريم. توكل كرمان نموذجاً.
نوبل التي تنبأ بتوجهها الكاتب الأديب الساخر جورج برنارد شو حين قال: أغفر لنوبل
إختراعه الديناميت ولا أغفر له جائزة نوبل
.

هنالك من يرفضون تكريمات بهذا الحجم، مكرمون لأنفسهم، صانعون لمجدهم.

بالحديث عن الفنانين الكبار أو الصغار .. نذهب إلى حيث الأسئلة المشروعة:

هل يفقد المبدع الواقف لجانب السلطة إيمانه بمشروعه؟
أم تتغير الرؤى؟
أم ما عادت المرجعيات تسنده؟
ما الذي يجعل الفنان لا يقف مع شعبه في المواقف التاريخية الحاسمة؟ المواقف الأخلاقية العظيمة كما سماها مارتن لوثر كينج.

على الفن أن يقف دائماً إلى جانب المقهور
مقولة غونتر غراس الشهيرة

وإن كانت لآخرين سانحة ليقدموا إعتذاراً . وإن كان أحياناً مبطناً فهو ولا شك مقبولاً. يعلنون هم عن موقف محترم حقيقة، فالنقد الذاتي دوماً محل تقدير. مثل العضو السابق للفرقة التي أثارت ضجة وتنديداً بموقفها من كثيرين وخصوصاً على السوشال ميديا. والذي بدوره لم يسلم من المتابعين وإستيائهم، إذ أنه
عند بدايات النظام الذي سمى نفسه 'حكومة الإنقاذ' غنى في أحدى الفرق الغنائية ذات التوجه الإسلاموي.

الثوار لا يرحمون

وإنى لأرى العدول عن موقف فج وضعيف أو تصرف سيء، لشيء محترم.
متى نسمح بأن يمضي الإنسان قدماً بشكل معافى وكريم؟ وبدون أي نهش في ماضيه أو إذلال بوسطه العائلي الموالي للسلطات القمعية أو البيئة الرجعية المتزمتة. لأن الشيء الحقيق بهم هو التصفيق لوعيهم وشجاعتهم حتى في الإفلات من كل مؤثرات هذه الروابط.

الفنان الكبير محمد وردي نموذجاً للشخصية العامة التي قدمت مثلاً في نقدها الذاتي، بعدما غنى لمايو في بدايتها ورجع و وقف في صف الشعب والثوار، معتذراً عن الغناء لحكومة مثل حكومة نميري.

إساءة توظيف ثقافة عفا الله عما سلف متمكنة من الذاكرة الجمعية للشخصية السودانية لحد كبير
رانيا موسى

كان الرئيسان جعفر نميري وإبراهيم عبود نموذجين

يجب أن يكون ضميرنا حاضراً لنقول أن الرئيس نميري كان سفاحاً حقيقة. وإن كان صحيحاً أنه لم يسرق هذا البلد إلا أن تاريخه ملطخ بدماء شعبه وكذلك لا ننسى سياساته القمعية المهينة لإنسانية المواطن السوداني.
ولكنه عاد بكل ثقة ليقضي أيامه الأخيرة بين أهله وأصدقائه غير خائف من فرد ولا شارع. مطمئن قلبه وسط هذا الشعب المتفرد كذلك في وعي التعامل مع #ثقافة الثأر.

كذلك الرئيس عبود، الذي يحكى أنه بعد ثورة أكتوبر، كان يتمشى في الأسواق بل ومن المفارقات الطريفة، أنه حتى بائع الخضار الذي انتفض عليه وشارك في إبعاده عن الحكم، يقول له: 'م تخلي يا ريس'!.

هذا الشعب يعرف النضال ولا يعرف التشفي.

الجماهير دائماً ترتد!

لو أخذنا نموذجين من مصر

المطرب تامر حسني الذي أذكر أنه طرد من ميدان التحرير وجاء يبكي عند تداعي نظام مبارك، مستبقاً النهايات. والذي حين ذهب لإحياء حفل بنيوجيرسي، عقب نكبة بورسعيد،
قابلته الجالية هناك بعبارات منددة وإحتجاج على إقامة حفله.
ولكنه الآن عاد لسابق عهده وجماهيريته وحفلاته وأفلامه بشباك تذاكرها المكتظ!.

و حتى الفنان الكبير عادل إمام
الذي جل جمهوره من البسطاء ومن أبناء الشعب المصري الكادحين ومن حواري مصر المزدحمة بالثوار. يستند لهذه القاعدة الجماهيرية ولم يقف لجانبهم و تضامن مع مبارك، ورغم أنه نفى ذلك وقال أن تصريحاته فسرت بشكل خاطئ.
إلا أنه حاضر كل رمضان بمسلسلاته و لا زال الجمهور يحتفي بإنتاجه بل ويغضب من ممثل مثل محمد رمضان حين علق بعفوية وبلا تركيز على عروض مسرحيته بمسرح الهرم وقال: مسرح “الزعيم سابقاً”.
يتمنون له الصحة والعافية وخصوصاً بعد فقد الوسط الفني لنجوم كبار من جيل الفنان عادل إمام وأصدقائه.
حتى لو تنصل عن مواقف سلبية أو أنكر وقوفه لجانب النظام، فما قاله يعتبر خجلاً على مواقف مثل هذه وكذلك إعتذار.
ولن أخفي سراً إن قلت إني أتمنى لعادل إمام طول العمر، كذلك.
ولكي ننظر للموضوع بشفافية أكثر، نرى أنه رغم هذا يوجد من لا يغفر ولن يغفر.

إن كانت الجماهير ترتد إلا أنها تبقى أحكامهم.. ويبقى التاريخ المخزي للمتخاذلين في كل زمان.
وبالطبع، االتواطؤ مع أصحاب المصلحة ليس طبع الشخصيات العامة وحدها
الفنان الكبير الراحل وديع الصافي، في وقفته مع الطاغية بشار الأسد في بدايات المأساة السورية، إهانة لمشاعر الشعب السوري ولأهل الضحايا. ولكنه برر ذلك بأن خير بشار الأسد ووالده عليه، من نفقات علاج ومعاملة طيبة.
وأجدني أعجب من الذين يعلنون القطيعة بإسم الإنسانية، وهم في حياتهم العادية يقفون بإستمرار في صف أناس سيئين وربما ظالمين، فقط لأنهم أصدقاؤهم أو لطفيون معهم. ضاربون بالضمير الحي والنزاهة عرض الحائط. الفرق فقط أن هذه صورة مصغرة وتلك كبيرة. واحدة إجتماعية, تحدث.. وأخرى مقززة صادمة. تلك معلنة و هذه في الخفاء وسط أطر إجتماعية ضيقة.
سياسة أطعم الفم تستح العين!.
لعبة سياسية وإجتماعية كذلك. وليس الفم هو الذي يتغذى فقط، كذلك “الإيجو”. وبالقياس على ذلك نجد أنها سيكولوجية واحدة. ولكن المبادئ تتم تجزئتها، فيختلط علينا كثير من تعقيدات المواقف.
هذه لن تكون أبداً دعوة للوقوف مع السفاحين والظالمين، ولكن دعوة لهذه النماذج المصغرة من المثقفين والمناضلين، لأن تخرس حتى تغير أنفسها أولاً.

مجدداً السؤال يطرح نفسه:

هل السلطة الأقوى للحكومات السياسية أم للفن؟

الفن الذي تعرف كيف تستغله الحكومات الطالحة والصالحة -'إن وجدت'- بدون أدنى تورع

ألبير كامو والجزائر

على المبدعين ألا يعتمدوا على نماذج إستثنائية للإقتداء.. هنالك من العباقرة من لهم ثقل على مستوى العالم، من خلدوا أسمائهم على أسطر
التاريخ.

مثلاً حين قرر إقامة نصب تذكاري لألبير كامو بوهران، إنقسم المثقفين إلى رافض لأن يكرم وهو الذي وقف والجزائر تقدم المليون شهيد، لجانب الإحتلال الفرنسي. والبعض رافض لأن كامو فرنسي الجنسية. والقسم الآخر يقول أن الجزائر أولى بقامة أدبية وفكرية مثله وعلى الجميع أن يعرف أنه جزائري الأصل والنشأة وثقافته مرجعيتها لحياته بالجزائر.

مجدداً الجماهير ترتد في جدلية أكبر من فرقة غنائية خذلت جمهورها أو زيفت تاريخهها أو تراجعت في مبادئها.

عن نفسي أجدني متأثرة بشكل ما بأدب وفن ألبير كامو وأنتمي لأفكاره الوجودية. وبالطبع أنتمي بكل جوارحي لنضال المليون شهيد!!.
وإن قدر لي أن أنحني إجلالاً ، فلهذه الأرواح الجزائرية.

كيف تقاطع لحناً جميلاً؟

المعادلات حين تجئ عن الفنون، تختل!. مثل أن نقاطع حفلات فرقة غنائية شيء سهل جداً وقد يكون أخلاقي جداً ولكن إن سمعنا الأغاني التي طالما طربنا لها وشنفت آذاننا، فلن نستطيع في الغالب أن ندعي الصمم.
قالها مايكل جاكسون:

I am a slave to the rhythm

أي أنه رهن أمر الموسيقى.. وله أغنية بنفس الإسم “سليف تو ذا ريذم”

نأيت عن الترجمة الحرفية، عمداً وحرصاً على سلامتي المعنوية من تأليفات المتشددين، لأنه وكما قال إيليا أبو ماضي:

وارفق بأبناء الغباء كأنهم مرضى
فإن الجهل شيء كالعمى

من أنت يا حارس؟
إني أنا الحجاج
عصبني بالتاج
امل دنقل

بشكل عام ودونما تمييز لأي اسم أو جماعة، حين يخلق المبدع جمهوراً بديلاً، لا يكون مكترثاً. وحين تتنازع في داخله معايير الفضيلة والمبادئ كل شيء يهون. لكنه سيسقط حين يجد أن عماده من جمهور، تركه لأعمدة غير منيعة لا تسند ولا تضمن له الإستمرارية.

حتماً على كل المتخاذلين الذين يريدون رصيداً مشرفاً، أن يلحقوا ماء وجههم قبل أن ينضب. أن يتعلموا درساً ويعودوا ليصالحوا الجمهور، إحتذاء بالنماذج التي تعتذر من جماهيرها في كل العالم. الجمهور لا يرجو أكثر من أن يتحسس معالم الخير في روح الفنان. روح الإنسان. فالفن دوماً مؤنسن ولا ينبغي ابتذاله.
حتى لو كان المبدع إنتهازياً وهمه تكديس الثروات وأضواء الشهرة، خير مليون مرة على أن يقف عدواً للشعب، متشبثاً بمواقف مخجلة.

وسر العبقرية حين يسري
فينتظم الصنائع والفنونا
وآثار الرجال إذا تناهت
إِلى التاريخ خير الحاكمينا
احمد شوقي

____________________

☆كاريكاتير الفنان هربرت بلوك “هربلوك”