توبيخ ,, مجرد ترجمة لتأمل
by Ronnie Tahir on Friday, October 15, 2010 at 11:22am

طفل مدلل، فتح شنطتي و أخرج ‘ساندويتش’ ملفوفاً بورقة من جريدة. كان ذلك فطوري!. لم يعده.. حاولت خربشته.. لكنه كان يلتهمه ويقضمه بشراهة ونهم متعمدين!. أبلغت ماما عواطف-مدرستنا في الروضة- فنادت عليه، جاء و أراها خدشة صغيرة على خده، فوبختني واتهمتني بالعدوانية. لم أفهم شيئا ولكني بلعت بكائي فبدوت مجتراً.. قررت أن أبدو أنيقاً وأجهش به بأعلى صوت حتى تندم على تحكيمها هذا. مساءاً، وقرب منزل قريبنا صديق محمد خير جلستُ على كرسي أمام منزله تحت اللبخة. ما هذا العجاج؟ سألت إحدى المارات. أجابتها أخرى: إنهم جيران يجتمعون في حلقة رقص, رقص النُوبة مميز وله إيقاع قوي كجبال النوبة العتيدة كالطبيعة الغناء وحتى وثبات الضواري.
سمعتهما في فضول، غادرت كرسيّ راكضاً صوب الحلقة
بتطلّع. أعجبوني .. قلدتهم. كنت أضرب الأرض برجل واحدة بتخطِ إيقاعي . كانت حالة صخبية ولكنها ليست هستيريا. أذكرها، أقر ب لإحساس نشوة مخدَّر ب يوغا!. كانوا يبعدونني عن أطفالهم. لم أفهم لماذا!.. لم أؤذهم, بل كنت قد أحببتهم!.
لم أفهم
ذهبت أريح ضيمي عند عمتي التي كانت تثرثر على عتبة باب ‘ناس عشوشة’ لكنها وبختني وضربتني. مرّت حينها “بت حلبية” شمتت و ضحكت عليَّ كثيراً .. لم أفهم لما فعلتْ ولم أفهم سبب ضرب عمتي لي!.
لم افهم شيئاً!.
لم أفهم شيئاً!.
. . . . . . . . . . .
بِتُ أحس بالماسورة -أي الحنفية- عندما تكون غير دارّة للمياه!.. عندما تصبح “ماسورة” كما يصطلح الشباب في
تقليعات الظرف المعطى ولغة الشارع والراندوك. عطل شبكات مياه خطنا طال. شكونا ولم نجد مردّاً. ألححنا ووبخونا, لم أفهم لماذا!!.
سألت كَكْوَى -صبي الورنيش- الذي كان يفضل بيوت بعض فاحشي الثراء المفاجئ لأنهم لا يحبون تنظيف أحذيتهم.. كما يظن!. الحذاء مثل الذمة! -عندهم طبعا- دلني على الفيلا المجاورة قيد التشطيب يملكها ثري من العرب الرحل..توجهت لأنقل من عندهم ماءاً فوجدت الخفيرة زوجة الخفير ‘عجب الماشي’،، تقطِّع طماطماً وتحك جلدها ثم تواصل التقطيع, مزجتْ الطماطم والبهار والبصل ورشّت على العصيدة, نادت على أبنائها متسخي الأيدي- بعضهم تعوّد وضع إصبعه في منخره- ودعتني لأفطر معهم .. إعتذرت.. كنت طفلا يتقزز حتى من سماع كلمتي “قرف” و “جرثومة” ولكن عجب ضربت
وتراً موجعاً لي بقولها: معليش نحن ما قدر المقام، فغصبت رغبتي وجلست وتذوقته. سُئلت عن التأخير في بيتنا, ففصّلت في
المسببات بما فيها لون العصيدة الوردي المائل إلى البني. أحسست بالهبل بعد أن عرفت ان اسمها عصيدة فتريتة..لكن لم افهم مصدر هذا الإحساس!. لو لم يسمع أحد أطفالهم بإسم هذه “الدُرة” لوصفها بطريقته أيضاً. ولم أفهم كذلك اسلوب عجب العجيب في التوبيخ!.
لم أفهم.
في المساء أخرجت دراجتي.. إلتمّ الأطفال, تحمست للإستعراض .. تخيلوا أنها مصارعة ثيران،، “هكذا إقترح سمبو صديقي” من أبناء الفلاتة. ففعَّلتُ الفكرة واستمتعت بالإبهار. حاولت إبنة بسمات تقليدي ولكنها سقطت وكشطت ركبتها وأزعجتنا بالصراخ حتى خرجت بسمات والسكين بيدها, ترطن و تلوّح بالجرير بيدها الأخرى و توّبخ وتهدد بكشط رأسي!. تركت الدراجة مذعوراً, لم أدفع الدراجة لأسقط إبنتها الغبية, لما إمرأة في سنها تفعل مثل هذه الأشياء الإنتقامية؟
لا أفهم!!.
عند العشاء, كانت بخيتة جارتنا -زاندية جميلة- أهدتنا سمكاً مقلياً شهياً مِن الذي تبيعه، كنا ممتنين ومعنا جارتنا “آدود” التي وعدتنا أن تصنع -كاني مورو- سريعاً لأنها ستتعشى معنا هي وأبناؤها, وقد كان. وكنت فرحانا. بعد العشاء, ما إن قدمّت لي كوزاً وليس كأسا حتى داهمتنا إحدى أنواع الشرطة وإتهمونا بتناول الكحول!. أي كحول هذه لمشروب طازج؟!!. ولكنهم قرروا جلدنا جميعاً!.
لم أفهم !
وبخوني بكلمات لا يفهمها طفل صغير مثلي. قالوا لي يا محمد أحمد ؛ قاطعتهم.. أنا لست محمد احمد، أنا عزيز ود العزة. قالوا بتهكم: حسنا أيها العزيز, إمض لنا إقراراً. لكني لا زلت جاهلاً أن أمضيه بأكثر من
مائة لغة. تهكموا ثانيةً : ومن قال لك أن تمضي بغير لغتنا؟. وما هي لغتكم؟ وعلى ماذا أقر؟! ردوا بغضب وتهميش: ستعاقب على
جهلك إذن وسنجلدك ألف جلدة.
أجهشتُ باكياً حتى بانت أضراسي المتسوسة بسبب حلوى عم أوشيك سيد الدكان “لكوم وفولية وسمسمية وحلاوة حَلّي الملونة التي لم أكن أفهم لماذا نأكلها معتتة!!…. صرختُ كثيرا أثناء جرجرتهم لي لأجلد في الحوش الكبير المشمس وكثير من البالغين الكبار بمختلف سحناتهم إجتمعوا للتفرّج بسماجة وبلادة!. كنت أصرخ حتى تظهر لوزتيّ : مامااااا .. بابااااا.. مامااااااا باباااااا لحظتها غيّمت الأجواء وتزايدت مساحة الظل. عرفنا المصدر لما هبط طبق طائر لا صوت لمحركاته على الحوش. إمتدت منه ملاقط .. إلتقطتني وسحبتني داخله ثم أقلع. وجدتهم
بداخله مبتسمون, حنونون ومرحبون. إحتضنوني بحب ثم سألوني: أي مركبة قادتك فضللت طريقك إلى هذا المكان في الخريطة النسخة؟ يا للهول! أيها الحكيم المبجل؟! أنت تبدو كطفل صغير!! عبّروا عن قلقهم من عدوى “الدروشة” التي تصعب معها منطقة ردود الأفعال والحس العملي السليم .. كذلك قالوا: ” أن أسوأ ما يمكن حدوثه هو متشابهات متلازمة ستوكهولم ونحن لا نتمنى أن يحدث هذا في هذه البقعة”. رددوا بشفقة: إبننا المسكين!. علينا علاجك بأسرع وقت ومهما كلفنا، فمخلوق كوكبنا خير رأس مال.
الآن فهمت.
_____________
**متلازمة ستوكهولم .. إضطراب نفسي يكون المتعايش معه، متعاطفا مع معذبيه ومتسامحا و قد ألف التعذيب.
.حلاوة حلي هي العسلية في بعض البلدان
النوبة : قبيلة كبيرة وعريقة من غرب السودان
العرب الرحل مجموعة قبائل بدوية
آدود من قبيلة النوير
يشرب بالكوز وهو كوب من معادن النيكل و الألمونيوم وشبيهاتها، دلالة على الإلفة وعدم التكلف والرسميات.
كاني مورو مشروب من جنوب السودان
الفلاتة مجموعة سودانية هاجرت من دول أفريقية منها نيجيريا على وجه الخصوص

توبيخ؛سودانية,حتى مع دولتين” ,,ولكن الديكتاتوريات تتشابه أدواتها, ألمانيا حكاية شتاء لوحة الفنان اليساري, جورج غروش خير معبّر عن كم الشخبطة أعلاه!
ولوحة George Grosz كانت قصيدة لهايني بنفس الإسم .. ‘توبيخ’ مزيج من عامية وفصحى ولا أظنها تأخذ هيئتها إلا في هذا المظهر
_______________